أعمدة الرأي

عميد شرطة (م) عمر محمد عثمان يكتب القرار الميداني بين القانون واللوائح والمرونة..!! 

 

في العمل الأمني، كما في أي مؤسسة إدارية، تمثل القرارات الميدانية عنصرًا أساسيًا في نجاح القيادة وتحقيق العدالة داخل المنظومة. غير أن هذه القرارات تظل محكومة بمعادلة دقيقة بين الالتزام بالقوانين واللوائح وبين المرونة في التعامل مع الحالات الإنسانية والاستثنائية. وتجسد الواقعة التي نُسبت إلى سعادة الفريق شرطة محمد حسن محمد إدريس مثالًا عمليًا لهذه الفلسفة، حين قرر إلغاء نقل أحد الضباط بعد أن رأى بنفسه الوضع الإنساني لوالديه، رغم أن قرارات النقل تعد من اختصاص السيد مدير عام قوات الشرطة.

قصة القرار الميداني الإنساني

هذه القصة رواها الأخ اللواء شرطة (م) دكتور عبدالمحسن بدوي في قروب “ساهرون”، حيث استعرض هذا الموقف الإنساني الذي يعكس فلسفة القيادة الميدانية الحكيمة. جاءت الرواية كشهادة حية على نهج الفريق شرطة محمد حسن في التعامل مع القرارات الإدارية بمرونة وإنسانية، بعيدًا عن الجمود البيروقراطي، وهو ما جعل موقفه هذا محل تقدير واحترام بين زملائه ومن عرفوه.

القصة بدأت عندما تم نقل ضابط إلى إحدى ولايات دارفور، رغم أنه الابن الوحيد لأم مشلولة وأب ضرير. لم يكن أمامه سوى أن يصطحب والديه إلى مقر رئاسة الشرطة، حيث تركهما تحت ظل شجرة نيم بالقرب من الرئاسة، ثم دخل إلى مكتب الفريق محمد حسن وطلب منه أن يخرج لرؤية والديه. استجاب الفريق للطلب، وعندما شاهد المشهد قال كلمته الحاسمة: “نعم نقلناك، لكن حرم ما تنفذ… لغينا ليك النقل عديل”.

أهمية التناغم بين قيادات الشرطة

عندما اتخذ الفريق محمد حسن قراره بإلغاء النقل، كان يعلم تمام العلم بأن هذا القرار من اختصاص المدير العام، لكنه في ذات الوقت كان واثقًا من أن قراره لن يواجه بالرفض، وذلك بسبب التناغم المؤسسي بين قيادات الشرطة. هذا الانسجام بين القيادات يخلق بيئة عمل تسمح للقادة الميدانيين باتخاذ قرارات سريعة وحاسمة عندما تتطلب الظروف ذلك، مع إدراكهم أن قراراتهم مبنية على مبررات منطقية وإنسانية ستلقى تفهم القيادة العليا. هذا المستوى من “الهارموني” بين القادة يعزز فاعلية المؤسسة، ويمنحها مرونة في التعامل مع الحالات الاستثنائية دون الإخلال بالنظام المؤسسي.

المرونة في القرارات الميدانية: ضرورة أم استثناء؟

تتطلب بعض القرارات الميدانية سرعة في الاستجابة وظروفًا لا تحتمل انتظار العودة إلى التسلسل الإداري المعقد. في هذه الحالة، كان النقل قرارًا إداريًا روتينيًا، لكنه لم يكن على علم بجوانب إنسانية كان من شأنها أن تؤدي إلى معاناة حقيقية لعائلة الضابط. عندما شاهد الفريق محمد حسن والدَي الضابط، أدرك أن تنفيذ القرار كما هو سيحمل تبعات قاسية لا تتماشى مع روح العدالة، فقرر إلغاء النقل مباشرة. هذه الخطوة تعكس مفهومًا إداريًا مهمًا في بيئات العمل العسكري والشرطي، وهو أن القرارات ليست مجرد تطبيق حرفي للأنظمة، بل هي عملية ديناميكية تتطلب تقدير الظروف المحيطة وضبطها وفقًا لمتغيرات الواقع.

متى يكون القرار الميداني مشروعًا؟

حتى لا يصبح الأمر فوضويًا، هناك ضوابط تحدد متى يمكن تجاوز التسلسل الإداري واتخاذ قرار ميداني دون الرجوع إلى القيادة العليا، ومنها:

وجود ظرف استثنائي يتطلب التدخل السريع: مثل الحالات الإنسانية أو المواقف العاجلة التي لا تحتمل الانتظار.

عدم الإضرار بالمصلحة العامة أو الإخلال بالنظام المؤسسي: حيث يجب أن يكون القرار الميداني استثناءً عقلانيًا وليس عرفًا متبعًا يؤدي إلى تجاوز السلطة العليا دون مبرر.

تحمل المسؤولية الكاملة عن القرار: وهو ما تجلى في تصرف الفريق محمد حسن، حيث لم يكتفِ بإعطاء توجيهات بل خرج بنفسه لمعاينة الحالة وتحمل مسؤولية إلغاء القرار.

القائد الناجح بين الحزم والمرونة

القائد الناجح ليس فقط من يطبق اللوائح بحذافيرها، بل من يستطيع اتخاذ قرارات استثنائية عند الحاجة. تصرف الفريق محمد حسن يعكس نموذج القائد الذي لا ينعزل في مكتبه، بل ينزل إلى الميدان ليشاهد بنفسه ويتخذ قراراته بناءً على الواقع. كما أنه أظهر حسًا إنسانيًا عاليًا، وهو أمر في غاية الأهمية داخل المؤسسات النظامية، حيث يؤدي الجمود الإداري إلى فقدان الثقة بين القادة والعاملين.

ختامًا قرار الفريق محمد حسن بإلغاء نقل الضابط كان أكثر من مجرد استجابة لحالة فردية، بل كان نموذجًا يُحتذى به في التقدير الميداني، وإثباتًا أن الإدارة الناجحة هي التي توازن بين الالتزام باللوائح والتعامل بمرونة مع الحالات الإنسانية. في نهاية المطاف، فإن القائد الذي يستطيع الجمع بين الحزم والرحمة، وبين النظام والمرونة، هو القائد الذي يحظى باحترام مرؤوسيه ويترك أثرًا إيجابيًا في مؤسسته. أو كما قال سيدنا أبوبكر الصديق رضي الله عنه “لا يصلح هذا الأمر إلا شدة في غير عنف ، ولين في غير ضعف”

عميد شرطة (م)
عمر محمد عثمان

15 فبراير 2025م

زر الذهاب إلى الأعلى