أعمدة الرأي

أُسَيْدياتُ الثُلاثاء عثمان الشيخ الأُسيد  يكتب بشرى للمغترب بفرج قد أقترب

 

عزيزي المغترب، كل سنة وانت طيب، ونحن نستقبلُ عامًا جديدًا، هناك بُعدٌ يعيشه المغتربُ لا يراه الآخرون، إنَّه بُعد الرسائل التي يستقبلها على مدار العام. إسمحوا لي ان استعرضَ لكم بعضًا من هذه الرسائل وما تحمله من أثر، نبدأ على بركة الله:

*رسالة من الجوازات:* عزيزي المقيم تنتهي صلاحيةُ هويتك بتاريخ (—-) يرجى تجديدها قبل ( —) لتجنب الغرامات. يقرأ المغترب الرسالةَ ويحاول تجاهلها، ولكن يأبى عقلُه إلا ان يحسب: طيب نقول، تسعة ألف وستمائة ريال رسوم مكتب العمل زائدًا المقابل المالي لكل فرد من أفراد العائلة، أنا عندي ثلاثة أطفال وأمهم، يعنى أربعة افراد، الواحد يكلف 4800 أربعة الف وثمانمائة ريال، الأربعة يساوي 19200 تسعة عشر الف ومائتان ريال، وهناك تسعة الف وستمائة المجموع يساوي، 28.800 ثمانية وعشرين الف وثمانمائة ريال. طيب نقول راتب الشهر الجاي ومعاهو سلفة من الشركة، ثم يقول لنفسه: ياخي سيبك خليها لما يجي وقتها، ثم تخطر له فكرة: أجدد لمدة ثلاثة اشهر.

*رسالة من شركة تأمين السيارات:* عزيزي العميل تبقى 15 يومًا وينتهي تأمينك، جدد تامين سيارتك. يقرأ المغترب الرسالة، ثم يقول في نفسه: شوف كمان هؤلاء نحن ناقصين؟ بلا تأمين بلا وجع راس، ثم يقرر أن يجدد التامين – أعقلها وتوكل – هي حبكت على 1500 ريال يعنى؟ مش أفضل من أن اتورط في عشرات آلاف الريالات لا قدر الله لو حصل حادث؟

*رسالة من شركة الكهرباء:* عزيزي العميل يُرجى تسديد فاتورة الكهرباء المستحقة عن شهر(…) أو زيارة موقعنا الإلكتروني لطباعة الفاتورة، لتجنب انقطاع الخدمة.. يقرأ المغترب الرسالة، يراجع الفاتورة قد تجاوزت ثلاثة ألف ريال، وهذه أخر رسالة وبعدها يتم قطع التيار الكهربائي، يا ستار استر، لازم هذا الشهر اسددها، ثم يبدأ يفكّر ما هو الشيء الذي يمكن أن يجمّده هذا الشهر ليسددَ فاتورةَ الكهرباء؟ ثم يقرر أن يكونَ الضحيةُ هذا الشهر صاحبَ البقالة، خليهو يرحّل الحساب للشهر القادم.

*رسالة ثانية من الجوازات:* ستنتهي هويتك بتاريخ …إلخ..

يقرأ المغترب الرسالةَ ثم يستغرب متى خلصت الثلاثة أشهر!؟ يا سبحان الله! ثم يقرر أن يترك الهوية تنتهي وماذا سوف يحدث؟ ثم يتذكر أن هناك المدارس والولد في الجامعة، وهذه السنة الأخيرة للبنت والبحث عن جامعة، لازم يجدد الهوية، تخطر عليه فكرة استلاف مبلغ، لكن منذا الذي يقرضه قرضا حسنا؟ ولا يوجد من معارفه ولا من أقاربه ولا من أصدقائه من لديه فائض مال حتى يستلف منه، ولكنها محاولة غريق، ثم يجري هذه المحادثة اليائسة:آلو، كيفك يا حسن؟أحوالك، والأولاد كيف؟ أسمع بالله ظروفك المادية كيف؟ حسن يوضح قائلًا: والله قدامي تجديد هوية ومصاريف و إيجار بيت، وـــــ.. يقاطعه المغترب: نعم والله أنا عارف، خلاص يا حسن أنا بدبرها ألف ريال من هنا وخمسمائة من هنا تتسهل إن شاء الله. يقول له حسن: بالله لو صار عندك فائض لا تنسانا.. يقول له: أبشر، الله ييسر علينا وعليك، تفرج إن شاء الله. ثم يقول له حسن: صاحبك رياض زعلان منك، وقال إنك لم تحضر زواج أبنته (مروة) بالرغم من أنه ارسل لك رسالة. يرد المغترب: متى هذا؟ إنه لم يرسل لي أي رسالة، ثم يراجع الرسائل ويعتذر لصاحبه رياض، ويقول له: أنا آسف، فقد قرأت زواج بنتك (مروة رياض) على أساس انها مرور الرياض فظننتها مخالفة مرورية، لذلك تجاهلتها، يقول له رياض: كلكم تقولون، نفس العذر، الله يسامحكم..

*رسالة نصية واتساب:* الرقم سوداني وبدون إسم وبدون تعليق. قال صاحبنا أقول بسم الله وأرد عليهو كتابًة، وعليكم السلام: ما عرفتك ظاهر عندي رقم بس، عرّف نفسك لو سمحت الطرف الآخر يرد: وعليكم السلام، معاك جعفر.. ويرد المغترب: اهلين جعفر كيف حالك؟ جعفر: حالنا معروف أنتم متى تسألون عن الناس؟ معاكم حق عشان ايدكم في الموية الباردة، رايقين مروقين، ونحن هنا.. ويبدأ في تمثيل دور الضحية وجلد الذات. المغترب: خلاص، أبشر إن شاء الله خير، ثم يسأله عندك بنكك؟ جعفر: عندي وارسلتو لك لكن هسه تأني ح أرسلوا ليك.. المغترب يقول في نفسه: (في دي انتم شاطرين وسريعين)

*رسالة من منصة أيجار:*

عزيزنا المستأجر: نفيدك باستحقاق الفاتورة برقم للعقد رقم *****بتاريخ **** بمبلغ وقدره ***** وحفظًا لحقك وتفادي التأخير في السداد، إستخدم قنوات الدفع المتاحة في الإيجار.

تنفس الصعداء: لاحول ولا قوة الا بالله، ثم خاطب منصة إيجار قائلًا: تقولي لي (استخدم قنوات الدفع المتاحة في الإيجار؟) يعنى هي مشكلتي أين أدفع الإيجار؟ يا ستي أنا مشكلتي من أين ادفع الإيجار. معقول ستة أشهر مضت كلمح البصر، ثم فكَّر ما الشيء الذي يملكه ويمكن أن يبيعه، المكيفات؟ يستحيل ونحن في عز الصيف، كما أن سعرَها لا يحل مشكلة!! طيب السيارة؟ لا لا هذه آخر شيء، فبدونها سينتهي كل شيء.. الأفضل أن أقومَ بعمل صندوق (جمعية) مع عشرين فرد، كل فرد ألف ريال وآخذ أنا الصرفة الاولى، فكرة جميلة.. فعلًا يعرض فكرة الصندوق، يستطيع أن يقنعَ ويحصل على موافقة خمسة عشر فردا، لا بأس، لكن كل منهم يريد الصرفة الأولى. القرعة تأتي به الثالث في الترتيب، مما زاد الطينة بله، يعنى لمدة ثلاثة أشهر يستقطع من راتبه الف ريال، يلجأ إلى شريكة حياته، ما الحل؟ تقول له: الذهب وبعناه عشان تذاكر ناس السودان، يقول لها: إعملي صندوق مع صاحباتك.. تقول: كلهن نحن افضل منهن، ثم تقول: شوف، أنا عندي حل وما كنت دايره أقول ليك، لكن لسان الحال غلب، أمي واخواتك عندهم أمانة عندي ذهب ودولارات، هو حصاد عمرهن ولا يملكن شيئًا غيره، وانهنَّ يأملن في العودة ومعتمدين على الله ثم ما تبقى لهنَّ من مدخراتهنَّ هذه في ترميم ما يمكن ترميمه بغرض الاستقرار.. ولكن ممكن نتصرف فيها لحدي ما تُفْرَج يقول ليها: طيب منتظرة شنو، كلها ثلاثة أشهر ونستلم حقنا من الجمعية، جيبيها كلها نسدد الإيجار، ونقطع تذكرة للولد يجي يقضى معانا الإجازة. ونسدد مخالفات المرور. تأتي زوجته بالفلوس وتقول له: والله انا خاااائفة. يقول لها: لا تخافي إنَّ اللهَ معنا. يستلم صاحبُنا الفلوس ويبتسم من اعماقه وتجري الدماءُ في عروقه، ويعود إلى حياته الطبيعية ويرجع إلى هاتفه بكل شجاعة ويفتح الواتس ليدردش مع المجموعة، ويجادل في السياسة، ويتعصب لفريق كرة القدم الفلاني، ثم يجد رسالةً من صاحبة جعفر: (إنت نسيتنا وللا شنو؟) المغتربين كلكم كذابين انا عرفت إنك وزعتني من يوم ما قلت لي إن شاء الله خير، لكن بكره يكرشوكم وتجونا راجعين كراع البقر جيَّابة. تذكر صاحبنا المغترب قولَ صاحبه في العمل: (الخور إذا لم تكن فيه مياه فهو مجرى ولا يكون خورًا، الا إذا كان فيه مياه) ولكن المغترب في نظر الغير هو دائما خور سواء كان فيه مياه أو لم تكن فيه مياه، فهو خور خور، لذلك يقرر صاحبنا المغترب أن يتجاهلَ جعفرًا، لأنه لن يقتنعَ بأنه مجرى وليس خور.. يبدأ صاحبنا المغترب في مشاركة الدردشات بمعنويات عالية ويرسل مقاطع ويستقبل أخرى، ثم تقع عينُه على الرسالة التالية: (اخي عضو الجمعة الرجاء سداد الإشتراك لهذا العام حيث لدينا التزامات ———) يقول صاحبنا: هذه حمى خفيفة، خلينا نسدد رسوم الجمعية (السترة والفضيحة متباريات)، والمسكين لا يدري أن القدر يخفي له حمى من العيار الثقيل، حمى تدخله العناية المركزة!! أمسكوا اعصابكم، اكتموا انفاسكم!! تتصل عليه زوجته تخبره ان امه واخواته صدرت لهم تأشيرة الدخول لمصر وقرروا السفر الأسبوع القادم إلى القاهرة، الآن أحجز لهم طيران، وجيب الذهب والدولارات عشان بعدين ماشين السوق.. يشعر صاحبُنا المغترب بدورانٍ في الراس وطعنةٍ في الصدر وألمٍ في اليد اليسرى، ويشعرُ بالغثيان. الزوجةُ في الطرف الآخر، تنادي: ألو ألو ألو سامعني؟ وكانت هذه آخر كلمة سمعها قبل دخوله العناية المركزة.. يتم إسعافه إلى المستشفى، وفيها يتعافى و يكتب له الطبيبُ خروجًا، لكنه يرفض الخروج ويرفض أن يستلمَ هاتفه الجوال! تقول له زوجته: ولكن ما هي الخطة؟ يقول لها: ماطلي أمك واخواتي، ولم يتبقَ كثير حتى نصرف الجمعية و مع راتب الشهر- إن شاء الله- تتحل كل الأمور. تقول له: فكرة ممتازة، وتقول للناس إن حالتَه متدهورة، وأن زيارتَه ممنوعة. وتقول لأمها واخوات زوجها إنَّ (الأمانة) مع أبو العيال وهو الآن في غيبوبة، إن شاء الله لما يقوم بالسلامة يصير خير ثم تقول في سرها: (استغفر الله العظيم) يقولون لها: ربنا يعجل بالشفاء.. تقول لهم: يقول الدكتور إن شاء الله مع صرف الجمعية يكتب له خروج يعنى شهرين كدا، إن شاء الله.. تقول إحدى اخواته: الفلوس هينة تروج وتجي المهم يقوم بالسلامة. ترفع الزوجة يديها إلى السماء داعيةً جهرًا: يارب..

تزوره زوجته في المستشفى وتجده مشرق الوجه مبتسمًا، جالسًا على سريره.. يقول لها: ايقظتني رسالة من النوم.. تقول: تاااني رسالة!؟ لعنة الرسائل هذه متى تنتهي؟ يقول لها: هذه المرة رسالة ربانية.. تقول: خير، اللهم اجعله خيرًا، يقول: سمعتُ اللهَ يقول لي:

(َواصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ۖ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ) تقول زوجته: لا إله إلا الله، سبحان الله، وأنا أمبارح ركبني الهم وطار من عيني النوم ،ثم أخيرا نمت اقل من ساعة سمعت فيها هاتف يقول: (قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ ) يقطع دهشتهم موظفُ شركة التأمين الطبي بيده شيك بمبلغ 50 ألف ريال تعويضًا عن الإصابة الجسدية وهناك شيك آخر من شركة تأمين السيارة!! ثم يقول له مندوب التأمين: إصرارك على عدم الخروج من المستشفى كان قرارًا صائبًا، فبسبب هذا القرار تحركت شركةُ التامين في الإجراء بسرعة لصرف مستحقاتك، لأن أي يوم زيادة في العناية محسوب على الشركة (يقول المغترب في نفسه: مجبرٌ أخاك، لا بطل) الموظف يسأل صاحبنا: هل معك محامي؟ يجيب المغترب: نعم.. يقول مندوب الشركة: من هو؟ يقول المغترب: هو (حسبي الله ونعم الوكيل) يقول المندوب: ونعم بالله.. يذهب موظفُ الشركة، وصاحبنا المغترب يسأل زوجته: هل حدث لي حادث مروري؟ تقول: نعم، ولم يكن الحادثُ إلا سببًا فعّله الله.. يقول صاحبُنا: سبحان الله!! ذلك تقدير العزيز العليم. ثم تبدأ تخاطب زوجها: أشهدُ أنَّ مطعمَك حلالٌ، وملبسَك حلالٌ ومشربَك حلالٌ، وأنك بارٌ بوالديك، لذلك وقفت معك لثقتي في الله أنه لن يضيعك، فقد سمعته عز وجل يقول: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا) صدق الله العظيم.

وانا أقول سبحان الله فقد سمعتُ الله يقول: وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ۚ وَكَذَٰلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ.

*أما الرسالةُ الأخيرة، فهي مني إلى قبيلةِ المغتربين:* واصلوا في عطائِكم ولا تجعلوا الظروفَ تُغَيِّرُ مواصفاتِكم، وأعلموا أنَّ اللهَ لا يُضيع اجرَ من احسنَ عملا..

مَن يَفعَلِ الخَيرَ لا يَعدَم جَوازِيَهُ

لا يَذهَبُ العُرفُ بَينَ اللَهِ وَالناسِ..

والله أعلى وأعلم

23 ديسمبر 2025م

زر الذهاب إلى الأعلى