أعمدة الرأي

أُسيْدياتُ الثُلاثاء عثمان الشيخ الأُسيد يكتب سيِّدُ الشهور

 

لكل شيءٍ سيدٌ، وسيِّدُ الشهورِ رمضان.. يعاني يوسفُ من ألمِ قرحةِ المعدة معاناةً شديدة، وذلك في اليوم الأول من أيامِ رمضان، أما بقية الشهر، فيكون كلُ شيءٍ على ما يرام، قلت له: أمرك بسيطٌ، والحل عندي. قال: ما هو؟ قلتُ له: بما أنَّك تتعبُ في اليوم الأول فقط، فأبدأ صيامَك من ثاني يوم. ضحك يوسفُ، وقال: توقعت أن تقولَ لي صوم قبل رمضان بيوم، حتى إذا جاءَ رمضانُ، يكون الامرُ عادي. قلتُ له: لا يجوز أن تصومَ قبل رمضان بيوم أو يومين إلا إذا كنت من الذين يصومون يوم الإثنين- مثلًا- وكان رمضانُ الثلاثاء، في هذه الحالة لا حرج، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (لا تَقدَّموا صومَ رمضانَ بيومٍ ولا يومينِ إلَّا أن يكونَ صومٌ يصومُهُ رجلٌ فليصُمْ ذلك الصَّومَ)

وردت في الحديث كلمةُ (الصوم) والآية تقول ( الصيام) {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} البقرة:183. هل هناك فرق بين الصيام والصوم؟ قلت: الصوم في اللغة- وحسب ما جاء في لسان العرب- هو ترك الطعام والشراب والنكاح والكلام. قال يوسف: حتى الكلام أصوم عنه؟ قلت له صبرًا ياخي، هذا تعريف الصوم في اللغة، والتعريف في اللغة غير التعريف الشرعي ـ أما لفظ (الصيام) هو التعريف الشرعي، ليكون هناك معنى محدد ومخصوص. رمضان- مثلًا- في اللغة هو الشهر التاسع في التقويم الهجري، وكلمة رمضان في اللغة مشتقةٌ من الرمض، تعنى- حرفيًا- “الحرارة الشديدة”. أما رمضان شرعاً، فهو الإمساك عن المفطرات (الطعام، الشراب، الجماع) من طلوع الفجر إلى غروب الشمس بنية العبادة. سألني يوسف: ولكن لماذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث (لا تَقدَّموا صومَ رمضانَ بيومٍ ولا يومينِ) لماذا استعمل المعنى اللغوي ولم يستعمل المعنى الشرعي (صيام)؟ قلت: لأن صيامَ رمضان فُرِض في السنةِ الثانية للهجرة في شهر شعبان، وكان معظمُ من يخاطبهم في ذلك الوقت، قد لا يعلمون مصطلحَ الصيام، فقد كانوا حديثي عهدٍ بمصطلح الصيام كمعنى شرعي، لذلك قال لهم الصوم معرفًا برمضان، سيواجه مشكلة من يخاطب الناس بما لا يعلمون.. الصيام هو المعنى الشرعي الذي ورد في القران الكريم : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴿١٨٣ البقرة﴾ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ۚ فَإِذَا … مِنَ الْهَدْيِ ۚ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ … ﴿١٩٦ البقرة﴾ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللَّهِ … ﴿٩٢ النساء والآيات في هذا المعنى كثيرة. هل لديك سؤال عن الصيام؟ قال: نصَّبتَ نفسك مفتي يُسأل ويُجيب؟ قلت له: انا ارجع للكتب، مش كسلان زي بعض الناس. قال يوسف: هناك اية ورد فيها (الصوم) ولم يرد لفظ (الصيام) كتعريف شرعي لماذا تهربت منها؟ قلت له ما هي: قال (فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا ۖ فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا ﴿٢٦ مريم﴾… قلت له: لأنَّ المقصودَ هنا هو الصوم عن الكلام، وذلك واضح من سياق الآية (فلن اكلم اليومَ انسيا) وليس المقصود الصيام الشرعي. قال يوسف: وضح لي أن الفرقَ بين الصوم والصيام ليس مجرد اختلاف لفظي، بل هو فرق دلالي مقصود في القرآن الكريم. فالصيام عبادةٌ شرعيةٌ محددة، بينما الصوم معنى لغوي عام يدل على الإمتناع. إن فهم هذا الفرق يُعين المسلمَ على تدبُّر النصوص الشرعية بشكل أعمق. قلت ليوسفَ: احسنت، وهل تعلم أنَّ الحجامةَ والقيء عمدًا من مفسدات الصيام؟ قال ما.. ما.. ما. قلت له: إحفظها عندك قال لي: أنت قراتَ الآية 183 من سورة البقرة في القرآن الكريم، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)}، هذا يعنى أنَّ الصيامَ كان موجودًا قبل الإسلام؟ قلت له: أكيد، والآية توضِّح أنه تشريعٌ سـابقٌ في الأديان السماوية، والهدف الأساسي منه تحقيق التقوى وتزكية النفس، وتهذيب الأخلاق.

الحديثُ عن صيامِ شهر رمضان يملأُ مجلداتٍ لا حدَّ لها، ولم يترك العلماء شيئًا في هذه الفريضةِ إلا وأوضحوها وأسهبوا في ذلك. لكن، يوسف وأنا حاونا أن نأتيَ بما ظننا أنه متروكٌ أو منسيٌ، أو مجهول، وبما أننا قلنا إنَّ سيدَ الشهورِ رمضانُ، يحقُّ لنا أن نقولَ إنَّ سيدةَ الليالي ليلةُ القدر.. وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ٢ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ3 ، هذه ليلةٌ من ليالي رمضان، وأيُ حديثٍ بعد هذا!

اللَّهُمَّ سَلِّمْنِي إِلَى رَمَضَانَ، وَسَلِّمْ لِي رَمَضَانَ، وَتَسَلَّمْهُ مِنِّي مُتَقَبَّلاً”، و”اللَّهُمَّ أَهِلَّهُ عَلَيْنَا بِالأَمْنِ وَالإِيمَانِ، وَالسَّلَامَةِ وَالإِسْلَامِ، وَرِضْوَانٍ مِنَ الرَّحْمَنِ”. كما يستحبُ الدعاء: “اللهمَّ تقبَّل منَّا الصيامَ والقيامَ وتلاوةَ القرآن”

كان هذا يوسفُ وانا، فابقوا معنا إن كان في العمرِ بقية

واللهُ أعلى وأعلم..

17 فبراير 2026م

زر الذهاب إلى الأعلى