عمر محمد عثمان.. يكتب .. صفحات منسية في تاريخ الشرطة السودانية

تحل علينا اليوم الذكرى الستون لثورة أكتوبر 1964م، ومع كل عام تحضر إلى الأذهان أسماء شهيرة ارتبطت بالثورة. يُستعاد ذكرى الشهيد أحمد القرشي، والقاضي عبد المجيد إمام، وتظهر صور الدكتور حسن الترابي محمولًا على أكتاف المتظاهرين. لكن وسط هذا السرد المتكرر، يظل اسم ضابط الشرطة قرشي محمد فارس ودوره المحوري في نجاح الثورة غائبًا عن الأذهان، وكأن التاريخ قد نسي صفحاته المضيئة.
قرشي محمد فارس ودوره في مفصل تاريخي
كان قرشي محمد فارس من خريجي الدفعة (18) كلية الشرطة، التي تخرجت في الأول من أكتوبر 1955م. وفي لحظة فارقة من تاريخ السودان خلال ثورة أكتوبر، كان هذا الضابط يقود قوة الشرطة التي اعترضت موكب القضاة أثناء التظاهرات. عندها، واجهه القاضي عبد المجيد إمام قائلًا:
“أنا عبد المجيد إمام، قاضي المحكمة العليا، بهذا أمرك بالانصراف أنت وجنودك فورًا.”
في لحظة توتر قد تنذر بمواجهة بين الشرطة والقضاة، لم يتردد الضابط الشاب قرشي فارس. أدّى التحية للقاضي قائلاً: “تمام سعادتك”، وانصرف هو وجنوده، دون انتظار تعليمات من رؤسائه.
حكمة القرار وشجاعة الاستجابة
هل فكرنا يومًا في مصير الثورة لو لم يتحلَّ قرشي فارس بالوعي والشجاعة اللازمين لاتخاذ هذا القرار الحاسم؟ ماذا لو رفض الانصياع لأمر القاضي؟ هل كنا سنشهد صدامًا بين الشرطة والقضاة؟ وربما تصاعدت الأمور إلى مستوى يُجهض الثورة منذ لحظاتها الأولى.
إن هذه اللحظة المفصلية تعكس عمق وعي هذا الضابط، الذي رغم حداثة سنّه، أدرك أبعاد المشهد وخطورته. كان يمكنه أن يتصرف بعناد أو ينتظر تعليمات رؤسائه، لكنه فضّل تغليب المصلحة الوطنية والتاريخية. وقد واصل قرشي محمد فارس مسيرته المهنية في الشرطة، حيث تدرّج في المناصب حتى وصل إلى منصب مدير المباحث المركزية، وهو منصب رفيع يعكس الثقة التي حظي بها طوال مسيرته المهنية.
نسيان إنجازات الشرطة وتسليط الضوء على السلبيات
لا أحد ينكر شجاعة القاضي عبد المجيد إمام وموقفه التاريخي الذي شكّل علامة فارقة في مسار ثورة أكتوبر. ومع ذلك، من المؤسف أن موقف ضابط الشرطة قرشي فارس لم يحظَ بالتقدير أو التوثيق الكافي، شأنه في ذلك شأن الكثير من المواقف المشرفة للشرطة السودانية.
هكذا تظل الشرطة في معظم الأحيان مظلومة في ذاكرة الناس. تُذكر أخطاؤها وتُسلَّط الأضواء على السلبيات، بينما تضيع في ظلال النسيان صفحات مشرقة من تاريخها، كتلك التي كتبها قرشي محمد فارس في لحظة شجاعة نادرة.
دعوة لإنصاف الذاكرة التاريخية
إن إعادة تسليط الضوء على مثل هذه المواقف ضروري لتقديم رواية متوازنة عن تاريخنا الوطني. فكما نُثمن شجاعة القضاة ودورهم في نجاح الثورة، يجب أيضًا إنصاف الشرطة ورجالها الذين قدموا مواقف عظيمة، لم تكن تقل أهمية عن تلك التي حُفظت في ذاكرة التاريخ.
يبقى موقف قرشي محمد فارس شاهدًا على أن أفراد الشرطة السودانية، رغم التحديات والضغوط، قد لعبوا أدوارًا حاسمة في مفاصل تاريخية، كان يمكن أن تأخذ مسارات مختلفة لولا حكمة قراراتهم وشجاعتهم.
٢١ أكتوبر ٢٠٢٤م


