فريق شرطة (حقوقي) د. الطيب عبدالجليل حسين .. يكتب،، الحكم الجنائي الإماراتي بحق قيادات سودانية عسكرية وأمنية ومواطنين سودانيين في سياق الصراع الاستراتيجي الدولي

(إجراءات ما قبل المحاكمة والتحقيق الجنائي)
تناولت المقالة السابقة، وخلاصة ما انتهت إليه، أن تداول الأخبار والمعلومات عبر الفضاء الرقمي بشأن محاكمة قيادات عسكرية وأمنية رفيعة ومواطنين سودانيين، في ظل السيولة المتزايدة التي تتسم بها العلاقات الدولية في عصر العولمة والثورة التكنولوجية والذكاء الاصطناعي، يقتضي تبني مقاربة استراتيجية متقدمة تتجاوز الأطر التفسيرية التقليدية، وتستوعب التداخل المتنامي بين الأبعاد القانونية والسياسية والإعلامية والاستخباراتية، وما تتيحه البيئة الرقمية الحديثة من تأثير متبادل في تشكيل السرديات وإعادة إنتاج موازين القوة والنفوذ على المستويين الإقليمي والدولي.
فالحكم الصادر عن إحدى المحاكم الجنائية في الإمارات بحق شخصيات سودانية بارزة، وفي مقدمتهم الفريق أول ياسر عبد الرحمن العطا وصلاح عبد الله المعروف بصلاح قوش، لا يمكن اختزاله في تحليل جنائي عابر أو الاكتفاء بالتكييف الفني للاتهامات، بل يستوجب قراءة تحليلية أعمق (بالتفكير خارج صندوق النظرة المهنية الفنية للأحكام القضائية) تستوعب السياق الاستراتيجي المحيط به وتجليات طبيعة العلاقات السودانية الإماراتية على واقع الحرب الدائرة في السودان، وصولاً إلى توظيف الضغوط القانونية والاقتصادية والأمنية في صراعات النفوذ المعاصرة. ولهذا الغرض، يتسق الطرح المنهجي لقراءة الحكم الجنائي الأماراتي نحو التأسيس لبراداغم نقدي وحقل معرفي متكامل يُمكن الاصطلاح عليه (بعلم القوة والترصد والمؤامرات)، وهو حقل معرفي نقدي يُعنى بدراسة البنيات العميقة والديناميكيات غير المعلنة التي تحكم تفاعلات الفاعلين الدوليين، حيث تتحول الدول الكبرى من مجرد أشخاص قانونية ملتزمة بالمعاهدات إلى وحدات براغماتية تدير صراعات الوجود والنفوذ عبر التوظيف الممنهج لأدوات القوة، والترصد الاستخباراتي، وإساءة استخدام المنظومات القضائية والاقتصادية العابرة للحدود لإخضاع الخصوم وتفكيك شرعيتهم دون الحاجة للمواجهة العسكرية المباشرة.
وتتجسد الركائز المعرفية والبنيوية لهذه النظرية في تفكيك واجهة القانون الدولي والمؤسسي لتجريد الخصوم من الشرعية عبر التقاضي العدائي (Lawfare)، إلى جانب سوسيولوجيا الترصد الاستراتيجي التي تستغل الثغرات والحروب الوجودية للدول عبر الشبكات والحروب الهجينة، واقتصاديات التشابك المالي التي توظف تُهم/ تهمة غسل الأموال لإعاقة عقود الإمداد والتسلح السيادي، وصولاً إلى تأكيد حق الدول المستقلة في حماية مقدراتها الدفاعية بالسرية الوقائية المشروعة وفقاً لأعراف العلاقات الدولية في أوقات الحروب التي تقتضي شرعنة السرية العالية والتكتم بعدم الكشف عن السلاح ومصدره. ومن هذا المنظور، لا يُعد الحكم الإماراتي مجرد واقعة قضائية تقليدية، بل يمثل تجسيداً لظاهرة الحصار الجيوسياسي والتوظيف القضائي العابر للحدود، الأمر الذي يفرض التمييز الدقيق بين المسؤولية الجنائية الفردية وبين المؤسسة العسكرية السودانية، مع اشتراط إثبات القصد الجنائي الخاص وعدم الاقتصار على مجرد طبيعة النشاط المتعلق بتسليح القوات المسلحة ودعم قدراتها الدفاعية.
وإزاء هذه التداعيات، لا ينبغي إغفال أن الخلافات والنزاعات السياسية مهما بلغت حدتها لا تؤدي بذاتها إلى إسقاط الآثار القانونية للاتفاقيات الدولية النافذة، إذ كرست اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969م مبدأ وجوب تنفيذ المعاهدات بحسن نية، وهو ما ينسحب على اتفاقية التعاون القضائي الثنائية بين السودان والإمارات لعام 2005م واتفاقية الرياض العربية لعام 1983م، مما يوضح أن تنفيذ الالتزامات يظل محكوماً بنطاق كل اتفاقية وشروطها القانونية لا بظرف التوتر السياسي. وتتأكد هذه الضوابط بوضوح عند مقاربة مفهوم القوة القضائية في العلاقات الدولية، حيث يُحظر تماماً بموجب المادة الثالثة من دستور منظمة الشرطة الجنائية الدولية (الإنتربول) تحويل آليات التعاون الشُرطي أو النشرات الحمراء إلى وسيلة لملاحقة الأشخاص لأسباب سياسية أو عسكرية أو لتصفية الخصومات، شريطة استقلال الملاحقة وخلوها من التعسف، لتبقى المساءلة الجنائية حقاً مشروعاً تحكمه ضوابط النزاهة والحياد بعيداً عن أغطية التوظيف الاستراتيجي للعدالة.
وتتناول هذه المقالة مسائل بالغة الأهمية تتعلق بمرتكزين جوهريين في العدالة الجنائية الدولية؛ وهما (سلسلة التحقيقات الجنائية)، باعتبارها المسار الإجرائي والمؤسسي المتسلسل الذي تباشره سلطات إنفاذ القانون لجمع الأدلة وتوثيق الوقائع وضمان سلامة المضبوطات وتحريزها وفق الضوابط القانونية المقررة، وما يعرف (بسلسلة التحقق المستقل)، بوصفها المنهجية التحقيقية المتقدمة التي تقوم على تفكيك الروايات الأمنية الأحادية وإخضاع الأدلة لاختبارات فنية وموضوعية صارمة عبر خبراء مستقلين وجهات دولية معتمدة لمنع توظيف القضاء في الصراعات السياسية.
ويرتبط هذان المفهومان ارتباطاً وثيقاً بالجرائم العابرة للحدود وذات الطابع الدولي التي تحكمها المواثيق والاتفاقيات الدولية؛ إذ يشكل التزام سلطات التحقيق بسلامة هاتين السلسلتين الضمانة الأساسية لإضفاء النزاهة والمشروعية على أي إجراء قضائي، ومنع الانحراف بالإجراءات التنظيمية والفنية نحو أتون التجاذبات الجيوسياسية.
(أولاً) تفكيك السردية الإماراتية في ضوء قواعد الطيران المدني الدولي:
———————————
تستند المنظومة الحديثة للطيران المدني الدولي (التنظيم المؤسسي الدولي للطيران المدني وحماية بيئة النقل المعولمة) إلى إطار تعاهدي ومؤسسي متكامل أُرست دعائمه بموجب اتفاقية شيكاغو للطيران المدني الدولي لعام 1944م، التي شكّلت المرجعية القانونية العليا لتنظيم استخدام المجال الجوي الدولي وضمان انسياب حركة النقل الجوي عبر الحدود، في ظل منظومة موحدة تراعي مقتضيات السيادة الوطنية ومتطلبات السلامة والأمن والتعاون الدولي. وقد أسهم هذا الإطار في بناء نظام عالمي مترابط لإدارة الطيران المدني، يتجاوز الحدود الوطنية ليكوّن أحد أهم ركائز البنية التحتية للعولمة الاقتصادية والتجارية والإنسانية المعاصرة.
وانبثقت عن هذه الاتفاقية منظمة الطيران المدني الدولي (International Civil Aviation Organization – ICAO) بوصفها وكالة متخصصة تابعة للأمم المتحدة، أوكلت إليها مهمة وضع وتطوير المعايير والممارسات الدولية الموصى بها (Standards and Recommended Practices – SARPs)، والإشراف على ترسيخ منظومة السلامة والأمن الجويين، وتحديد الالتزامات القانونية والفنية الواقعة على عاتق الدول الأعضاء فيما يتعلق بحوادث الطيران والمخالفات التشغيلية ومتطلبات الامتثال التنظيمي. كما يتكامل دورها مع الأطر الفنية والتشغيلية التي يضعها الاتحاد الدولي للنقل الجوي(International Air Transport Association – IATA)، بما يعزز توحيد الممارسات التشغيلية، ويرفع مستويات السلامة والكفاءة، ويضمن موثوقية سلاسل الإمداد والخدمات اللوجستية العابرة للحدود في بيئة النقل الجوي العالمية.
وفي هذا السياق، يُعد الالتزام بأحكام اتفاقية شيكاغو وملحقاتها الفنية وما تفرع عنها من قواعد ومعايير دولية حجر الزاوية في إضفاء المشروعية القانونية والفنية على جميع التدابير والإجراءات والتحقيقات التي تمس حركة الطائرات، ووثائق الشحن، والبضائع المنقولة جواً. ومن ثمّ، فإن أي واقعة تنشأ داخل هذا الفضاء التنظيمي الدولي تقتضي، من حيث الأصل، إخضاعها للمسارات الفنية والإجرائية المعتمدة دولياً، وبما يكفل سلامة التحقق من الوقائع، واحترام قواعد الاختصاص والتعاون بين الدول، وتحقيق أعلى درجات الشفافية والموثوقية في تقييم الأدلة والبيانات ذات الصلة.
وعلى هذا الأساس، فإن الوقائع ذات الصلة بحركة الطيران المدني الدولي لا تُفهم بمعزل عن البيئة المؤسسية والتعاهدية التي تحكمها، كما لا يجوز اختزالها في تكييفات قانونية أو أمنية أحادية ضيقة النطاق؛ إذ تظل خاضعة لمنظومة معقدة من القواعد الفنية والتنظيمية والالتزامات الدولية المتشابكة. ولذلك، فإن سلامة المعالجة القانونية لأي حادثة أو ادعاء يتعلق بالطائرات أو البضائع الجوية العابرة للحدود تقتضي استحضار الأبعاد الدولية والتشغيلية والمؤسسية الحاكمة لهذا القطاع، وضمان اتساق الإجراءات المتخذة مع القواعد والمعايير التي أرساها النظام الدولي للطيران المدني، بما يحفظ التوازن بين مقتضيات السيادة الوطنية ومتطلبات الشرعية الدولية وسلامة النقل الجوي العالمي.
1. معالم السردية الإماراتية الرسمية وتفاصيل الضبط:
———————————
من واقع التحقيق القضائي والبيانات الرسمية المتزامنة مع الشكوى المقامة من السودان ضد دولة الإمارات أمام محكمة العدل الدولية، تدور الواقعة برمتها حول مزاعم بضبط شبكة خططت لنقل عتاد عسكري وأسلحة – تضمنت نحو خمسة ملايين طلقة من عيار 762×54 ملم (طراز قرنوف Goryunov/Geranov)) عبر استخدام أراضي الدولة (الأمارات) كمحطة عبور (Transit) متجهة إلى بورتسودان لصالح القوات المسلحة السودانية. وتدعي التحقيقات التي اجرتها النيابة العامة الأماراتية أن المتهمين استغلوا شركات وحسابات مصرفية ووثائق تجارية لإخفاء الطبيعة العسكرية للشحنة، حيث صُرّح عنها صورياً في المستندات بأنها (مساعدات إنسانية ومعدات طبية) موجهة لوزارة الصحة الاتحادية السودانية، قبل أن يُضبطوا أثناء تفقد الحمولة على متن طائرة خاصة في أحد مطارات الدولة، ليتسق التكييف النيابي للنيابة العامة الإماراتية لاحقاً تحت طائلة قانون الأسلحة والذخائر والعتاد العسكري وقوانين مكافحة غسل الأموال.
ومِن هذا المنطلق، وعلى ضوء التأصيل المؤسسي والدولي المنظم للطيران المدني وحماية بيئة النقل المعولمة، يتكشف الخلل الهيكلي- إجرائياً وموضوعياً – في السردية القضائية الإماراتية التي ادعت ضبط طائرة مدنية عابرة تحمل وثائق شحن مضللة لعتاد عسكري موجه للقوات المسلحة السودانية. فمن واقع قواعد القانون الدولي للطيران، كان يتوجب على السلطات الإماراتية – عند رصد أي مخالفة تشغيلية تمس بوليصة الشحن الجوي (Air Waybill) أو قواعد النقل الآمن للبضائع الخطرة – تفعيل آليات الإبلاغ والتحقيق الإجباري المنصوص عليها في الملحق (13) الخاص بالتحقيق في حوادث الطيران، والملحقين (17) ، (18) المعنيين بأمن الطيران وتداول البضائع الخطرة، وإخطار دولة تسجيل الطائرة (State of Registry)، ودولة المشغل (State of the Operator)، ومجلس منظمة (الإيكاو) باعتباره الجهة الدولية الأصيلة والمعنية بالفصل في نزاعات تطبيق اتفاقية شيكاغو وفقاً للمادة (84) منها.
إن القفز المنهجي فوق هذه الالتزامات التعاهدية، واحتكار دولة الأمارات للتحقيق وحجبه عن لجان فنية دولية محايدة، مع إغفال تحديد علامات الجنسية والتسجيل الإجبارية للطائرة وفق الملحق السابع (ICAO Annex 7)، فضلاً عن تحويل المخالفة التنظيمية لمستندات الشحن من نطاق الجزاءات الإدارية الصارمة المعمول بها في لوائح (الإيتا) إلى جريمة أمن دولة مغلظة بموجب قانون الأسلحة الإماراتي، يُشكل خرقاً صريحاً (لسلسلة التحقق المستقل (Independent Verification Chain . ويؤكد هذا الانحراف الإجرائي أن المحاكمة قد قُطعت كلياً عن سياقها الفني الدولي المعتمد، وتم توظيفها كأداة للقتال القضائي العابر للحدود (Lawfare) لتشييد سردية سياسية تخدم أهداف الصراع الجيوسياسي ضد الدولة السودانية ومؤسستها العسكرية السيادية، تزامناً مع الشكوى التي تقدمت بها جمهورية السودان ضد دولة الإمارات العربية المتحدة أمام محكمة العدل الدولية استناداً إلى اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948م.
2. إشكالية التكييف الفني للطائرة والغموض الإجرائي:
———————————
تُظهر مراجعة المصادر المتاحة غياباً تاماً للبيانات التقنية الحرجة المنصوص عليها في اتفاقيات الطيران الدولي بشأن النقل الجوي؛ إذ تكتفي الوصفات الرسمية بوصف الطائرة بأنها “طائرة خاصة” (*Private Aircraft*). وهذا الوصف الفضفاض لا يكفي قانوناً للجزم بما إذا كانت الطائرة مدنية تجارية أم ذات تشغيل حكومي أو عسكري خاص؛ لكون بعض الدول تشغّل طائرات مملوكة لمؤسسات سيادية بصفة غير تجارية. وبسبب هذا الإبهام والإغفال الإجرائي، تبرز التساؤلات المنهجية الآتية:
(1) ما هو نوع الطائرة وطرازها الفعلي؟
(2) من هو مالكها الفعلي والمشغل (The Operator)، وما هي الجهة اللوجستية التي أصدرت بوليصة الشحن الجوي (Air Waybill)؟
(3) ما هو رقم تسجيل الطائرة (Tail Number)، وما هي دولة التسجيل الفعلية (State of Registry)، والعلامات الرسمية والجنسية الجوية التي ترفعها، والتي تفرضها صراحةً قواعد الملحق السابع لاتفاقية شيكاغو 1944 (ICAO Annex 7) كشرط أساسي لإلزامية التسجيل المدني؟
(4) هل جرى إخطار سلطات الطيران المدني في دولة التسجيل ودولة المشغل رسمياً وفورياً بوقائع الضبط؟
(5) هل خضعت الحمولة لفحص تقني ومستقل من جانب خبراء طيران ومعاينة فنية محايدة؟
(6) هل صدرت تقارير فنية موثقة من سلطات الطيران المدني المختصة، أم اقتصر المسار برمته على محاضر أمنية وجنائية أحادية؟
(7) هل وُجدت أي مخاطبات أو مراسلات رسمية مع منظمة الطيران المدني الدولي (الإيكاو – ICAO) أو مع سلطات الطيران في الدول ذات الصلة؟
إن هذه الأسئلة الجوهرية تشكل عصب ما يُعرف في التحقيقات الجنائية والدولية (بسلسلة التحقق المستقل – Independent Verification Chain)؛ والتي تكشف أن تخطي الإجراءات الفنية الواجبة في مرحلة ما قبل المحاكمة، وعدم إخضاع الوقائع للتحقيق الدولي المحايد، يفرغ الادعاء من ركن النزاهة والمشروعية، ويؤكد أن ما جرى كان توظيفاً إدارياً لمخالفة نقل مدنية مفترضة لتشييد قضية سياسية كبرى في إطار أدوات (الحرب القانونية – Lawfare).
3. تساؤلات إجراءات ما قبل المحاكمة ومعايير (الإيكاو/ ICAO والإيتا/ IATA):
———————————-
من منظور التحقيق الجنائي المهني والاحترافي، ولا سيما في إطار تطبيق (سلسلة التحقق المستقل – Independent Verification Chain) لإعادة هيكلة وقائع ضبط الجرائم العابرة للحدود وتفنيد السرديات الأمنية الأحادية، يبرز التساؤل المنهجي الحاسم بشأن سلامة إجراءات ما قبل المحاكمة: إذا كانت السلطات الإماراتية تؤكد أنها ضبطت طائرة تحمل وثائق شحن مضللة وأسلحة على خلاف البيانات المقدمة، فهل كان يقتضي ذلك وجوباً إخطار سلطات الطيران المدني الدولية والجهات المختصة بالطائرة وشركة التشغيل ودولة التسجيل، وتدويل مسار التحقيق؟
من زاوية السلامة الجوية الدولية (Aviation Safety & Security) وحماية سلاسل الإمداد اللوجستي المعولمة، فإن الواقعة محل الادعاء – إن صحت – لا تندرج مجرد جرم جنائي محلي يتعلق بتهريب الأسلحة، بل تمس بصورة مباشرة قواعد الإفصاح والتصريح عن البضائع الخطرة (Dangerous Goods Regulations). وفي هذا السياق، يفرض التحقيق الفني المحترف الانتقال الفوري من المسار الجنائي والأمني الداخلي إلى مسار تحقيق دولي محايد، يُنتدب من خلاله خبراء تقنيون مستقلون بإشراف منظمة الطيران المدني الدولي (ICAO)؛ وذلك لمعاينة الشحنة، وفحص أدوات التحريز بدقة، والتحقق من النماذج الرسمية للتصريح الصادرة عن المورد والناقل، ضماناً لسلامة الأدلة ومنع أي اختلاق للوقائع أو تلاعب بمسار الأدلة المادية قبل إسباغ الأوصاف الجنائية عليها، الأمر الذي يُجسّد التطبيق العملي لمعايير واشتراطات اتفاقيات الطيران الحاكمة لنقل المعدات والأسلحة العسكرية على متن الطائرات العابرة لأجواء الدول.
(1) معيار قواعد المسؤولية في اتفاقيات الطيران المدني:
———————————
تتكامل هذه المعالجة مع المسار التنظيمي الدولي وقواعد المسؤولية المستقرة في اتفاقيات الطيران المدني؛ إذ يُكيف الفعل المتصل بوجود عتاد عسكري أو أسلحة غير مفصح عنها على متن طائرة مدنية ضمن أطر تنظيمية دقيقة ذات أحكام محددة. فبموجب المادة (35) من اتفاقية شيكاغو لعام 1944م المتعلقة بالذخائر والعتاد العسكري، تحظر الاتفاقية نقل الأسلحة فوق إقليم الدولة إلا بموافقتها، غير أن نص المادة وقواعدها التفسيرية تقتصر في منح الدولة حق التنظيم الإداري وحظر العبور، وتوجيه الإجراءات الضبطية والرقابية نحو مشغل الطائرة (The Operator) والناقل الجوي، دون أن تمنح دولة العبور أي سند قانوني دولي لإعادة تكييف الواقعة سياسياً، أو اتخاذها تكأة لتجريم دول أجنبية ذات سيادة، أو ملاحقة القيادات العسكرية لجيوشها النظامية جنائياً وإصدار أحكام مشددة بحقها. ويتكامل هذا الإطار مع الملحق رقم (18) لاتفاقية شيكاغو (ICAO Annex 18) الخاص بالنقل الآمن للبضائع الخطرة، والذي يصنف الذخائر ضمن الفئة الأولى (Class 1 Explosives)، مقراً بأن تقديم أوراق شحن صورية أو نقل مواد غير معلن عنها يُعد (مخالفة سلامة وتنظيماً تشغيلياً) تترتب عليها مسارات إدارية محددة تشمل التحفظ على الحمولة، وإلغاء تصاريح العبور، وسحب تراخيص التشغيل من الناقل؛ وهو ما تؤكده لوائح الاتحاد الدولي للنقل الجوي (IATA DGR) التي تلزم سلطات مطار الضبط بالتحفظ الفوري، وحظر شركة الشحن، وإخطار دولة التسجيل والمشغل لتطبيق الجزاءات الإدارية والمالية، بعيداً عن تسييس المخالفة وتكييفها في قالب جرائم مساس بأمن الدولة والمحاكمة الغيابية.
ويترتب على الامتناع عن تفعيل القواعد الآمرة المنصوص عليها في ملاحق اتفاقية شيكاغو- وهي الملحق رقم (13) المعني بالتحقيق في حوادث ووقائع الطيران (Aircraft Accident and Incident Investigation)، والملحق رقم (17) الخاص بأمن الطيران وحمايته من أفعال التدخل غير المشروع (Aviation Security)، والملحق رقم (18) الناظم للنقل الآمن للبضائع الخطرة عن طريق الجو (The Safe Transport of Dangerous Goods by Air) – فضلاً عن احتكار السلطات الإماراتية لمجريات التحقيق وحجبه عن لجان الفحص التقني المحايدة التابعة لمنظمة الطيران المدني الدولي (ICAO)، خرقٌ جسيم لمعايير إجراءات ما قبل المحاكمة. ويُمثل هذا النهج انحرافاً إجرائياً جذرياً يُسقط المشروعية القانونية عن (سلسلة الحيازة والضبط Chain of Custody)، ويجعل الدليل المادي محفوفاً بالبطلان ومحملاً بالشبهات لغياب الطرف الفني المحايد، مؤكداً في الوقت ذاته الطابع السياسي الخالص للمحاكمة وتوظيف الإجراءات القضائية في أتون (الحرب القانونية Lawfare) والضغط الجيوسياسي المسلط ضد القوات المسلحة السودانية وقيادتها السيادية.
(2) معيار السرية الوقائية والتحصين السيادي لتمويل ونقل المعدات والأسلحة العسكرية:
———————————
تتأكد هذه الدفوع الجوهرية عند مقاربة مسألة السرية الوقائية والتحصين السيادي؛ إذ تُعد سرية نقل المعدات والأسلحة والعتاد العسكري للدول ذات السيادة مذهباً استراتيجياً وقانونياً مستقراً في العرف الدولي، ولا يمكن بحال مقاربتها بمنطق البضائع التجارية أو المدنية العادية. ففي بيئة النزاعات المسلحة والحروب الوجودية، لا تُشكل (السرية) في صفقات الإمداد الدفاعي تضليلاً جنائياً، بل تمثل (سرية وقائية مشروعة) تستند إلى الطبيعة السيادية لصفقات التسليح، وحق الدولة الأصيل في حماية أراضيها وسيادتها من أي عدوان خارجي أو تمرد داخلي، وتفعيل مقتضيات ميثاق الأمم المتحدة في هذا المجال لضمان حق الدفاع الشرعي عن النفس، بما يمنح الدولة الحرية الكاملة في اختيار الوسائل اللوجستية والطرائق التي تراها مناسبة لنقل عتادها ومعداتها العسكرية، وتأمين خطوط إمدادها بعيداً عن أعين التربص والترصد. كما تفرض الطبيعة الحساسة للعتاد حجب تفاصيل الشحنات ومساراتها عن شبكات الاستخبارات المعادية وميليشيات المرتزقة لتجنب استهدافها أو التعرض للقرصنة السياسية والعسكرية. وعلاوة على ذلك، فرقت المادة (3) من اتفاقية شيكاغو لعام 1944م صراحة بين الطائرات المدنية والحكومية والعسكرية، مع التأكيد على أن استخدام وسائط نقل مدنية أو مستأجرة لنقل معدات عسكرية يظل، وفق قواعد القانون الدولي للطيران، مجرد مخالفة إدارية تنظمها لوائح منظمة (الإيكاو) واتحاد (الإيتا)، ولا ترقى مطلقاً إلى تجريم الدول أو اعتبار النقل سراً غير مشروع يعاقب عليه بعقوبات مشددة تجاه القيادات السيادية والعسكرية.
ومن ثمّ، فإن محاولة السلطات القضائية المحلية في دولة الإمارات تكييف سرية مستندات الشحن أو استخدام وصف (مساعدات إنسانية / طبية) كغطاء لوجستي لتأمين شحنة عسكرية على أنه (جريمة أمن دولة وغسل أموال)، يمثل انحرافاً قانونياً صارخاً عن قواعد القانون الدولي العام وقانون المعاهدات؛ لانتفاء القصد الجنائي الخاص (Mens Rea) نظراً لأن الغاية الأسمى للشحنة هي دعم القوات المسلحة النظامية لدولة ذات سيادة في حرب دفاعية شرعية ضد تمرد مسلح وليست أعمالاً إجرامية، فضلاً عن الاصطدام الصارخ بمبدأ الحصانة الوظيفية وسيادة الدول (State Immunity) الذي يمنع محاكم دولة ما من محاكمة قيادات عسكرية لدولة أجنبية بسبب إشرافهم على تأمين احتياجات قواتهم المسلحة، بما يحول القضاء الوطني إلى منصة للتدخل في الشؤون السيادية والقتال القانوني العابر للحدود (Lawfare). ونواصل، للحديث بقية.
فريق شرطة (حقوقي)
د. الطيب عبدالجليل حسين محمود
المحامي استشاري القانون والموثق
02 نزفمبر 2026م


