أُسَيْدِياتُ الثُلاثاء عثمان الشيخ الأُسَيْد يكتب رجالٌ ونساءٌ لم تسمعْ بهم على الأرجح (2)

إسمُها (إقليا)
أول أنثى خُلِقت من البشر على وجه الأرض.. سألني يوسفُ: هل خُلقت قبل أبونا آدم وامنا حواء؟ قلت له: إنها أول أنثى خُلقت من البشر، قلت لك من البشر، يا بشر أبونا آدم-عليه السلام- لم يُخلق من البشر، خُلقَ من ترابٍ ومن طينٍ لازب: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ. سورة الحج اية 5 وأمنا حواء خُلقت من ضلعِ أبينا آدم من غير أم، هذا مذكور في اول سورة النساء قال الله تعالــى (يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ، واحِدَةٍ، وخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا ونِسَاءً ) فكانت إقليا، أول من خُلِق من ابوين ، لذلك تُعَدُ هي أول أنثى خُلقت من البشر على وجه الأرض عن طريق التناكح والتزاوج بين أبويها آدم وحواء، عليهما السلام .إذًا هي وُلدت من بطن حواء مع توأمها (قابيل) صاحب أول جريمة قتل في تاريخ البشرية، الجريمة التي راح ضحيتها سدس سكان الكرة الأرضية، قال يوسف: لا حول ولاقوه إلا بالله!! مات هابيل، هذا يعنى اننا أحفاد القاتل قابيل؟ قلت له: لا، ولكن نحن من نسب (شيث) يقول إبنُ جرير الطبري رحمه الله:(وإلى شيث ترجع أنسابُ بني آدم كلهم ، وذلك أن سائر ولد آدم- غير نسل شيث- انقرضوا وبادوا، فلم يبقَ منهم أحدٌ. فأنسابُ الناسِ كلهم اليوم إلى شيث عليه السلام) قلت ليوسف: هل اطمأننت فندخل في موضوع إقليا؟ قال: نعم ، أحكي لنا قصةَ إقليا، وسبب قتل قابيل لهابيل، قلت له اقليا لم تكن لها قصة ولكنها كانت سببا اساسيا لقصة لم ترد لا في القرآن الكريم، ولا في السنة النبوية، جاءت في الإسرائيليات، وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم عن الإسرائيليات: لا تكذبوها ولا تصدقوها. وقصة إقليا قد تكون صحيحةً وقد تكون غيرَ ذلك، وأنا أرويها لكم من بابِ التعجب والإمتاع والمؤانسة
الصِّراعُ الذي دارَ بين ابنَي آدم (قابِيل وهابِيل) كان عاطفيّاً، ناشئاً عن عدم رضا الأخ الأكبر (قابِيل) بالزَّواجِ من توأمة شقيقةِ الأصغر (هابِيل) لعَدم اقتناعه بجمال مظهرها الخارجيِّ، ولرغبته في الزَّواج من شقيقته الجميلة (إقليا) هذا الصراع الذي قاد إلى الحسد الذي أدى الى جريمة القتل، ليكون الحَسَدُ أوّل ذَنْب عُصِي اللهُ به في السماء، وأوّل ذَنْبِ عُصي اللهُ به في الأرض. فأمّا في السماء فحَسدُ إبليس لآدمَ، وأما في الأرض، فَحَسدَ قابيلَ هابيل. وقال بعضُ أهل التفسير في قوله تعالى: ” رَبنَا أَرِنَا الَّلذَيْنِ أَضلانَا مِنَ اْلْجنِّ والإنْس نَجْعَلهما تحتَ أقدامِنا ليَكُونَا من الأسْفَلِين ” قالوا: إنه أراد بالذي من الجن إبليس والذي من الإنس قابيل، ذلك أن إبليس أولُ من سَنَّ الكفرَ وقابيل أوّل من سَنَّ القتلَ وإنما كان أصل ذلك كله الحسد، قال يوسف: (سبحان المعبود!!) ثم أردف قائلًا: لكني لم أفهم قصةَ زواج قابيل من توأم هابيل، قلت: إنَّ امنا حواء كانت تُنجب في كلِّ بطنٍ تَوأماً من ذَكَرٍ وأُنثى، وكان محرمًا على أبناء البطنِ الواحد الزواج ببعضهما البعض، وكانت إقليا توأم قابيل، لكن قابيل أراد الزواجَ منها وهي لا تحلُ له، ورفض الزواج من توأمة أخيه هابيل ومن هنا نشأ أصلُ الاختلاف بين الأخوين، ولإيجاد حل لهذه الاشكالية قرَّرا أن يقرِّبا قرباناً؛ والقربان هو أي شيء يُقدَّم للتقرب من الإله، وغالبًا ما يكون حيوانًا أو نباتًا أو طعامًا أو شرابًا، ويتم تقديمه بغرض إرضاء الآلهة، أو شكرهم، أو عبادته، وإذا قَبِل اللهُ منك القربان، فهذا يعنى أنه راضٍ عنك، ويتمثل القبول في ان تأكل النار القربان وتصعد به إلى السماء، فقام (قابِيل) – وكان صاحبَ زَرعٍ- بتَقريب حفنةٍ من طعامٍ رديءٍ، وقام (هابِيل)- وكان راعي غنمٍ- بتَقريب أفضل ما عندَه من الغَنَم، فنَزلت نارٌ من السماء فأكلت قربانَ (هابيل) وتركت قربان (قابيل)واضح أن اللهَ تقبَّل قربانَ هابيل ولم يتقبَّل قربانَ قابيل، لأنه كان رديئًا، ومن هنا اشتعل الحسدُ في نفس قابيل.. قال يوسف: صدق الله تعالى في قوله: لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ.. آل عمران 92
قال يوسف: ثم ماذا؟ قلت: ثم قتل قابيلُ هابيلَ حسدًا وغيرةً، وبقي يحمل جثَّةَ أخيه ولا يعرف ماذا يفعل بها مدَّة من الزمن، حتَّى بعث اللهُ تعالى إليه غُرابَيْن أَخَوين فاقتتلا أمامَ نَظَره، ثمَّ قام الغرابُ القاتل بحفر حفرةٍ في الأرض و دَفن فيها أخاه المقتول؛ فندم (قابيل) عندَ رؤيته لذلك على قَتله لأخيه.. سألتُ يوسف: ما رأيك في تصرف قابيل بقتل أخيه؟ وهل كان يمكن ان يكون هناك حل آخر؟ وهل إقليا لها ذنبٌ في هذه الجريمة؟ قال،(إقليا) بريئة، كل ذنبها أنها كانت جميلة، وقيل (الجمالُ مرعى خصب) ثم قال سمعتُ طرفةً من احد المشايخ يقول: أمنا حواء سألت أبونا آدم عليه السلام، قائلة له: هل تحبني يا آدم؟ قال لها: وهل يوجد غيرك؟ ثم يقول يوسف: قصدتُ من هذه الطرفة القول بأنَّ الخيارات في اختيار شريكة الحياة كانت معدومة، وأساس هذه الجريمة هو الحسد، قلت له: صدقت، أما أنا لو ملكت عقوبة الحاسد، فلن أُعاقبه بأكثرَ مما عاقبه اللهُ به ، فأصاب الحاسد بغم لا ينقطع، ومصيبة لا يؤجر عليها، ومذمة لا يُحمد عليها، وسخط الرب، ويُغْلَق عنه باب التوفيق. ولكن نجد هنالك متفائلًا يحوِّل الحسدَ إلى طاقةٍ إيجابية، مثل شاعرنا حبيت الطائي الذي يقول
وإذا أراد الله نَشرَ فَضيلةٍ طُوِيت، أتاح لها لسانَ حَسُودِ
لولا اشتعالُ النار فيما جاوَرَت ما كان يُعْرف طِيبُ عَرْف العُودِ
أما مصير إقليا وقابيل وهابيل وتوأمته، فلا يوجد نصٌ في القرآن يحدد بشكل قاطع مصيرهم جميعًا. يبقى هذا الأمر من الأمور التي نؤمن بتفويضها إلى الله عز وجل فهو الأعلم بعباده
آخرُ حديثي لك: لا تحسِدْ غنيًا ولا تحقر فقيرًا، وتحصَّن بالرقية الشرعية وبالأذكار صباحًا ومساءً
كانت هذه هي إقليا، أوَّل أنثى خُلُقَت من البشر على وجه الأرض.. إلى لقاءٍ قادم مع رجالٍ ونساءٍ على الأرجح لم تسمع بهم، فابقوا معنا، يُوسُفُ وانا
والله أعلى وأعلم
23 سبتمبر 2025م

