أعمدة الرأي

زاوية خاصة ،، نايلة علي محمد الخليفة .. تكتب .. غفر الله لأمة كان أيقونتها دسيس مان

 

عندما سُئل الكاتب الروسي أنطون تشيخوف ، عن طبيعة المجتمعات الفاشلة، أجاب بقوله في المجتمعات الفاشلة ، يوجد ألف أحمق مقابل كل عقل راجح ، وألف كلمة خرقاء إزاء كل كلمة واعية ، تظل الغالبية بلهاء دائمًا ، وتتغلب على العاقل باستمرار ، فإذا رأيت الموضوعات التافهة تتصدر النقاشات في أحد المجتمعات، ويتصدر التافهون المشهد ، فأنت تتحدث عن مجتمع فاشل جدًا ، فعلى سبيل المثال ، الأغاني والكلمات التي لا معنى لها تجد ملايين الناس يرقصون ويرددونها ، ويصبح صاحب الأغنية مشهوراً ومعروفاً ومحبوباً ، بل حتى الناس يأخذون رأيهم في شؤون المجتمع والحياة.

 

 

أما العلماء والكتاب والمؤلفون ، فلا أحد يعرفهم ، ولا أحد يعطيهم قيمة أو وزناً ، معظم الناس يحبون التفاهة والتخدير ، شخص يخدرنا ليغيّب عقولنا عنا، وشخص يضحكنا بالتفاهات ، أفضل من شخص يوقظنا للواقع ويؤلمنا بالقول الحق هكذا عرف لنا تشيخوف المجتمعات الفاشلة.

 

المجتمع السوداني وقبل خمسة أعوام من هذا التاريخ ، تمت هندسته على نسق المجتمع الفاشل ، الذي تحدث عنه تشيخوف ، وكأن الكاتب حينها عرافاً حاذقاً ، قرأ المستقبل وفصله على مقاس السودان ، سودان ثورة ديسمبر التي أفسدت كل شيء في حياة المواطن ، ولم يسلم من فسادها الوجدان واللسان ، فلوثته بالكلمات السوقية ، والشخصيات الوهمية ، التي طفت كالسطح كما الفطريات.

 

في تلك الحقبة القريبة من عمر السودان ، تبدل كل شيء حتى أصبح إرتياد المساجد بدعة وتشدد ، والعلماء والدعاة محل سخرية وتهكم وتشهير ، وتعدى ذلك للمساس بأسرهم والتضيق عليهم ، التيار الفوضوي الذي قاد الحقبة آنذاك ، لم يتوقف عند هذا الحد ، بل صنع دمي بشرية فارغة الرؤس والعقول ، وجعل منها أيقونات يُهتدى بها وقدوة للشباب ، أمثال ولاء صلاح ودسيس مان ، والمجرم الهارب ، مدمن المخدرات المغني ماو.

 

 

فالمجتمعات الفاشلة لا تولد فاشلة ، فربما يكون فشلها صناعة مكتسبة ، كما في الحالة السودانية إبان ثورة ديسمبرة اللامجيدة ، التي هدمت جبل القيم والأخلاق للمجتمع السوداني ، ومثل هذه الحالات عرضية لا تدوم طويلاً ، فيعود الوعي رويداً رويداً ، لعقول من بهرتهم الشعارات وانساقوا خلف الواجِهات ، فلا نلومنهم على ما لا يملكون ، ولَنُفعل شعار عفى الله عما سلف ، وغفر الله لأمة كان أيقونتها دسيس مان وماو ، بدلا عن عثمان الشفيع وحسن خليفة العطبراوي ، وفي الفقه والتشريع مزمل فقيري وابوبكر آداب ، عِوضاً أبو حامد الغزالي وابن كثير ، ومبلغ علم بعض شبابها في الدين شهادة أن لا إله إلا الله محمد رسول الله ، ومن تجاوز أدى فروضه الخمسة بلا إنتظام ، عفى الله عن أمة السودان ، وتجاوز عن بعض شبابها الذي غُرر بهم في فترة الثورة المشؤومة ، ثم عادو إلى جادة الطريق ، فلنكن جميعاً يداً تأخذ بأيديهم ، وقلوباً مشرعة لإحتضانهم بالفخر والتكبير ، لا بالإستصغار والتنفير…لنا عودة.

زر الذهاب إلى الأعلى