صهيب حامد يكتب البقرة المسحورة.. من أجندة السياسة والاحتراب إلى أجندة السلم الإجتماعي والإقتصاد..(٥-٥)

حسنا.. وكما أسهبنا في الحلقة السابقة في وجوب تبني رؤية الوطنية السودانية لحل ناجز لتجاوز المركزيات والآيديولوجيات القابلة للاختراق كما حدث لنا في هذه الحرب، فكذلك يتوجب علينا طرح إستراتيجيات في إطار ذلك لتجاوز إشكالية الصراع بين الرعاة والمزارعين في ظل ظروف التغير المناخي الذي أسهم بشكل أساسي في تفاقم جذور الصراع في دارفور. بالطبع تقع هذه المشكلة التي نحن بصددها في إطار الإقتصاد السياسي فرع الإيكولوجيا السياسية أو المناخية السياسة (Political ecology) ، وهو تخصص إستجد مؤخرا بعد تصاعد حدة الصراع بين مجموعات سبل كسب العيش بسبب التغير المناخي في العالم قاطبة. لقد أثّر الصراع في دارفور بين الرعاة والمزارعين بشكل مباشر على أعراف حيازة الأرض (Land tenure) والتي رسختها الممارسة العملية طوال حقبة مملكة الفور التي عمّرت من ١٦٤٠ والي ١٩١٦. لقد أدى النزاع في دارفور لحركة نزوح غير مسبوقة تمظهرت في معسكرات النزوح حول المدن الكبرى بكل من الفاشر ونيالا وزالنجي وغيرها وهو ما خلق واقعا إجتماعيا وإقتصاديا جديدا. لقد أحدث الصراع في دارفور تغيرا ديمغرافيا كبيرا، حيث لا يخفى على أحد أن تصنيفات مجموعات سبل كسب العيش هناك ذات ملامح عرقية لا تخفى على أحد (الرعاة دوما من العنصر العربي بينما المزارعين من العناصر غير العربية)، وهكذا لنجد أن جهاز الدولة قد حافظ على موقف ثابت في الإنحياز للرعاة من العناصر العربية (وقد أدى مركز الدولة السودانية ذلك بوعي كامل ) مما أدى لنزوح المزارعين من العناصر غير العربية إلى المناطق الحضرية ومكّن الرعاة من إحتلال الحواكير التاريخية لهذه المجموعات وقد أدّى مركز الدولة هذا الدور كذلك بوعي لا ينكره أحد. وبما أن الهدف من ذلك هو توطين القبائل العربية من الممتد الرعوي خارج الحدود الوطنية لطمس هوية المزارعين من العناصر غير العربية إذن نحن الآن أمام جذر المؤامرة الذي سار فيه مركز الدولة السودانية لتحقيق هدفه الأيديولوجي كممثل للعناصر العربية ومدافع عن مصالحها ولكنه نسي أن طرفا آخر كان يحقق أهدافه كذلك عبر مؤامرة ثعبانها أكبر من ثعبانه فإلتهمه وكاد أن يلتهم معه بلادنا لولا لطف الله . إن إحدى مضاعفات هذه السياسات المركزية هي تدمير سبل كسب عيش المزارعين من ذوي الأصول غير العربية بالكامل وهو ما أثر بشكل كارثي على إسهام دارفور في الناتج المحلي الإجمالي خصوصا في الجانب الزراعي (Crop farming) . لقد انخفض إنتاج الفول السوداني في دارفور في العام ٢٠٠٣ وهو عام بداية الصراع بنسبة تتراوح بين ٤٥٪ إلى ٤٠٪ نتيجة النزوح، كذلك انخفض أنتاج السمسم بنسبة ٢٠٪ بل انخفض في جنوب دارفور لوحدها بنسبة ٤٠٪ (بوكانان-سميث وجاسبرز ٢٠٠٦) . بخصوص الصمغ العربي فلقد إنسحبت شركة الصمغ العربي في فترة مبكرة من النزاع وكذلك غادر كبار تجار الصمغ العربي دارفور. وإذا علمنا أن دارفور كانت تسهم بنسبة ٣٠٪من الإنتاج الوطني للصمغ لعلمنا مبلغ الخسارة الإقتصادية التي مني بها السودان جراء النزاع. وهكذا كي نسقط هذه الإحصائيات على باقي المحاصيل النقدية وغيرها لنعلم مبلغ الضرر الذي أصاب الاقتصاد السوداني جراء سنوات الصراع في دارفور. وكل ذلك هو نتيجة طبيعية لسياسات الدولة آنذاك في تشجيع الرعاة للإعتداء على حواكير المزارعين من العناصر غير العربية. إن إعادة دورة الإستقرار بدارفور تستوجب عودة النازحين لأراضيهم بعد هذه الحرب إعتمادا على نظام الحواكير التقليدي مما يعني تفكيك المستوطنات التي أقامها عرب الشتات في أراضي المواطنين الأصليين (منطقة الزرق التي أبادها الجيش قبل عدة أيام خير مثال لذلك ) . كذلك يجب أن يستصحب ذلك إجتراح سياسات جريئة لتبني منهج الرعوية المستقرة في سبيل إجتثاث جذور الصراع من أساسها وهو ما سوف يدشن أخطر حقبة في تاريخ السودان القادم والتي سوف تشهد إنتعاشا إقتصاديا وإستقرارا إجتماعيا يعود بدارفور إلى وضع الرفاهية والسلم الاجتماعي بجعلها مركزا عالميا للإنتاج النباتي و الحيواني مما سوف يسهم بفاعلية في الأمن الغذائي العالمي بدلا من وضعها الحالي كمتلقي للغذاء والإعانات.
كذلك لقد أدت ظاهرة النزوح بدارفور إلى إعتداء غير مسبوق على الغطاء النباتي خصوصا حول المراكز الحضرية لإزدياد الطلب على طوب البناء ولأغراض الطبخ، وكما هو معلوم فإن دمار سبل كسب العيش التقليدية للنازحين (الزراعة) يصاحبها محاولة الموائمة لإيجاد سبل عيش جديدة ودوما في هذه الحالة تكون البيئة هي الضحية الأولى. لقد فاقمت حركة النزوح بدارفور أثر التغير المناخي، فإذا كانت هذه الأخيرة ظاهرة طبيعية لا يد للإنسان فيها، إلّا أن نشاط قطع الغطاء النباتي وغيرها من أنشطة الأضرار بالبيئة التي قام بها إنسان دارفور بسبب الحرب قد فاقمت من أوضاع التدهور البيئي بشكل كبير في الفترة من ٢٠٠٣ والى الآن.إن إستعدال وضع المجتمع والإقتصاد في مناطق النزاع بكردفان ودارفور والنيل الأزرق مرتبط جدا بالسياسات الكلية لدولة ما بعد الحرب وآيديولوجيتها المتبناة لحكم السودان في المرحلة المقبلة، فإن سدرت الدولة القادمة في نفس غي دولة ما بعد الإستقلال فسوف يتفكك السودان كدولة في أقل من عامين بعد أن تضع الحرب أوزارها، لأن القوى الاجتماعية التي حاربت مع الجيش الآن لا تحلم سوى بسودان تسوده المساواة والعدالة الاجتماعية وهي حقوق إن أدتها الدولة المركزية القادمة فسوف تقابلها واجبات وطنية تؤديها هذه القوى الاجتماعية بسماحة نفس سوف تنعكس على الاقتصاد والسلم الإجتماعي. إن الوفاء بمطلوبات العدالة والمساواة يتطلب تجاوز آيديولوجية المركز العروبي التي أودتنا موارد الهلاك منذ الإستقلال وإلى الأن وتبنًي آيديولوجية الوطنية السودانية التي لا تستثني أحدا من المكونات السودانية وعلى قاعدة ذلك نبني كافة سياساتنا وإستراتيجياتنا لبناء دولة السلم الاجتماعي والرفاه الاقتصادي. لقد أحدثت هذه الحرب تغيرا مهولا في قاعدة الحكم القديمة في السودان بانحياز أحد مكوناته الأساسية (الحزام الرعوي) كبندقية تحارب لصالح العدو، وليس من مناص سوى إجتراح قاعدة حكم جديدة لا تستثني اي مكون من مكوناتنا الاجتماعية وهي قاعدة الآن في طور التشكل والتبلور. هذا المطلب يستدعي رد المظالم التاريخية التي طالت هذه المكونات وكل ذلك على جادة العدل والمساواة. أما إن عادت حليمة لقديمها فسوف يتعرى مركز الدولة السودانية بفقدانه لقواعد حكمه القديمة والجديدة. وبما أنه لا يستطيع أن يباري المركز الخليجي في إعادة اكتساب الحليف الرعوي القديم لعديد العقود القادمة لتفوق المركز الخليجي في مضمار الوفورات الاقتصادية ، إذن فإن أي مغامرة للإلتفاف على المكونات التي وقفت معك وقت الشدة – كما تعودت مكونات الحركة الوطنية ما بعد الاستقلال منذ خديعة محمد صالح الشنقيطي للجنوبيين بما وعدهم به في مؤتمر جوبا ١٩٤٧- فسوف يجعل ذلك من سوداننا أثرا بعد عين. إذن نحن نلعب مباراتنا القادمة بفرصة واحدة لا ثاني لها.. الفوز والفوز فقط، فوز جميع السودانيين بلا خاسر بما في ذلك حتى الذين يحملون الآن بنادقهم في وجه وطنهم. لذا ليس من مناص أمامنا سوى التحلي بأخلاق الفائزين كي نناله والا فعلى السودان السلام.. انتهى.

