مقالات الرأي

أوراق  نازك الشوش .. يكتب ،، (العودة للخيول)

 

الحرب في السودان حتمًا سينقضي أجلها، لكن السؤال الذي يستحق أن نواجهه منذ الآن ليس متى تتوقف أصوات البنادق، بل أيُّ سودانٍ سنجده حين تصمت؟ فالأوطان لا تُنهكها الحروب وحدها، بل تُنهكها أيضًا السياسات التي تترك مواطنيها أسرى الفقر والعجز وانعدام الأمل، حتى في أوقات السلم. وما يُقلق حقًا أن تنتهي الحرب، بينما تظل الأسباب التي دفعت البلاد إلى حافة الهاوية قائمة، كأن كل هذا الخراب لم يكن كافيًا لإعادة النظر في طريقة إدارة الدولة ومصير الناس. نكتشف نحن كشعب طالت معاناته أن السياسة التي أوصلت البلاد إلى أزمتها لا تزال في مكانها ، تغيرت الوجوه والمواقع، بينما بقيت طريقة إدارة الخلافات، والتعامل مع السلطة، والنظر إلى المواطن، كما كانت قبل اندلاع الحرب؟ هذا الإحتمال يستحق ان يُطرح على طاولة النقاش ، فنهاية الحرب أمر غير مستبعد ،

لكن الحديث عن مستقبل السودان لا يمكن أن ينفصل عن حاضر السودانيين، الذين يعيش كثير منهم تحت وطأة ظروف قاسية، تتجاوز الخوف من الحرب إلى صراع يومي من أجل البقاء. فغلاء المعيشة بات حديث المجالس ، وتزداد صعوبة الحصول على الاحتياجات الأساسية، ناهيك عن الأزمات المتشابكة في العلاج والتعليم والسكن والعمل والمواصلات ، اصبحت كل هذه الأزمات متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي في طرائف تُحكى من قلة حيلة هذا الشعب يتداول معاناته وما يُقاسيه في حياته اليومية على شاكلة ( ونسة وضحك) فمثلاً صادفتُ بالأمس ( بوست) على فيسبوك معلقاً صاحبة على ازمة المواصلات قائلاً

( والله انا شايف مع اسعار المواصلات دي طلاب الجامعات إلا يشوفوا ليهم جواد اصيل يمشوا بيه الجامعة ) ، السودانيين، وسط هذا كله، يحوّلون معاناتهم إلى نكات يتداولونها ؛ يضحكون من غلاء المواصلات، ويسخرون من ضيق الحال، محاولون بذاك تخفيف واقع لا يملكون ترف تغييره ، هؤلاء لا يحتاجون إلى أن تنتهي الحرب فحسب، بل إلى أن تتغير الظروف التي جعلت الحياة قبلها شاقة، والبقاء خلالها معركة، وقد تجعل ما بعدها امتداداً للمعاناة نفسها.

ففي ظل هذا الواقع الذي نعيشهُ الأن ، لم يعد السؤال عن السياسة ترفاً فكريًا، بل أصبح مرتبطاً بقدرة الناس على تدبير حياتهم ، فحتى قبل اندلاع الحرب، لم تكن حياة السودانيين سهلة؛ ثم جاءت الحرب لتضاعف ما كان قائماً، وتحوّل الأزمات التي اعتاد الناس الشكوى منها إلى معارك يومية

البلاد ليست ملكًا للقوى التي تتنافس على تمثيلها، ولا ينبغي أن يكون مستقبلها شأناً يُحسم بعيداً عن أصوات المجتمعات التي تحملت كلفة الحرب، ولا سيما الفئات التي تغيرت حياتها بفعل الصراع، فالتغيير الذي لا ينعكس على حياة الناس يظل ناقصًا. ولا يكفي أن تتحدث أي سلطة مقبلة عن التعافي وإعادة الإعمار، إذا ظلت احتياجات المواطن اليومية خارج صدارة أولوياتها ،فإذا كانت الحرب قد كشفت هشاشة الواقع، فهل ستكون نهايتها بداية لمعالجة جذوره، أم مجرد عودة إلى ما قبلها ، بكل أزماته المؤجلة .

زر الذهاب إلى الأعلى