مقالات الرأي

الرمال المتحركه الدكتور يوسف القرشي يكتب محمد طاهر أيلا… حين يُودّعك الانجاز قبل الناس تخيم ملامح الحزن على معالم المدن

 

في لحظةٍ يعتصرها الحزن، ويخنقها الصمت، ودّع السودان واحدًا من أبنائه البررة، رجلاً لم يكن مجرد اسم في دفاتر المناصب، بل كان علامة فارقة في فن الإدارة، ونموذجًا نادرًا لما تعنيه خدمة الوطن بلا منٍّ ولا رياء. رحل محمد طاهر أيلا، والي البحر الأحمر والجزيرة الأسبق، ورئيس الوزراء الأسبق، بعدما قضى عمره بين دروب التنمية ومفازات الإصلاح، تاركًا وراءه سيرةً لا تُروى فقط، بل تُحتذى.
محمد طاهر أيلا لم يكن من رجال الواجهات ولا أبراج العاج. وُلد في مدينة بورتسودان الباسلة، وشبّ فيها وهو يتلمس وجع الناس، ويسمع أنينهم، ويحلم معهم بوطنٍ واسع . وحين وصل إلى كراسي المسؤولية، لم يبدّل جلده، بل ظل على وفائه للفقراء، صادقًا في مواقفه، ومبادرًا بالفعل قبل القول.
لم يكن أيلا سياسيًا بالمفهوم التقليدي، بل كان إداريًا يؤمن بأن الإنجاز هو أفضل خطاب، وأن التنمية ليست “مشروعًا انتخابيًا”، بل التزامٌ أخلاقي مع الإنسان. في ولايتي البحر الأحمر والجزيرة، ترك بصمات لا تُمحى: مدارس أُنشئت، طرق فُتحت، مستشفيات تم تجهيزها، وأحلام كثيرة أعاد إليها الأمل.
لم يكن يلهث خلف كاميرات الإعلام، بل خلف احتياجات المواطن. لم يكن صوته مرتفعًا في المنابر، لكن أثره كان عاليًا في الميدان.
من أبرز بصماته التي ستبقى خالدة في الذاكرة الوطنية، مشروع “التعليم مقابل الغذاء”، تلك المبادرة التي لم تكن مجرد خطة تنموية، بل كانت رؤية إنسانية أصيلة.
أن التعليم حق، والجوع ليس مبررًا للهروب منه. ساهم هذا البرنامج في تقليل نسب التسرب من المدارس، ورفع وعي المجتمعات الريفية، ورسّخ مفهوم التكافل الذكي بين الدولة والمواطن.
عندما كُلّف أيلا برئاسة الوزراء عام 2019، كانت البلاد تمر بأدق مراحلها، لكنه لم يتردد في تحمّل المسؤولية. رغم قِصر المدة، حافظ على ثباته، وسعى لإدارة المرحلة بما أوتي من حنكة، قبل أن يغادر المنصب بهدوء، كما دخله.
وها هو اليوم يودع وداع بلا ضجيج… ورحيل بحجم الوطن
غادرنا أيلا من على سريرٍ في القاهرة، بعد سنواتٍ من الغياب الصامت عن الأضواء.
كلمات الختام في حضرة الغياب تاتي مختلفه
محمد طاهر أيلا لم يكن معصومًا من الخطأ، لكنه كان نزيهًا في قصده، نبيلًا في صمته، كبيرًا في عطائه. والذين عاشوا في زمنه، ووقفوا على ما أنجزه، يدركون اليوم أن الراحل لم يكن مجرد موظف في الدولة، بل كان رجلًا للدولة، في وقتٍ عزّ فيه رجال الدولة.
نُودّعه اليوم ولا نملك إلا أن نقول: شكرًا لأنك لم تخن الحلم، لأنك زرعت فينا امل الغد ولأنك ابتسمت في وجه البسطاء، وعملت لأجلهم.
سلام يغشاك في المحفل
ورحمة تغشاك في رحاب الخالدين

زر الذهاب إلى الأعلى