علي محمد احمد إدريس يكتب عصماء السنهوري……. من ظلمة المحنة إلى ضوء المجد
■ مدخل:
(عصماء علاء الدين السنهوري) ، إحدى حرائر السودان اللائي قهرن العواصف، وسلكن دروب المستحيل بخطى واثقة وإرادة لا تلين. والدتها (السرة دياب محمد دياب) ، من بيوت المجد والعراقة في مدينة رفاعة، أرض النظارة وحاضرة البطانة. أما والدها، (علاء الدين عثمان محمد أحمد السنهوري) ، فهو ابن نهر النيل وسليل أسرة السناهير، أعلام المروءة والمكانة.
من هذا الأصل الطيب وُلدت (عصماء)، فكانت كغصن مبارك من شجرة ضاربة الجذور في الخير والعطاء. واجهت (عصماء) تحديات الحياة منذ نعومة أظافرها، وكان أولها مع دخولها كلية الطب بجامعة النيل، حيث أُحيل والدها إلى التقاعد في فبراير 2020م، وهو في أوج عطائه وذروة تميزه، ضمن حملة إقصاء ممنهجة مهّدت لما عرفه السودان لاحقًا من مآسٍ.
ورغم قسوة الظرف، استقبلت (عصماء) الأمر بإيمان راسخ، وواصلت مسيرتها الأكاديمية بتفوق وتميز.
■ وتتوالى الإبتلاءات:
لم تتوقف المحن عند تقاعد والدها، فقد تعرضت (عصماء) لابتلاء عظيم حين فقدت بصرها في عينها اليمنى نتيجة خطأ طبي جسيم خلال عملية أُجريت لها في يناير 2023م بأحد المستشفيات الخاصة، بعد أن اجتهد والدها في توفير كل ما يلزم لها.
كان الألم عميقًا، والصدمة قاسية، إذ تسبّب هذا الخطأ في تلف قرنيتها، نتيجة تفريغ المؤسسات الصحية من كفاءاتها بفعل فوضى المرحلة، مما عمّق الجراح وأدمى القلوب. تألمت الأسرة، وذرفت العيون، وحزن الأصدقاء، إلا أن (عصماء) وحدها بقيت صامدة، متفائلة، مؤمنة بأنها ستواصل طريقها العلمي، رغم الظرف الصحي والنفسي العصيب.
جلست للامتحانات وهي لا تزال تحت تأثير آثار العملية، لتثبت للجميع أن الإرادة أقوى من الألم.
■ رحلة العلاج.. وشعاع الأمل:
بعد أداء الامتحانات، رتّب والدها المهموم كل تفاصيل السفر إلى القاهرة بحثًا عن علاج يعيد (لعصماء) نور البصر. وهناك، تقررت زراعة قرنية للعين المصابة رغم أن فرص النجاح لم تكن مشجعة. لكن إيمان (عصماء) وتفاؤلها وثقتها بالله بعث في الجميع الأمل، فدخلت غرفة العمليات بروح مطمئنة، مدفوعة بيقينها ونتيجتها الدراسية التي ظهرت عشية العملية، وجاءت مشرّفة ومتميزة بفضل الله.
أُجريت العملية بنجاح، وعادت (عصماء) مبصرة كما كانت. غير أن يد القدر لم ترحم، فقد اندلعت الحرب في السودان في أبريل 2023م، فتعذّر عليهم العودة، وظلّت (عصماء) ووالدها عالقين بالقاهرة، إلى أن لحقت بهم الوالدة السرة وأطفالها بعد رحلة خروج شاقة من الخرطوم.
■ بؤرة ضوء في آخر النفق:
رغم الاستقرار الصحي، ظل هاجس استكمال الدراسة يؤرق (عصماء) وأسرتها، حتى أعلنت جامعة النيل عن افتتاح مركز لها بالقاهرة لاستئناف الدراسة للطلاب العالقين. لم تتردد (عصماء)، فالتحقت به فورًا، مواصلة مسيرتها بتفوق وعزم ثابت حتى بلغت المراد.
■ الفرحة الكبرى:
وفي مساء الثلاثاء 3 يونيو 2025م، امتلأت قاعة الإليزيه بمدينة 6 أكتوبر بالبهجة والفخر، حيث احتفلت (عصماء) بتخرجها من كلية الطب والجراحة، وسط أحبتها وأبناء وطنها. وزّعت رقاع الدعوة على أهلها وأصدقائها بعبارة مؤثرة:
{بانتظاركم لأحتفل بثمرة سنوات من التعب والكفاح مع أحب الناس إلى قلبي}
فلم يتخلف أحد عن الحضور إلا لعذر قاهر، كيف لا؟ وهي التي ألهمتهم بالصبر والثبات. كان السودان حاضراً بنشيده، وشهدائه، وانتصاراته، وحين اعتلت (عصماء) منصة التكريم برفقة والديها، تعالى الهتاف، وانطلقت الزغاريد، وسال الدمع فرحًا.
رغم الغربة، كانت (عصماء) في حضرة أهلها الحقيقيين؛ أخوان والدها الأوفياء، وأسرهم الكريمة، فغمرت الفرحة الجميع. ولم يغب (عماد السر) عن المشهد، فقد كان حيًّا في ذاكرتهم، هاشًّا باشًّا كما عهدوه، فامتزجت دموع الفقد بدموع الانتصار.
■ حروف أخيرة:
لم يكن تخرج )عصماء) مجرد إنهاء مرحلة دراسية، بل كان ملحمة حقيقية من ملاحم الكرامة والتحدي. هو انتصار للمرأة السودانية، ولشباب الوطن الذين لا يعرفون المستحيل.
نبارك لإبنتنا (عصماء)، ولأسرتها الكريمة، لوالدتها (السرة دياب)، ولوالدها (علاء الدين السنهوري)، ولأصدقائه المخلصين، وللدفعة ستين، ولكل أهل رفاعة وآل السنهوري، ولشعب السودان قاطبةً.
اللهم احفظ (عصماء) وسدّد خطاها، وارحم عماد السر وكل موتانا، وأعد للوطن أمنه وأهله. والشكر كل الشكر لمن شارك الفرحة حضورًا أو دعاءً من بعيد.
حفظ الله البلاد والعباد
عمكم/
*علي محمد احمد إدريس*
*ود البطانة*

