فريق شرطة (حقوقي) د. الطيب عبدالجليل حسين يكتب العدالة الدستورية ونمو التطور الدستوري المجتمعي وأثره على تطبيق الدستور والقانون(9)

رؤية إنتقادية لتطبيق معايير المحاكمة العادلة المنصفة في السودان– محاولة لمقارنات دولية(4)
———————-
الرقابة على احكام وقرارات هيئات التحكيم في نزاعات الاستثمار والنزاعات التجارية والرياضية(1)
———————-
الرقابة على أحكام وقرارات هيئات التحكيم، تتخذ مسارين رئيسيين؛ المسار (الأول) الرقابة القضائية، والمسار (الثاني) الرقابة شبه القضائية. وكلاهما في العلمي النظري والتطبيق العملي، يمثل امتدادًا لمفهوم العدالة في التشريع ضمن إطار نظرية التحكيم العامة، التي تسعى لتحقيق التوازن، بين، استقلالية إرادة الأطراف، ورقابة الدولة والقضاء (المحاكم)، لضمان المشروعية واحترام القانون.
وتوضيحاً بإيجاز غير مخل للمسارين والنظرية العامة للتحكيم، نشير لها كما يلي:
(أولاً) الرقابة القضائية:
———————-
من حيث المفهوم والمعنى، الرقابة القضائية هي السلطة التي يمارسها القضاء الوطني أو الدولي على أحكام وقرارات التحكيم، بغرض التحقق من مشروعيتها القانونية، وضمان توافقها مع النظام العام والإجراءات الأساسية للعدالة. فهذه الرقابة – أي الرقابة القضائية – لا تمتد إلى جوهر النزاع، ولا تعيد تقييم موضوعه. بل تقتصر على فحص الحكم التحكيمي من حيث سلامته الشكلية والإجرائية، ومدى التزامه بمبادئ العدالة الدستورية والعدالة القضائية، مثل حق الدفاع والمساواة وحياد المحكمين. وتكمن غاية الرقابة القضائية في صون الثقة العامة في العدالة بمفهومها الواسع وحماية سيادة القانون، دون أن تتحول الرقابة إلى تدخل يمس استقلال القرار التحكيمي، أو يحل محل إرادة الأطراف.
(ثانياً) الرقابة شبه القضائية:
———————-
من حيث المفهوم والمعنى، الرقابة الشبه قضائية هي الرقابة التي تمارسها هيئات أو مؤسسات لا تنتمي إلى السلطة القضائية الرسمية، لكنها تتمتع بطبيعة قانونية وتنظيمية، تخولها النظر في أحكام التحكيم ضمن بنية نظام خاص بها. ومن أمثلتها؛ المراكز التحكيمية والهيئات الإدارية المستقلة ولجان الطعن والاستئناف الرياضية أو الاستثمارية، مثل لجنة الطعون في محكمة التحكيم الرياضي المتعارف عليها بالـ Court of Arbitration for Sport – CAS أو لجان مراجعة النزاعات في مراكز تسوية منازعات الاستثمار الـ Dispute Review Committees within Investment Dispute Settlement Centers. وكذلك مركز الـ Review Committees for Investment Dispute Resolution Centers، وبما في ذلك مركز الـ International Centre for Settlement of Investment Disputes – ICSID التابع للبنك الدولي.
والرقابة الشبه قضائية في هذه المراكز تهدف إلى ضمان الاتساق والانضباط الإجرائي في أحكام وقرارات التحكيم، أن تكون الرقابة ضمن الإطار المؤسسي المحدد، دون الخوض في جوهر النزاع، مما يمنحها طابعًا فنيًا ومهنيًا، أكثر من كونه قضائيًا بحتًا.
وعمليًا، كلا النوعين من الرقابة، في العلمي النظري يجدان أساسهما في النظرية العامة للتحكيم، التي تعد التحكيم جزءًا من المنظومة القانونية العامة، لا كبديل عنها، بل آلية تكميلية، تتيح للأطراف حرية تنظيم العدالة وفق شروطهم الخاصة، مع بقاء رقابة الدولة ضامنًا لعدم تجاوز تلك الحرية حدود المشروعية. فالتحكيم في جوهره، يقوم على العدالة التوافقية التي تسمح للأطراف، اختيار طريقهم في تسوية النزاع، لكنه في الوقت نفسه، يخضع لرقابة تكفل احترام النظام العام الدستوري والقانوني. وتتجلى مبادئ النظرية العامة للتحكيم في عقدين مترابطين بعضهما ببعض، يشكلان الإطار القانوني للتحكيم، ونفصلهم في الآتي:
1. عقد شرط التحكيم Clause Compromissoria:
———————-
هو الاتفاق المسبق المدرج في العقد الأصلي قبل نشوء النزاع، والذي يتضمن التزام الأطراف باللجوء إلى التحكيم عند حدوث أي خلاف مستقبلي. ويعكس هذا العقد مبدأ سلطان الإرادة وحرية اختيار وسيلة العدالة خارج القضاء التقليدي، كما يؤسس للولاية التحكيمية المستقبلية. فهو بذلك – أي شرط التحكيم – اتفاق يُدرج ضمن العقد الأصلي بين الأطراف، يتضمن التزامًا مستقبليًا بإحالة أي نزاع ينشأ بينهما إلى التحكيم بدلاً من القضاء. ويُعد هذا الشرط – شرط التحكيم – من العقود التمهيدية أو الشرطية، التي لا تُنشئ التحكيم فعلاً، وإنما تُؤسس لالتزامٍ بتحكيمٍ محتملٍ في المستقبل.
والأساس القانوني لشرط التحكيم، يقوم على مبدأ سلطان الإرادة، المكرّس في تشريعات القوانين المدنية، إذ يُعتبر التحكيم عقدًا رضائيًا لا يقوم إلا باتفاق الأطراف باللجوء للتحكيم، لحل أي نزاع بينهما مستقبلي. ويستمد التحكيم قوته من القانون الموضوعي الإجرائي – كقانون التحكيم لسنة 2016م في السودان – الذي يمنح رضائية شرط اللجوء للتحكيم حجية قانونية، تعلو على الاختصاص القضائي في حال صحة الشرط. ومن جهة أخرى، شرط التحكيم له آثار قانونية؛ أنه ينزع اختصاص القضاء العادي من النظر في النزاع، وأنه ومتى ما ثبت وجود شرط التحكيم الصحيح، يلزم الأطراف باللجوء للتحكيم أولاً قبل أي إجراء قضائي. وبقاء الشرط – أي يبقى شرط التحكيم – قائمًا حتى بعد انقضاء العقد الأصلي، طالما أن النزاع يتعلق به.
والتحكيم لطبيعته المدنية لحل النزاعات ذات الطابع المدني في المعاملات، له شرط، والشرط له حدود وقيود محدده، فهو – أي شرط التحكيم – لا يسري على المسائل ذات الطابع الجنائي أو الأحوال الشخصية. ولا يسري على المسائل التي تتعلق بالنظام العام أو الحقوق الدستورية غير القابلة للتصرف.
2. عقد مشارطة التحكيم Compromise of Arbitration / Submission Agreement :
———————-
هو الاتفاق الذي يُبرم بعد وقوع النزاع، ويتضمن تحديد موضوع النزاع، وعدد وهيئة المحكمين – محكم فردي أو أكثر من عدد فردي لا عدد زوجي، ويحدد إجراءات سير التحكيم، ومكان التحكيم، وتحديد القيد الزمني لانهاء إجراءات التحكيم، والقانون الواجب التطبيق في الموضوع والاثبات. ومن ما يتصف به عقد مشارطة التحكيم، أنه يحوِّل الالتزام النظري في شرط التحكيم الوارد في العقد الأصلي إلى إطار عملي للتنفيذ، ويمثل المرحلة التطبيقية للاتفاق التحكيمي.
وعقد مشارطة التحكيم، يتميز بطبيعة قانونية تميزه عن الطبيعية القانونية لبقية العقود الأخرى الوارده في القانون المدني الموضوعي والاجرائي، بأنه عقد مستقل عن العقد الأصلي، لكنه يُعتبر عقد تنفيذ لشرط التحكيم الوارد في العقد الاصلي، ويؤكد إرادة الأطراف في المضي قدماً نحو العدالة الخاصة. وكما يتصف عقد مشارطة التحكيم، بأنه أكثر تفصيلًا من شرط التحكيم الوارد في العقد الأصلي، إذ يتناول الجوانب الإجرائية والموضوعية للتحكيم. وعقد مشارطة التحكيم له محتويات أساسية؛ يشتمل العقد على تحديد أطراف النزاع، وتعيين المحكّم أو الهيئة التحكيمية، وتحديد القانون الواجب التطبيق، وبيان موضوع النزاع بدقة، وتحديد المدة الزمنية لإنهاء اجراءات التحكيم، ومكان انعقاد جلسات التحكيم، وتنظيم مصروفات التحكيم وآثاره. ولعقد مشارطة التحكيم أثر، فهي من حيث القانون – أي الأثر – أن الأثر هو الذي يُنشئ الاختصاص التحكيمي فعلاً، وتمنح الهيئة التحكيمية السلطة القانونية للفصل في النزاع، مما يجعلها – أي الهيئة التحكمية – الركيزة العملية للتحكيم.
وتنزيلا لما ورد، أنه بمقتضى شرط التحكيم الوارد في عقد التحكيم الاصلي وعقد مشارطة التحكيم، يُمارس القضاء الرسمي المؤسسي رقابته القضائية على احكام وقرارات هيئات التحكيم، للتحقق من صحة شرط التحكيم، والتأكد من مشروعية مشارطة التحكيم، ومدى توافقهما مع مبادئ العدالة والنظام العام. بينما الهيئات شبه القضائية، تمارس رقابة مهنية فنية بحته، للتحقق من سلامة الإجراءات، وتنفيذ الالتزامات التحكيمية المتفق عليها. وهكذا، تتكامل الرقابتان في الحفاظ على التوازن بين الحرية التعاقدية والضمان المؤسسي للعدالة. مما يعني أن العلاقة بين الرقابة القضائية وشبه القضائية من جهة، ومبادئ نظرية التحكيم في العلمي النظري من جهة أخرى، هي علاقة تكاملية لا تعارضية يشوبها التضاد. فالرقابة تمثل آلية صيانة للمشروعية، في حين تجسد نظرية التحكيم – في العلمي النظري – روح الإرادة الحرة والعدالة التوافقية. وتكمن العدالة التحكيمية في تحقيق توازن دقيق بين سلطان الإرادة والرقابة القانونية، بحيث لا تنقلب حرية الأطراف إلى فوضى تعاقدية، ولا تتحول رقابة الدولة إلى وصاية تحدّ من استقلالية التحكيم.
وبذلك، يظل التحكيم نظامًا قانونيًا يقوم على الإرادة الحرة المقيدة بضوابط العدالة الدستورية والقانونية، ويُعدّ مثالًا على التفاعل بين الحرية والمسئولية، وبين الاستقلال والرقابة، بما يضمن تحقيق العدالة التوافقية في إطار الشرعية القانونية والدستورية.
ثالثًا: المبادئ العامة لنظرية التحكيم:
———————-
النظرية العامة للتحكيم في العلم النظري (العلمي)، من أبرز المباحث الفقهية التي تسعى إلى تأصيل التحكيم، كآلية قانونية مستقلة، لحل النزاعات المدنية في المعاملات، وحل المنازعات ذات الطبيعة السياسية الدستورية المتعلقة بإدارة شئون كيان الدولة، حلول لهما خارج نطاق القضاء الرسمي، لكن مع اخضاع التحكيم للرقابة القضائية في حالات محددة وضيقه، متى ما انحرفت احكام وقرارات هيئات التحكيم عن مسارات القانون، بما يقرره القانون.
وتوضيحاً وبإيجاز غير مخل، نتناول تعريف وفلسفة وخصائص التحكيم، وموقعه ضمن النظام القانوني الوطني والدولي، تفصيلاً لها، وهي كما يلي:
1. تعريف النظرية العامة للتحكيم:
———————-
هي الإطار الفلسفي والمنهجي الذي يُعالج التحكيم من حيث طبيعته القانونية، ومصادره، وأطرافه، وقواعده، وموقعه، ضمن المنظومة القانونية، سواء في القانون الداخلي أو الدولي.
2. الأسس الفلسفية للنظرية العامة:
———————-
(1) الاستقلال عن القضاء: التحكيم يُمثل قضاءً خاصًا، يُستمد من إرادة الأطراف، لا من سلطة الدولة.
(2) الرضائية: التحكيم يقوم على اتفاق الأطراف، مما يمنحه طابعًا تعاقديًا.
(3) الخصوصية الإجرائية: التحكيم يتيح للأطراف حرية اختيار القواعد الإجرائية، مما يُحقق مرونة وعدالة متخصصة.
(4) الحياد الدولي: يُعد التحكيم الدولي وسيلة لتجاوز التحيز القضائي الوطني، وخاصة في منازعات الاستثمار والمنازعات الرياضية.
3. النظريات الفقهية للتحكيم:
———————-
(1) النظرية التعاقدية: الفكرة الأساسية في النظرية، التحكيم هو اتفاق بين الأطراف، يُنشئ التزامًا خاصًا. ومجال تطبيق النظرية التعاقدية في التحكيم، أنها تُستخدم لتفسير صلاحيات المحكمين.
(2) النظرية القضائية: الفكرة الأساسية في النظرية، أن التحكيم يُمارِس وظيفة قضائية، ويُنتج حكمًا له حجية النفاذ. ومجال تطبيق النظرية القضائية في التحكيم، أنها تُستخدم لتبرير الرقابة القضائية.
(3) النظرية المختلطة: الفكرة الأساسية في النظرية، أن التحكيم يجمع بين الطابع التعاقدي والقضائي. ومجال تطبيق النظرية المختلطة في التحكيم، أنها تُستخدم في التحكيم التجاري والتحكيم ذات الطابع الدولي.
(4) نظرية النظام القانوني الذاتي: الفكرة الأساسية في النظرية، التحكيم الدولي يُشكل نظامًا قانونيًا مستقلًا عن الدول. ومجال تطبيق نظرية النظام القانوني الذاتي، أنها تُستخدم لتفسير قواعد التحكيم عبر الوطنية.
4. موقع التحكيم في النظام القانوني:
———————
(1) في القانون الوطني الداخلي: يُعد التحكيم وسيلة بديلة للقضاء العادي الرسمي المؤسسي، لكنه يخضع لرقابة قضائية محددة ومحدوده النطاق.
(2) في القانون الدولي: يُعد التحكيم أداة لحل النزاعات العابرة للحدود، ويُستند إلى اتفاقيات دولية؛ وعلى سبيل المثال، اتفاقية نيويورك لعام 1958م New York Convention on the Recognition and Enforcement of Foreign Arbitral Awards، وتُعد حجر الأساس في الاعتراف وتنفيذ أحكام التحكيم الأجنبية، وفقاً لقواعد اجراءات وتدابير رقابية محددة تراعي الانصاف. واتفاقية واشنطن لعام 1956م الـ Convention on the Settlement of Investment Disputes between States and Nationals of Other States، وتُنظم تسوية منازعات الاستثمار بين الدول والمستثمرين الأجانب باتباع اجراءات وتدابير أنصاف محددة، وتشرف عليها مؤسسة عابرة للحدود يُطلق عليها في المصطلح الـ ICSID مستخرج من عبارة International Centre for Settlement of Investment Disputes التابعة للبنك الدولي. واتفاقية عمان العربية للتحكيم التجاري الدولي 1987م، صادره من مجلس الوحدة الاقتصادية العربية، وتُعنى بالتحكيم بين الدول العربية ومواطنيها في منازعات الاستثمار والتجارة، وتراعي العدالة ولانصاف بتدابير رقابية. واتفاقية الرياض للتعاون القضائي 1983م، وتشمل التعاون القضائي بين الدول العربية، بما في ذلك تنفيذ الأحكام القضائية والتحكيم بتدابير رقابية أساسها العدالة والانصاف. واتفاقية تنفيذ الأحكام القضائية بين الدول العربية 1945م، فهي تُعزز التعاون القضائي والتحكيمي بين الدول العربية في تنفيذ الأحكام. واتفاقيات تسوية المنازعات الرياضية – ميثاق محكمة التحكيم الرياضية، واصطلاح فني يطلق عليها الـ CAS – Court of Arbitration for Sport، وهي المرجع الدولي الأعلى لتسوية المنازعات الرياضية، وتستند إلى قواعد التحكيم الخاصة بها، وتُطبق على النزاعات بين الرياضيين والاتحادات واللجان الأولمبية. وأيضاً القواعد النموذجية للجنة الأولمبية الدولية الـ IOC – International Olympic Committee، تُلزم الاتحادات الرياضية الدولية بإحالة النزاعات إلى الـ CAS، وتُدرج شرط التحكيم في لوائحها. واتفاقيات الوكالة العالمية لمكافحة المنشطات في الانشطة الرياضية التنافسية World Anti-Doping Agency الـ WADA، وتشمل آليات التحكيم في قضايا المنشطات، وتُحال غالباً إلى الـ CAS. فهي بمثابة قواعد ومبادئ استرشادية توجيهية، يمكن الاستهداء بها تشريعاً وقضاءاً أمام المحكمة الدستورية في منازعات التحكيم.
5. أصل ومصدر الفقه التحكيمي:
———————-
أصل ومصدر الفقه التحكيمي، هو مقولات وأفكار المفكرين المنظرين، ومن أبرز المفكرين المعاصرين في التحكيم، المفكر إيمانويل غايارد Emmanuel Gaillard ، فهو الذي طرح فكرة النظام القانوني التحكيمي المستقل، وناقش فلسفة التحكيم الدولي كمنظومة قانونية ذاتية. والمفكر جان بولسون Jan Paulson ، فقد ركّز على استقلالية المحكمين، وشرعية قراراتهم. والمفكر غاري بورن Gary Born ، وهو الذي قدّم أطروحات موسعة حول العلاقة بين التحكيم والقانون الدولي الخاص.
والاسلام عرف فقه التحكيم استنباطاً له من القرءان الكريم والسنة النبوية المطهرة، ومن تصرفات الخلفاء الراشدين. ومفهوم التحكيم في الإسلام، أن التحكيم هو تفويضٌ من الخصوم لشخصٍ يرتضونه بينهم ليفصل في نزاعهم وفق أحكام الشريعة الإسلامية، بدلاً من اللجوء إلى القاضي الرسمي، ويُعرّف بأنه: اتفاقُ طرفين على رفع النزاع القائم بينهما إلى شخصٍ ثالثٍ مُختار، يحكم بينهما بشرع الله، ليُلزم كلاً منهما بحكمه. فهو بذلك – أي التحكيم – يقوم على التراضي، والعدل، ورفع الخصومة دون اللجوء إلى السلطة القضائية العامة. والأساس الشرعي للتحكيم، من القرآن: قوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾، سوره النساء، الآية 35. وهذه الآية أصل جواز التحكيم في المنازعات الأسرية (الاحوال الشخصية للمسلمين)، وتُستنبط منها مشروعية التحكيم بوجهٍ عام.
والتحكيم من السنة النبوية القولية والعملية الصحيحة الموثوقية المصداقية، مستنبط من تحكيم النبي (صلوات الله عليه وسلم)، لسعد بن معاذ في قضية بني قريظة، وهو دليل على جواز التحكيم في المنازعات العامة ذات الطابع السياسي أساس التحكيم الدستوري في المنازعات التي تقع في مؤسسات الدولة. ففي قضية بني قريظة بعد غزوة الأحزاب (الخندق) في السنة الخامسة للهجرة، نقض يهود بني قريظة العهد الذي كان بينهم وبين النبي صلى عليه وسلم، ومالوا إلى قريش وغطفان في عدوانهم على المدينة المنوره، فلما انصرف الأحزاب من أرض المعركة، أمر رسول الله المسلمين بالتوجه مباشرة إلى بني قريظة لمحاصرتهم، فقال فيهم: لا يُصلِّيَنّ أحدٌ العصر، إلا في بني قريظة، (رواه البخاري ومسلم). وكان أن حُوصرت بنو قريظة خمساً وعشرين ليلة، حتى استسلموا، وطلبوا من النبي (صلى عليه وسلم)، التحكيم في أمرهم. ونزلت بنو قريظة على حكم رسول الله، وقالوا: يا محمد، قد رضينا أن يُحكَّم فينا سعد بن معاذ. وكان الصحابي سعد بن معاذ من الأوس وسيد عليهم يسودهم، وحليف بني قريظة في الجاهلية، فقبِل النبي (صلى عليه وسلم)، أن يكون سعد بن معاذ هو الحكم فيهم. وكان أن جيء بالصحابي سعد بن معاذ، ووقتئذ هو جريح من معركة الخندق، وهو على ظهر حمارٍ أصابته الجراح. فقال النبي (صلى عليه وسلم)؛ يا سعد، إن هؤلاء، قد نزلوا على حكمك. فقال سعد مستفسراً: أأعليّ حكمهم؟؛ قال رسول الله، نعم يا معاذ، وقال معاذ، فإن حكمي فيهم، أن يُقتل المقاتلة، وتُسبى الذرية، وتُقسَّم الأموال، فقال رسول الله، لقد حكمتَ فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات، رواه البخاري ومسلم. وهذا يدل على احترام الإسلام لإرادة الأطراف في اختيار الحكم (المحكم)، وهو جوهر التحكيم في المفهوم الحديث والفقهي معًا.
فالدلالات الشرعية والفكرية للتحكيم في الاسلام، أن التحكيم وسيلة شرعية لتحقيق العدل بالتراضي بين الخصوم دون الحاجة لولاية القضاء العام. وكذلك جواز التحكيم في القضايا العامة والسياسية، لا في القضايا الخاصة فقط. ومن دلالاته وجوب التزام الحكم بالعدل الإلهي والشريعة، حتى ولو صدر باتفاق الأطراف. وأيضاً من دلالات التحكيم في الاسلام، إقرار الدولة الإسلامية المبكر بمشروعية التحكيم كأداة لتسوية النزاعات. وأن الواقعة تُظهر أن التحكيم ليس بديلاً عن القضاء فحسب، بل امتداد له في روح العدالة الإسلامية. وأن واقعة التحكيم على بني قريضة، أنها تُعدّ من أبرز النماذج التاريخية للتحكيم في الإسلام، وهو أول نموذج تطبيقي لتحكيمٍ قضائي في الدولة الإسلامية، يجمع بين العدل، والسياسة الشرعية، واحترام إرادة الأطراف. ومن أدلة التحكيم في الاسلام، إجماع الصحابة، فقد كان الصحابة يتحاكمون ويحتكمون إلى من يرتضونه حكمًا بينهم، وهو من ما أقرّه الخلفاء الراشدون.
(رابعًا) العلاقة بين عقد التحكيم ومشارطة التحكيم:
———————-
العلاقة بين العقدين علاقة تأسيس وتفعيل، فشرط التحكيم هو الأساس القانوني المبدئي الذي يُنشئ الالتزام بالتحكيم. ومشارطة التحكيم هي الإجراء التنفيذي الذي يفعّل هذا الالتزام، (الالتزام بالتحكيم)، ويمتد بينهما نطاق رقابي قضائي ودستوري، إذ تتدخل المحاكم عند النزاع حول صحة الشرط في عقد التحكيم الأصلي، أو عند النزاع حول صحة شروط المشارطة الوارد في عقد المشارطة، أو في حالة خرق الضمانات الإجرائية أو الموضوعية. وكما للقضاء عند التنفيذ للحكم التحكيمي، له التدخل من تلقاء نفسه، متى ما شاب التحكيم أي من شوائب بطلان الحكم. ويشكل هذا التدخل، جزءًا من منظومة العدالة الدستورية والتحكيمية، التي تضمن ألا يتحول التحكيم إلى وسيلة للتحلل من العدالة العامة.
(خامسًا) البعد الدستوري والرقابي لنظرية التحكيم:
———————-
نظرية التحكيم الحديثة، لا تفصل بين الإرادة الخاصة والرقابة العامة، بل تؤكد على أن:
(1) التحكيم مشروع دستوريًا طالما لا ينتهك الحق في التقاضي أو مبدأ المساواة.
(2) تدخل القضاء يجب أن يكون محدودًا ومنضبطًا، فقط في نطاق حماية النظام العام والحقوق الدستورية.
(3) المحكمة العليا أو المحكمة الدستورية هي الحارس النهائي، لضمان عدالة الإجراءات التحكيمية، ومشروعية الأحكام الدستورية والقضائية والتحكيمية.
وبوجه عام، نظرية التحكيم في عقدي التحكيم والمشارطة، تُبرز التكامل بين الإرادة التعاقدية والرقابة القانونية، فهي لا تهدف إلى استبعاد القضاء، بل إلى إيجاد عدالة موازية، تتسق مع مبادئ العدالة الدستورية.
وإذا كانت الإرادة الحرة تؤسس للتحكيم، فإن الرقابة الدستورية تحميه من الانحراف، فيتحقق بذلك التوازن بين العدالة التوافقية والعدالة المؤسسية. وللحديث بقية.
فريق شرطة (حقوقي)
د. الطيب عبدالجليل حسين محمود
المحامي استشاري القانون والموثق
10 اكتوبر 2025م

