السياسة بين الواقعية والحتمية ( دعوة للوسطية المستنيرة ) بقلم : كابتن محمد حسن الطاهر

التاريخ : يناير. 2026. 21
تُعد السياسة مجالاً معقداً يتداخل فيه الفكر الفلسفي مع الممارسة العملية، حيث تتجاذبها تيارات متعددة بين
– الواقعية التي تفرضها الظروف الموضوعية،
– والحتمية التي تُصوِّر الأحداث وكأنها قدر لا مفر منه.
إن دراسة العلاقة بين الواقعية والحتمية في السياسة تتيح فهماً أعمق لكيفية تشكّل القرارات والسياسات، كما تكشف عن حدود الإرادة الإنسانية في مواجهة مسارات التاريخ.
فيلم Year Zero :
يمثل نموذجاً فنياً يمكن توظيفه في التحليل السياسي، إذ يعكس جدلية المثاليات والواقع في لحظة التغيير الجذري.
المثاليات:
– تتجسد في الطموحات الثورية لبناء عالم جديد خالٍ من أخطاء الماضي.
الواقع:
– يظهر في القيود البنيوية وصراعات القوى التي تحد من إمكانية تحقيق المثاليات.
البعد الحتمي:
– يتجلى في أن مسارات التاريخ كثيراً ما تفرض نفسها على الفاعلين السياسيين، بحيث يصبح التغيير محكوماً بضرورات لا يمكن تجاوزها بسهولة مما يجعل العلاقة بين الحتمية والواقعية علاقة إشكالية تظهر فى الصراع بين المفهوم والمنهج
– الحتمية: مفهوم فلسفي يرى أن الأحداث والقرارات محكومة بسلسلة من الأسباب والظروف، بحيث لا يمكن أن تقع إلا كما وقعت.
– الواقعية: منهج سياسي يقوم على قراءة دقيقة للواقع كما هو، بعيداً عن المثاليات أو الأوهام.
العلاقة بينهما تكمن في أن الواقعية السياسية تُترجم الحتمية التاريخية إلى سياسات عملية؛
فالسياسي الواقعي يدرك أن :
– الإرادة الإنسانية تعمل داخل إطار من الضرورات،
– مساحة الاختيار محدودة بحدود الواقع.
بين الدوغما والبراجماتية :
السياسة السودانية تمثل حالة تطبيقية بارزة لجدلية الحتمية والواقعية حيث
تمثلت الدوغما: في تمسك بعض القوى بخطابات أيديولوجية جامدة، وكأنها قدر لا يُرد، مما جعلها أسيرة الحتمية بمعناها السلبي، أي الاستسلام لمسار واحد دون مرونة.
وظهرت البراجماتية في محاولات قوى أخرى التعامل مع الواقع بمرونة، والبحث عن حلول وسط، حتى لو ابتعدت عن المثاليات.
هذه البراجماتية هي الوجه العملي للواقعية، حيث يتم الاعتراف بالقيود التاريخية والاجتماعية مع محاولة استثمارها لصالح التغيير الممكن.
الخاتمة
إن جدلية الواقعية والحتمية في السياسة تكشف عن التوتر الدائم بين الإرادة الإنسانية والضرورات التاريخية.
فيلم Year Zero يوضح أن كل مشروع سياسي يبدأ بحلم مثالي، لكنه سرعان ما يصطدم بواقع معقد يفرض مسارات محددة.
وفي السودان، كما في تجارب أخرى، يبقى التحدي الأكبر هو تجاوز الدوغما نحو براجماتية واعية، تدرك حدود الحتمية لكنها لا تستسلم لها، بل تسعى إلى فتح مساحات جديدة للتغيير الممكن.
وفى النهاية ببقي السؤال هل تعمل السياسة من خلال الحتميات ام انها تتأرجح بين الدوغمائية المتحجرة والبراجماتية الانتهازية .. نقطة سطر جديد

