أعمدة الرأي

اللواء د. عُمَر عبد الماجِد يكتب عُمَرُ … يَحْيى … خالِد

 

كَثيرونَ لا يَعرِفونَهُم،

وذلك من تَجَلِّياتِهِم:

 

تَواضُع،

وَقار،

زُهْد،

وتَعَفُّف.

 

حالُهُم كحالِ مَن وَرَد ذِكرُهُم في الذِّكرِ الحكيم:

 

﴿يَحسَبُهُمُ الجاهِلُ أَغنياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعرِفُهُم بِسِيمَاهُم﴾.

 

جَمَعَتْهُم الأقدارُ ثَلاثتَهم، ومعَهُم رَهْطٌ كَريم، مُنذُ ثلاثةِ عُقود.

وتَمَّ تَعريفُهُم بـ «الدُّفْعَةِ التَّوأم 54/55»، ثم تَفَرَّقوا واجتَمَعوا مَرَّةً أُخرى:

فمَضى أَحَدُهُم شَهيدًا، والثاني أَسيرًا، والثالثُ شاهِدًا عَدلًا يَرْوي بَعض الحِكاية.

 

ضَمَّتْهُم ضاحِيَةُ بُرِّي، وقد جاءُوها مُشبَعينَ بالوَطَنِيَّةِ الحَقَّة، مُتَوَشِّحينَ بالقَوميَّةِ الصادِقَة، ولسانُ حالِهِم يَقول:

 

كُلُّ أَجزائِهِ لَنا وَطَنُ.

 

حِزبُهُم الوَطَن، وقَبيلتُهُم الشُّرطة، والوَلاءُ للهِ والوَطَن.

 

فكانوا «بَيَانًا بِالعَمَل».

جاءوا من كُردُفان الغُرَّة: عُمَر حَمودَة، الفَتى فارِعُ الطُّول، كَريمُ الخِصال، نَبيلُ السَّجايا، المُتَدَفِّئُ بِنارِ التُّقابَة، المُتَسَرْبِلُ بالنَّقاء، المُهْنيُّ القُحّ.

 

وكما صَفاءُ النِّيلِ الأبيَض وهُدوؤه، جاءَ خالِدُ بنُ حَسَّان: الحَكيمُ الفَطِن، صادِقُ القَول، العَفيف.

 

وغَيرُ بَعيدٍ، ومن جَبَلِ الأوْلِياء، جاءَ يَحْيى، مُقتَفِيًا أَثَرَ أَولياءِ اللهِ الصَّالِحين: خُلْقًا وأَخلاقًا، زُهدًا ووَرَعًا، وصَلاحًا مَرئيًّا، وتُقى في القُلوب.

 

فتشرَّبوا الجُندِيَّةَ كما يَنبَغي، نَمُوذَجًا بَرَّاقًا، وقُدوةً يَتَشَبَّهُ بِها الرِّجال. وفي ذاك فَلاحَةٌ، فَبَرَعوا في صِناعَةِ الأَمْن: مَنْعًا وكَشْفًا للجَريمة، وخِدماتٍ يَرجونَ بِها رَحمةَ اللهِ ورِضوانَه.

 

وكانوا – قَبلَ ذلك – نَمُوذَجًا طَيِّبًا، ومِثالًا يُطِيبُ الحَديثُ مَعَهُم وعَنهُم:

قادةٌ بِحَجمِ الكَلِمَة،

وقُدوةٌ كما يَنبَغي،

ورِفْقَةٌ كما تَشتهِي،

ونَزاهَةٌ كما في المُرشد.

 

تَفَرَّقَتْ بِهِم سُبُلُ الوَظيفةِ والمَعيشَة، تَرمي بِهِم شَرقًا وغَربًا، شَمالًا وجَنوبًا، وهم في سَبيلِ اللهِ والوَطَن: سَمعًا وطاعَة، مَتاعٌ قَليل وإخلاصٌ ثَقيل، وصَبرٌ لا يُتاحُ للكَثيرين، وحِكمةٌ: «وَمَن يُؤتَ الحِكمةَ فَقَد أُوتِيَ خَيرًا كَثيرًا». وجَلَدٌ اختبَرَته الدُّروب، وتِلكَ المَقاديرُ الإلهيَّةُ كأنَّما رَسَمَتْ فُصولَ قِصَّةٍ تُروى الآن وتَتَداوَلُها الأجيالُ جيلًا بعدَ جيل.

 

تَشابَهَ الرُّفَقاءُ في سِماتٍ وصِفاتٍ تَبدو مُدهِشَةً وغَيرَ مُمكِنة، ثُمَّ تَجَمَّعوا بَعدَ شَتاتٍ وكأنَّهُم على مَوعِدٍ كأهلِ بَدر: قِلَّةٌ قَليلَة، مَفعَمَةٌ بالإيمانِ باللهِ والوَطَن.

 

*مَعركةُ الكَرامَة*

تَجَمَّعوا في واحِدةٍ من أَنبَلِ وأَشرَفِ وأَطهَرِ ساحاتِ مَعركةِ الكَرامَة، والتي حَتمًا لم يُروَ من حَديثِها إلا نُذْرٌ يَسير.

 

وقَلَمُ التَّاريخِ حَتمًا يُدَوِّن ويُوَثِّقُ بتَجرُّدٍ وأمانة، وسوفَ يَروي كما جاءَتنا قِصَصُ الأوَّلين، ولكُلِّ حادِثٍ حَديث، ولكُلِّ مَقامٍ مَقال.

 

رابَطوا وَسْطَ جُنودِهِم، وتَعاهَدوا أَلَّا يَنالَ العَدوُّ مَواقِعَهُم وهُم أحياء.

تَعاهَدوا مَع جُنودِهِم على الصَّبرِ والثَّبات، وأَفئِدَتُهُم تَدعو: «رَبَّنا أَفرِغْ علَينا صَبرًا وثَبِّتْ أَقدامَنا وانصُرنا على القَومِ الكافِرين».

 

ثم كانَ المَوعِدُ زَمانًا ومَكانًا في بُقعَةٍ أَحَبُّوها فبادَلَتهُم حُبًّا بِحُبّ، وطالَما ارتَوَت أَرضُ مَيدانِها بِعَرَقِ التَّدريب، وتَزَيَّنَت بِدِماءِ الشُّهداء؛ لتَكونَ آيَةً للتَّاريخِ والأُمَّة.

 

*المَوقِفُ الفاصِل*

والعَدوُّ مُتَرَبِّص (بِقِيادَةِ الاحْتِياطِيِّ المَركَزي) – وما أَدراكَ ما الاحْتِياطِي – وله ثَأرٌ قَديم، وحَنَقٌ مُتَجدِّد، وغَيرَةٌ خَبيثَة. فأَعمَلَ أَسلِحَتَه بلا هُدُوءَ، وحَشَدَ نَطيحَتَه أُلوفًا غَيرَ مُؤتَلِفَة: ﴿تَحسَبُهُم جَميعًا وقُلوبُهُم شَتّى﴾.

 

يروي شاهِدُنا الشَّهيدُ الحَيُّ الفَريقُ أوَّل خالِد أنَّ هَجماتِ المِليشيا بالمُسَيَّراتِ كانت عَصِيَّةً على الوَصف، وكَثافَةُ النِّيرانِ أَحالَتِ الأَرضَ جَحيمًا.

 

وكُلَّما تَقدَّمَ فَوجٌ ليَقتَحِمَ المَقارَّ، صُدَّ بعَزمٍ لا يَلين، وتَقدَّمَ الجُنودُ وضُبَّاطهُم بِبَسالةٍ لا تُوصَف، ويَسقُطونَ شُهَداءَ بَعدَ أَن يَكُونَ الشَّهيدُ قد قَضى على العَشراتِ من الهَلكى؛ حتَّى إنَّ سُوحَ المَعسْكَرِ المُترامِي قد ضاقَ بِجُثَثِهِم المُمَزَّقَة.

 

والعَدوُّ الغاشِمُ يُهاجِمُ بِمَوجاتٍ مُتَتاليَة وكَثيفَة، والثَّباتُ سيِّدُ مَوقِفِ الشُّرَفاء:

 

لا تَراجُع… لا تَزَحزُح… لا انكسار.

*وفي تِلكَ السَّاعاتِ المُبارَكَة، يَسقُطُ الشَّهيدُ عُمَر حَمودَة – سيِّدُ شُهَداءِ الشُّرطة – مُتَوَشِّحًا تِلكَ الرُّتبةَ الرَّفيعة، كأَعلى مَراتِبِ الدُّنيا، ويَرتَقي إلى أَعلى دَرَجاتِ دارِ البَقاء مَع النَّبيِّين والصِّدِّيقين والشُّهداءِ ومَن صَلُحَ*.

 

جاءَهُم بِكامِلِ زِيِّهِ الأَنيق وأَوْسِمَتِه البَرَّاقَة، لم يَأمُرْ بِحِراسةٍ أو حِماية، حَمَلَ بُندُقيَّةً تُشابِهُ ما يَحمِلُه جُنودُه، وتَقَدَّمَ صُفوفَهُم، وهُم يَثنُونَه عن التَّقدُّم ويَطلُبونَ اتِّخاذَ السَّاتِر، وهو يَبتَسِم كما عَهِدَه كُلُّ مَن عَرَفَه، ويَعلَم أنَّ: «السَّاتِرَ هو الله».

وتَلوحُ له إشاراتُ الشَّهادَة، وأنَّ الأَمْرَ قد دَخَلَ حَيِّزَ التَّنفيذ، واتَّحَدَت الكافُ والنُّون.

 

أَبشِرْ يا عُمَر،

أَبشِروا آلَ عُمَر،

أَبشِروا صُحبةَ عُمَر،

أَبشِروا دُفعةَ عُمَر.

 

فسَقَطَ مُقبِلًا غَيرَ مُدبِر،

سَقَطَ أَرضًا،

وارْتَفَعَ سَماء،

نَزَفَ مِسكًا عَبَقَ السَّمَواتِ وأَرجاءَ ساحةِ النِّزال.

 

*أَسرُ يَحيى وثَباتُ خالِد*

 

وغيرَ بَعيدٍ عن تِلكَ الأَحداثِ بِزُخرُفِها الأَخاذ، كانَ الصَّائِمُ الزَّاهِدُ المُتَبَتِّل: الفَريقُ يَحيى.

وقد فَرَغَ مِنَ الوُضوء ليُخاطِبَ رَبَّ العالَمينَ بِرَكعات، ويَلحَقَ بالقِتالِ الَّذي يَبعُدُ أَمتارًا مِن مَكتَبِه.

 

وما إن هَمَّ بِتكبيرةِ الإحرامِ، إلَّا وقد أَحاطَت به شِرذِمَةٌ شَاهِرَةُ السِّلاح، فَوَقَعَ أَسيرًا في شَمَمٍ وثَبات، وإن بدا عليه نَدَمٌ أنَّه لم يَلحَقْ برَفيقِه الشَّهيد عُمَر.

 

وعلى بُعدِ أَمتار، كانَ الشَّهيدُ الحَيُّ الفَريقُ خالِد يَتقدَّمُ الصُّفوفَ مُحفِّزًا جُندَه: كَتفًا بِكَتف، يَتَصَدَّى بِثَبات.

لم تُثنِهِ رُتبَتُه ولا وَظيفَتُه عن القِتال كما تَعَلَّم، وكان يُعَلِّم وهو مُعَلِّمُ الكُلِّيَّة الَّتي تَخرَّجَ على يَدَيهِ المِئات، يَعرِفونَ فَضلَه وأَفضالَه.

 

حتَّى يَكتُبَ اللهُ له أَجلًا يُواصِلُ فيه جِهادَه في مَرحلَةٍ أَقَلُّ ما تُوصَفُ أَنَّها حَرِجَة، وهو لها بِعونِ الله.

 

لم تَكتَمِل فُصولُ هذِه المَلحَمَةِ الخالِدة، ولم نُصَوِّر تَفاصيلَها الزَّاهِيَة كما يَجِب، لكنَّها لَمَحاتٌ تُحاوِل أن تُعَرِّفَ بأَبطالِها.

 

ومِثلُهُم كُثُر، لا تَعلَمونَهُم، اللهُ يَعلَمُهُم.

 

نَصرٌ مِنَ اللهِ وفَتحٌ قَريب.

 

*اللواء د. عُمَر عبد الماجِد بَشير*

*المَملَكَةُ المُتَّحِدَة*

2025

زر الذهاب إلى الأعلى