أعمدة الرأي

عثمان الشيخ الاسيد… يكتب … في اسيديات الثلاثاء (السياحة تلك الثقافة المهجورة)

 

يقول أحدُ الظرفاء: السياحةُ هي ان يسافرَ الانسانُ الي بلدٍ غريبٍ ليشاهدَ أشياءَ غريبةً، ثم يأتي مستغربا ويحكي للناس انه شاهدَ أشياءَ غريبةً..

السياحة تعنى التجوال وعبارة ساح في الارض تعني “ذهب وسار على وجه الأرض. مقال ( لا للسياسة )الذي افتتحتُ به مقالاتي قادني الي موضوع السياحة، والعلاقة بين السياسة والسياحة هي التشابه في النطق، وكان هذا السبب كافيا بالنسبة لي كي اتحدثَ عن السياحة.

السياحة ثقافة منسية بالنسبة لنا – نحن أبناء العالم الثالث – والعالمُ الثالث هو مصطلحٌ سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي. أما ابناء دول (العالم الأول) – وهي الدول الصناعية المتقدمة – فإن السياحةَ جزءٌ من حياتهم . إن تقسيم الناس الي عالم أول وثانٍ وثالث، إنما هو تقسيمٌ بشري، لا نعترف به، ولكننا نستخدمه من باب التعريف فقط وليس من باب التفضيل لان الله تعالى فضَّل البشر بعضهم على بعض في قوله :

ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ۖ فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ، فاطر 32..

السياحةُ ليست ترفًا، فالله في كتابه الكريم يحثنا على السياحة لمشاهدة الطبيعة وبديع خلقه في جنبات الأرض:

(قُلۡ سِیرُواْ فِی ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَیۡفَ بَدَأَ ٱلۡخَلۡقَۚ) العنكبوت أية 20 .. أي قل لهم يا أيها الرسول إن حَصَلَ معهم ريبٌ وشكٌّ في الابتداء: {سيروا في الأرضِ}: بأبدانِكم وقلوبِكم، {فانظُروا كيف بَدَأ الخَلْقَ}: فإنَّكم سَتَجِدون أممًا من الآدميين والحيواناتِ لا تزال توجد شيئاً فشيئاً. ( هكذا يفسر المفسرون هذه الآية).. سافروا لتشاهدوا الكثيرَ من آياته، كاختلاف اللغات، من العربية والعجمية وغيرها، والاختلاف في الوانكم ، ابيض واسود واحمر، وانتم ولد رجل واحدٍ وامرأة واحدة. في ذلك قال الله تعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ

( الروم: 22).. وخلق الله تعالى الأشجار للنظر والمتعة، حتى المثمر منها، لتبتهج أعينُنا، وتسعدَ قلوبُنا وتنشرحَ صدورُنا، وتهدأ نفوسُنا. لم يقل لنا الله تعالى في هذا الموقف كلوا من ثمره إذا أثمر، إنما قال ( انظُرُوا إِلَىٰ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ ۚ) الانعام 99 ليعلمنا أن له في خلقه شئون وأنه بديع. قال أهل العلم: بديع بمعنى مبدع ، والابداع هو أيجاد الشي على غير مثال سبق. وحتى لا نعتقد أن هذه الثمار للنظر والمتعة فقط، ، فقال لنا عز وجل ( كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ) الانعام 141.. أين كنت ستشاهد هذه الاختلافات في البشر وفي الأشجار وسائر الطبيعة لو لم تسيح في الأرض؟

السياحة تعلمك أن التاريخَ لا يُعيدُ نفسَه وعبارة (التاريخ يعيد نفسه) خطأ شائعٌ، لا أحد يستطيع ارجاع عقارب الساعة. ولكن الحقيقة هي أن الاحداث تتشابه . في سياحتك ترى

تشابهَ كثيرٍ من الاحداث، فمن يقول لك: كانت هنا مدينة فتية غنية رغدة، فهذه قصورهم وهذه قبورهم، سبحان من جعل الرؤوس العظامى عظامًا! فتستشعر ان دوام الحال من المحال، و أن كل ما فوق التراب تراب. وما الاندلس عنَّا ببعيد، سقطت المدن والحصون والبلدان، جفت الحدائق الغناء وهربت عصافيرها المغردة وحل محلها (البوم) والغربان. لم ينجُ من رجال الاندلس أحدٌ، من أخطأته سهامُ المنية، قيَّدته سلاسلُ الاسرِ. تشردت الاميرات، هربن حافيات في شوارع قرطبة وغرناطة، ثم صرن سبايا للبيع والشراء.. وهذا هو عبد ربه الاندلسي، يصور لنا حال الدنيا في قصيدة طويلة ، مطلعها

أَلا إنَّما الدُّنيا نَضَارَةُ أَيْكةٍ

إذا اخْضَرَّ مِنْهَا جَانِبٌ جَفَّ جَانبُ.. في تاريخ الاندلس ما يدمع العين ويتقطع له الفؤاد، وتغم به النفوس من شدة ما أصاب أهلها من بلاء. ومن رحمة الله تعالى بالناس أنه جعل الانسان ينسى بسرعة رهيبة، والآن كل ما حدث للأندلس وفي الاندلس أصبح ذكريات ومعالم سياحية ، في ذلك رثاها الشاعر أبو البقاء بقصيدته التي يعتصر فيها ألما ومطلعها:

لكل شيء إذا ما تم نقصان

فلا يغر بطيب العيش إنسان

هي الأمور كما شاهدتها دول

من سره زمن ساءته أزمان..

لم اخرج عن موضوع السياحة ولكن الحديث ذو شجون والكلام يدعو بعضُه البعضَ، فقد وجدنا انفسنا نتنقل في جولة مع الكتاب المسطور والكتاب المنظور. فعرفنا ان ما يحدث الآن من فتن وحروب، هي مما اخبر به الرسول صلى الله عليه من احداث الزمان وطوارق الحدثان،

وأن هذه هي سنة الحياة ولا مفر منها. ولتعلم انك لستَ وحدك، وان ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وان ننظر الي بلاء الله على انه عطاء. بهذا الايمان يزول عن نفسك عبء كبير وبعدها تستطيع ان تفكر بطريقة صحيحة وحين تفكر بطريقة صحيحة سوف تعيش عيشة هنيئة صافية تستطيع أن تسيح في الأرض، لتتأمل في بديع خلق الله في عظمة المحيطات وقوة امواجها، تأمل في أعماقها وما فيها من مخلوقات وحُليِ وجواهر (يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ.. [الرحمن:]. تأمل في نعومة رمال الشواطئ ، في الأشجار وثمارها الغريبة اللذيذة في اختلاف الناس لسانأ وفكرًا وشكلًا ولونا. تتجلى عظمته ورحمته في حفظك انت في سفرك وترحالك وسترك، في نعمة البصر والشم والحس والسمع..

سافر فإن في السفر فوائد، ولا تجعل الإمكانيات عائقا بينك وبين ما تريد تحقيقه، فانت الذي توفر الإمكانيات وليست هي التي تتحكم فيك . فقد سمعتُ اللهَ يقول:

هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ… الملك 15.. نعم نستطيع، وإلا ما قال لنا الله تعالى، فامشوا في مناكبها، فإنه عز وجل لا يكلف نفسا الا وسعها، فقط توكل عليه وأحسن الظن فيه، وخذ بالأسباب وتيقن انه على كل شي قدير..

وكيف تفكر كيف تعيش

الى لقاء في الأسبوع القادم، إن كان في العمر بقية..

والله أعلى وأعلم

 

الثلاثاء 20 أغسطس 2024م

زر الذهاب إلى الأعلى