فريق شرطة(حقوقي) د. الطيب عبدالجليل المحامي يكتب الشرطة ودورها في التشريع

الشرطة من أجهزة بنية مؤسسات الدولة، ووظيفتها أنها وسيلة الدولة لإنفاذ القانون لادارة عمليات الأمن الداخلي. والشرطة لتأدية وظيفتها، فهي علم وفن لحفظ الأمن والنظام العام. فالشرطة علم، لها منهجياتها العلمية النظرية والتطبيقية المختبرية والمعملية لتدابير عمليات إنفاذ القانون. وكما الشرطة فن، لأن عمليات إنفاذ القانون نتاج من جهد قدرات فكرية عقلية ذهنية وجسمانية لحفظ الأمن والنظام العام من خلال عمليات ووسائل السيطرة على الجريمة وعلى الأعمال التخريبية وأعمال بث ونشر الفوضى والرزيله للحد منها وإكتشاف ما يقع منها.
وأما التشريع، فهو وسيلة الدولة لحل المشكلات والمعضلات المستعصية التي لا حلول لها، لتنظيم العلاقات المتشابكة بين الافراد الطبيعيين والمعنويين في الدولة من جهة، وتنظيم علاقات الأفراد مع الدولة من جهة أخرى. والمعلوم بالضرورة القوانين تمنع وتحرم الجرائم ضد النفس والمال، ورغماً عن ذلك تقع الجريمة. وكما أن القوانين تقنن المعاملات بين الأفراد بإراداتهم الشخصية الحرة، ولكن كثيراً عند الوفاء أو التنفيذ تحدث المنازعات والخلافات بين الافراد.
وحيث كذلك ايضاً التشريع علم وفن، فهو(أي التشريع) علم له منهجياته العلمية النظرية والتطبيقية لحل المشاكل والمعضلات الناجمة من شبكة السلوك والمعاملات بين الافراد الطبيعيين والمعنويين في الدولة. وكما أن التشريع فن، لأنه نتاج من قدرات فكرية وعقلية ذهنية لوضع القاعدة القانونية لحل المشكلات والمعضلات الناجمة من شبكة سلوكيات ومعاملات الأفراد في مجتمع الدولة.
وفي أدبيات التشريع ومنهجياته العلمية والعملية التطبيقية، الشرطة كجهة لانفاذ القانون، لها دور فاعل أساسي في التشريع لتعديل القوانين. وعملياً شاركت الشرطة السودانية في التعديلات لقوانين السودان لسنة 1974م بالتعديلات لقوانين 1970م، 1972م بإلغاء مجموعة قواعد القوانين المصريه المترامية والمنتشرة في القوانين السودانية، وإدخال القيم والأعراف السودانية في القوانين لسنة 1974م، وظلت الشرطة السودانية تقدم رؤيتها في تعديلات القوانين، إلا أن هذا الدور تلاشى ولم يكن له وجود وأثر طيلة سلطة الثلاثين من يونيو 1989م وبعد ثورة ديسمبر 2018م.
ومن منهجيات التشريع الأكثر شيوعاً نظرية حل المشكلات والمعضلات بإستخدام مهارات القدرة على تحديد المشكلة أو المعضلة وتحليلها بتفكيك عناصر جزيئياتها ووضع الحلول لها منفردة، ومن ثم إيجاد حل المشكله او المعضلة. ومن المنهجيات المتبعة قاعدة الروكيبي ROCCIPI، بالنظر إلى المشكلة والمعضله المستعصية الناجمة لحلها، والنظر إلى القاعدة القانونية السائده والسارية المفعول، وذلك من حيث الآتي:
1. القاعدة القانونية Rule من حيث مدى فاعليتها وكفاءتها وملاءمتها في حل المشكلة أو المعضله، وبالتالي تكييف مدى الحاجة لقاعده قانونية.
2. الفرصة المناسبة Opportunity بالنظر إلى الظروف المحيطة المساعده لحل المشكلة أو المعضله الناشئة، بإستحداث القاعدة القانونية الضرورية المناسبة.
3. قدرة وكفاءة وملاءمة القاعدة القانونية Capacity لحل المشكله أو المعضله القائمة.
4. الإخبار والنشر والإعلام Correspondence للقاعده القانونية علماً بها للكافة.
5. حاجة ورغبة أصحاب المصلحة للقاعدة القانونية Interest، وأثر/ آثارها المتعارضة بالنسبة للمستفيدين أو المتضررين من القاعده القانونية.
6. مدى فاعلية التدابير الاجرائية للقاعدة القانونية Process/ Procedure لحل المشكلة أو المعضلة، ومدى قدرة وفاعلية المكلفين بتطبيق أو تنفيذ القاعدة القانونية، وإدراك معوقات التطبيق أو التنفيذ العملي للقاعدة القانونية.
7. الآيديولوجيا الثقافية Ideology وأثرها في وضع القاعدة القانونية لحل المشكله أو المعضلة القائمة.
وحيث الشرطة من أجهزة إنفاذ القانون في الدولة، ومعنية بتنفيذ جملة من قوانين الضبط والتنظيم الإداري، وتنفيذ قوانين حفظ النظام والأمن العام، لادارة عمليات الأمن الداخلي. فإنه ونظرا لمستحدثات المتغيرات الدولية والعالمية المحيطة بالمجتمع المحلي للدولة السودانية، وحيث أن الواقع العملي لتنفيذ عدد من القوانين أفرز واقع يعيق مبدأي عدم الافلات من العقاب والمحاسبة والمساءلة. ولإيجاد بيئة عمل مناسبة محفزه لمنسوبي الشرطة، تمكنهم من تأدية وظيفتهم في أمن وأمان وظيفي تحت مظلة حماية القانون. وأن يعمل منسوبي الشرطة تحت ضمانات تحفيز مادي ومعنوي، لتجاوز حالات العجز الكبير في القوة، والعزوف من الخدمة في الشرطة، وترغيب المواطنين الصالحين للخدمة في الشرطة.
بناء عليه، الضرورة تقتضي إجراء إصلاحات تشريعية عاجله، لنتمكن الشرطة من تأدية مهام وظائفها بالقدر اللازم لادارة عمليات الأمن الداخلي. وخاصة البلاد شهدت حروبات ونزاعات مسلحة داخليه جسيمه تضرر منها حوالي 46 مليون شخص من أصل سكان السودان البالغ عددهم حوالي 49 مليون نسمه بحسب تقديرات العام 2023م، وأثرت الحرب الدائرة على بنية وقدرات الدولة وعلى الأمن والنظام العام وسلامة الأرواح والممتلكات العامة والخاصة، والنتيجة، أفرزت الحرب الدائره منذ 15 ابريل 2023م واقع جديد وتحديات لبناء الدولة لمرحلة ما بعد الحرب.
وإزاء ذلك بالجملة، الحاجة الضرورية لتشريعات القوانين المطلوب إصلاحها بتعديلها، التشريعات الآتية:
1. ضمانات الحماية القانونية الموضوعية للشرطة،
بإبتدار نصوص خاصة وصريحة ومباشرة في حالات الدماء وتسبيب الموت تنفيذا للقانون، بعدم المساءلة والملاحقة الجنائية لمنسوبي الشرطة المكلفين بعمليات مكافحة جرائم المخدرات وعمليات مكافحة التهريب وعمليات مكافحة الاتجار بالبشر، وعمليات ملاحقة المتهمين للقبض عليهم في أي جريمه عقوبتها الاعدام أو السجن عشرة سنوات، وعمليات فض النزاعات الداخلية وعمليات فض الشغب، ومراعاة أن يكون التشريع لضمانات عدم المساءلة الجنائية وفقاً لمسوغات معايير تقديرات المشروعية والمعقولية والتناسبيه.
2. توسعة صلاحيات وسلطات الشرطة في التحري والتفتيش والضبط والقبض وتوقيف المتهمين لمصلحة التحري وتدابير وضع المجرمين تحت مراقبة الشرطة وملاحقة المتهمين وإطلاق سراحهم، وأن تكون صلاحيات وسلطات الشرطة الضبطية للحد من وقوع الجريمة وكشفها عند وقوعها وتدابير إجراءات الشرطة تحت رقابة قضائية من قاضي محكمة الجنايات.
3. تضمين صلاحيات سلطات قاضي محكمة الجنايات في التصدي أثناء اجراءات المحاكمة لوقائع واشخاص لم تشملهم المحاكمة إذا تبين للقاضي من تلقاء نفسه أو بناء على طلب أن لتلك الوقائع أو الأشخاص صلة وارتباط بالوقائع والأشخاص المتهمين أمام المحكمة، بان يأمر قاضي محكمة الجنايات بوقف إجراءات المحاكمه وإحالة ملف الدعوى لقاضي آخر من ذات المحكمة للتحقيق في الوقائع والأشخاص والتصرف في ملف الدعوي سواء بضم الوقائع والأشخاص للدعوى الجنائية الأصلية أو الشطب والرفض، وإعادة ملف الدعوى الجنائية لذات قاضيها للاستمرار في سير سماع الدعوى والفصل فيها.
4. التشديد التشريعي والقضائي في العقوبة بالإعدام أو السجن المؤبد في جرائم المخدرات والجمارك والاتجار في البشر وجرائم قوانين الاسلحة والذخيرة وجرائم قوانين الاقتصاد. والتشديد التشريعي في مخالفات قوانين المرور وحركة السير في الطريق ومخالفات قوانين الجوازات والهجره والإقامة للأجانب ومخالفات قوانين الجنسية والسجل المدني وقوانين الدفاع المدني وقوانين حماية الحياة البريه وقوانين حماية المستهلك وقوانين الصحة العامة.
5. تعديل قوانين الشرطة بما يضمن تحسين شروط الخدمة في التعيين والتدريب والترقي وإنهاء الخدمة، وكفاية المرتبات والأجور، وإلغاء الفصل التعسفي من الخدمة دون عقاب أو جزاء أو دون محاسبة ومساءله.
6. هيكلة وزارة الداخلية بما يضمن وحدة السيطرة والقيادة والادارة والتحريك لوحدات رئاسة قوات الشرطة في وزارة الداخلية تحت إمرة ضابط كبير في رتبة الفريق أو الفريق أول يتم تعيينه بالاختيار المطلق من بين أقدمية ضباط الشرطة العاملين في الخدمة، وعلى أن يشغل منصب وكيل وزارة الداخلية، ويكون مسئول أمام وزير الداخلية عن حسن إدارة وحدات وزارة الداخلية (ادارة الحدود، إدارة اللاجئين، الوحدات والادارات التابعة لوزارة الداخليه) ووحدات قوات رئاسة الشرطة ومسئولا عن حسن تنفيذ القوانين في الشئون الادارية والمالية والامداد والتدريب والخدمات وفوائد ما بعد الخدمة. وعلى أن يتولى قيادة وحدات رئاسة قوات الشرطة (الشرطة العامة، السجون، الحياة البرية، الدفاع المدني، الجمارك)، ضباط تلك الوحدات بالتدرج الوظيفي في الرتبة وبحسب الأقدمية، ويكونوا مسئولين مباشرة أمام وزير الداخلية عن حسن تنفيذ القوانين الخاصة بوحداتهم. وأن يكون للشرطة ملحقية فنيه مستقلة في سفارات السودان في الدول المضيفة أو المستقبلة، تكون معنية بالتطبيق الاداري والتنفيذ لقوانين الجوازات والهجرة والجنسية والسجل المدني، وقوانين تبادل وتسليم المجرمين والمحكومين، وعمليات نشرات الشرطة الدولية، وتكون معنية بمجالات التدريب في الدول المضيفة أو المستقبلة، وإيجاد المساعدات الفنية لأعمال الشرطة، وتنمية وترقية العلاقات الدبلوماسية للشرطة مع رصيفاتها في الدولة المستقبلة أو المضيفة.
(وما أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله ۚ عليه توكلت وإليه أنيب)، سورة هود: 88.
فريق شرطة(حقوقي)
د. الطيب عبدالجليل حسين محمود
المحامي إستشاري القانون المحكم والموثق
20 مارس 2024م
11 رمضان 1424هجريه.

