أعمدة الرأي

أُسَيْدِيات الثلاثاء عثمان الشيخ الأُسيْد يكتب ( وقف لازم) الثقيل

 

لا أردُ على اتصالِ هذا المتصل، ولا أردُ على أي اتصالٍ من رقمٍ مجهول يأتي بعده، فربما يكون هو نفسه المتصل الأول، و يحاول الاتصالَ من رقم اخر.. هكذا يفعل الثقلاءُ، لكن في بعض الأحيان أقولُ: بسم الله ولاحول ولا قوة إلا باله توكلتُ على الله، ثم أرد على الاتصال، وعندما أسمع عبارات اللوم والتوبيخ والاتهام بأنني اتهربُ من مكالماته، ولماذا،؟ وكيف؟ ومتى؟ وقتها أعرف أنني وقعتُ في شرِ أعمالي، ثم يقول عبارتَه المعروفة: ( هذه آخر مرة أتصل عليك) وأنا أقول في سري: آمين. وحتى الآن لم يتحقق هذا الدعاء، كل ما في الأمر أنه إنسانٌ ثقيل، والرجل الثقيل اثقل من الحمولة الثقيلة، لأن الحمولةَ الثقيلةَ يُشارك الجسمُ في حملِها، والرجل الثقيل تنفرد الروحُ بحمله. الثقلاء موجودون بيننا، قالت عائشةُ، رضي الله عنها: نزلت آيةٌ في الثّقلاء: فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ [الأحزاب: ٥٣].. شاء اللهُ ان يزورنا في منزلنا زائرٌ خفيف، نحسبه من الاتقياء اسمه (الأمين) ينادونه شيخ الأمين، وكان الحضورفي المجلس كلهم من الأقارب عدا، شخص واحد ليس من العشيرة، تعرفه مجرد دخولك المجلس، فهو يتظاهر بانشغاله بهاتفه المحمول، بينه وبين أقرب الجالسين إليه مسافة هوائية مقصودة، لا يُشارك في الحديث، يُجاملُ المتحدثين بتوزيع البسمات الخفيفة مع ايماءةٍ بالرأس دليل الموافقة.. طلبتُ من شيخ الأمين أن يُعطرَ المجلسَ بشيءٍ من ذكر الله ومن المواعظ والرقائق، فاستجاب مأجورًا، ثم بدأ الحديثَ، وبينما نحن مستمتعون بالدرس، دخل علينا احدُ الثقلاء المعروف لدينا بثقل روحه، فقال شيخ الامين( رَّبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ) لم ينتبه احدٌ لقراءته هذه الآية، ظنها الناسُ انها (آية) وردت في صياغ الحديث، وما أن جلسَ هذا الثقيلُ، حتى بدأ في حديثٍ جانبي مع من بجوارِه، ثم أرسل صوتَ لومٍ حاد للذي يجلس قبالته، ثم بدأ يرد على الهاتف بصوته العالي، ثم قام واقفا، و غطى سماعةَ هاتفه بيده ، وقال لشيخ الامين: الادب ادب النفس وليس ادب الدرس، كأنه سمع تعليق الشيخ عنه اثناء دخوله، ثم واصل حديثه مع الطرف الاخر في الهاتف وكأن شيئًا لم يكن، فقال شيخ الامين: اللهمّ اغفر له وأرحنا منه، أخذ الثقيل الهاتف وخرج وهو يتجادل مع الطرف الاخر بأعلى ما لديه من صوت، بدأ صوتُة في الانخفاض تدريجيًا مع درجات السلم وهو نازل، حتى اختفى هو وصوته. قلت لشيخ الأمين: لعلَّ اللهَ استجاب لدعائك، قال: الحمدلله، ثم قال: بسم الله نواصل ما انقطع من حديث، قلنا، إن الأنبياءَ العرب أربعةٌ فقط، هم: هودٌ وصالح وشعيب ومحمَّد، صلى الله عليه وسلم. أما قومُ هودٍ، فهم عادٌ، مكانهم الأحقاف، كانوا في جنوب شبه الجزيرة العربية، اُهْلِكُوا بريحٍ صرصرٍ عاتية، و أما قومُ صالحٍ، فهم ثمود، سكنوا في الحِجْر بين الحجاز وتبوك، وهم أبناءُ عمومةٍ لقومِ عاد، سُمِّيوا بثمود لقلةِ الماءِ في ذلك المكان، و تسمى- أيضًا- مدائن صالح، يُعرف مكانهم حتى الان باسم (فج الناقة) ارسل الله عليهم الصيحةَ فدمرتهم جميعًا فاخذتهم صاعقةُ العذابِ الهُونِ بما كانوا يكسبون.. اما شعيبُ، فهو خطيبُ الأنبياء- عليهم السلام- أُرسلَ إلى قومِ مدينَ، كانوا يعبدون الأيكةَ، وهي شجرةٌ عظيمة، و كانوا يُطفِفُون الكيلَ، فأرسل اللهُ إليهم شعيبًا في مدينَ، وهي أرضٌ من ارض معان في الأردن، أخذتهم الرجفةُ فأصبحوا في دارهم جاثمين. ثم اخرُ الأنبياء والمرسلين: نبيينُا محمد صلى الله عليه وسلم. إعتدل خالدٌ في جِلستِه متنفسًا الصعداء يقول في نفسه: ما ذا نستفيد نحن من هذه القصص؟ ولكن شيخ الأمين بخبرته وممارسته، علم ان سؤالًا كهذا يدور في خاطرِ كثيرٍ من الناس، وقبل ان يختم قال: هذه القَصَص هي عبرةٌ للناس، تُبَيِّنُ سننَ اللهِ في خلقه مع الأقوام الذين كذبوا الرسلَ، وكان عاقبةَ أمرِهم الدمارُ والنكال. و فيها بيانُ أصولِ الدين المشتركة بين جميع الأنبياء من الإيمان بالله وتوحيده وعلمه وحكمته وعدله ورحمته، والإيمان بالبعث والجزاء، إنتهى كلامُ شيخ الأمين.. لكن واقع الأمر أن معظمَ الحضور يُحبون الجدالَ في السياسة والنقاش في الكورة، لاشيءَ غير ذلك، أما أنا، لا اتعاطى كلَ ما هو ضَرُّهُ اكثرُ من نفعه، كالخمر والميسر والكورة والسياسة، وبما انني المضيف وصاحب المجلس، وجدت نفسي مديرًا للجلسة وقائدها، واستشعرتُ مسئوليةَ قيادتها، فاتخذتُ قرارًا فوريًا، بتحويل هذه الجلسة الي جلسة مرح ومزاح وطرائف، لان المزاحَ من الأشياء التي يحبها كثيرٌ من الناس، بل هو من أعظم وسائل الدخول إلى قلوبِ الناس، لذلك قررتُ أن انعطفَ بالجلسة إلى جو الفرح والسعادة، محاولًا الخروج بها من جو حسابات الحياة العصرية السريعة الإيقاع (الصعبة المعادلة ) و المتمثلة في ان الصرفَ اكثرُ من الدخل، و إن شئت فقل الدخلَ اقل من الصرف، ومدى تاثير ذلك على تفكير الناس وسلوكياتهم، ومما يساعد في خلق جو المرح وجود شيح الأمين بيننا الان، فهو رجلٌ بسّامٌ خفيف الظل، مَرِحٌ سريعُ البديهة لمَّاح، وهو انجح الناس من بين الحاضرين في هذه الجلسة، تستطيع ان تعرف ذلك من ملامح وجهه، فالابتسامةُ وانشراحُ الصدر من صفات الإنسان الناجح. قلت له: يا شيخنا، نريد ان نعيشَ بعضًا من المرح في مجلسنا هذا، فقال: لا بأس بالمزاح ما لم يكن سفهًا، واللهُ تعالى وعد في اللمم بالتجاوز والعفو فقال: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ [النجم: 32] ولجمال الضحك، قالوا إن الوردَ يضحكُ،

الوَردُ يَضحَكُ وَالأَوتارُ تَصطَخِبُ..

وَالنايُ يَندُبُ أَشجاناً وَيَنتَحِبُ..

إضحك تضحك لك الدنيا إبكِ تبكي وحدك..

وقد قال اللهُ جلَّ ذكره: وأنه هو أضحكَ وأبكى (النجم 43) وأنه هو أمات وأحيا( النجم 44) و أضحك وأبكى، أي قضى أسبابَ الضحك والبكاء، وقيل: أضحك الأرضَ بالنباتِ وأبكى السماءَ بالمطر، وقيل: أضحك الأشجارَ بالنوار، وأبكى السحابَ بالأمطار.

والعرب تسمي أولادَها بالضحَّاك وبسَّام وطَلِق وطليق.. وكان النبيُ- صلى الله عليه وسلم- أكثرَ الناسِ تبسمًا وضحكًا في وجوه أصحابه.. كان هذا ضوءًا أخضرا للحضور، بالانفتاح والدخول في جو المرح، اول من بدأ هو إبراهيم، وهو شابٌ كثير الابتسام هاديءَ الطبع قليلَ الكلام، بدأ عن الجاحظ وقال، كان الجاحظ دميمًا و ظريفًا حلوَ الحديث، وصاحبَ نكتةّ على نفسه، لُقِّبَ بالجاحظ لجحوظ عينيه، من طرائفه التي يرويها عن نفسه قال: أتتني امرأةٌ وأنا على باب داري فقالت: لي إليك حاجة، وأريد أن تسير معي. فقمت معها إلى أن أتت بي إلى صانع، وقالت له: مثل هذا. وانصرفت، فسألت الصانع عن قولها، فقال: لا مؤاخذة يا سيدي، إنها أتت إليَّ (بحصى) وأمرتني أن أنقش لها عليها صورة شيطان، فقلت لها: يا سيدتي ما رأيت الشيطان، فأتت بك وكان ما سمعت.. ومن طرائفه، كذلك ما حُكي عنه أنه كان في أحد الأيام متوجها” إلى اليمن، و دخل أسواقَها و تجوَّل في الكثير من أحيائها، و لكنه وجد الناس ينفرون منه لبشاعة شكله، و لم يُضيفه أحدٌ، فقرر العودةَ إلى البصرة، و في الطريق قابل أحد رفاقه، فسأله: كيف حال اليمن و أهلها؟ فأجاب الجاحظ ببيتين من الشعر عبرا عن شعوره أصدق تعبير

منذ أن أتيت اليمنا لم أر وجها” حسن…………قبــــح الله بــــلـدة أجمل من فيها أنـــا..

وكثرت الطرائفُ والنكات واختلط علينا القائلين، قال قائل منهم: شُوهدَ إعرابيٌ يطوفُ بالكعبة ويقول: اللهم اغفر لأمي! فقيل له: مالك لا تذكر أباك؟ فقال: أبي رجل يحتال لنفسه، وأما أمي فبائسة ضعيفة وقال ، احدهم سمعت احد الحمقى يقول ربي اغفر لي ما تعلم وما لا تعلم..هنا استغفرنا الله جميعنا ثم ضحكنا. َتعددت وتنوعت القصص والطرائف، عن البخلاء والحمقى، والطفيلين، والشعراء، والقضاء مثل القاضي الشعبي، ونوادر الاصمعي وحكايات جحا، وقفشات أبي دلامة، واخبار النساء ونوادرهن، والمجانين والمخنثين والصعاليك، والظرفاء.. شربنا القهوةَ والشاي باللبن وبدون لبن ،واكلنا اللقيمات، كنا نضحك حتى علت اصواتُنا، وسمعت النساءُ ضحكاتنا، فاتصلت المدام من الداخل، ما بكم؟ هل شيخ الأمين غادر وذهبت معه مؤنة التحفظ، قلت: لها لا والله ولكن هو الذي يثير فينا الضحك، ويضحك معنا حتى تتبلل لحيته ثم يستغفر الله ويتوب اليه ثم يلعن الشيطان وكأنني سمعت الشيطان يقول مالي انا وشانكم اذا بكيتم لعنتموني واذا ضحكتم لعنتموني .. لن تتوقف الحياة ولا شيءَ يُوقف تيارَها، وفي كل محنةٍ منحةٌ، ولا شيءَ يمنعُ من ترويحِ القلوبِ واسعادِ النفوس، غير التفكير العقيم والفهم الخاطئ للحياة… في قولِ الرسول، عليه الصلاة والسلام: (روحوا القلوبَ ساعةً بعدَ ساعة، فإنَّ القلوبَ إذا كلّت عميت).. اللهم اكتب لنا السعادةَ التي لا شقاءَ بعدها أبدا…. آمين

والله أعلى وأعلم

11 فبراير 2025م

زر الذهاب إلى الأعلى