أعمدة الرأي

الفضاء العام بين الضمير والنموذج الصغير بقلم : كابتن محمد حسن الطاهر 

 

في زمنٍ تتسارع فيه التحولات التقنية والفكرية، يظل السؤال قائمًا:

– هل ما زال الإنسان محور الكون، أم أن البرمجة اللغوية العصبية أصبحت اليوم هي سيدة الموقف؟

 

هذا السؤال لا يقتصر على جدل فلسفي، بل يتجاوز إلى عمق العلاقة بين الضمير الإنساني والفضاء العام، حيث تتقاطع العلوم العصبية مع القيم الأخلاقية لتشكّل ملامح المستقبل.

 

الإنسان على سلم الإنسانية يتكون من مراكز عصبية تمثل مستويات مختلفة من الوعي والانفعال والذاكرة :

– الكورتكس يعكس العقل الواعي والتحليل المنطقي،

– الهيبوثالموس يرمز إلى الغرائز والدوافع الأساسية،

– الهيبوكامبس يحفظ التجارب ويعيد تشكيلها في الذاكرة.

 

هذا التوازن العصبي هو ما يمنح الإنسان القدرة على أن يكون كائنًا أخلاقيًا، قادرًا على اتخاذ قرارات تتجاوز المصلحة الفردية نحو المصلحة العامة.

 

لكن الفضاء العام، الذي كان يومًا مرآة للضمير الجمعي، فقد الكثير من بريقه.

حيث صار النموذج الصغير – أي النماذج البرمجية واللغوية التي تحاكي السلوك البشري – يفرض إيقاعه على الحوار الاجتماعي والسياسي.

لم يعد الضمير هو المرجع الأول بل أصبحت الخوارزميات :

– تحدد اتجاهات الرأي العام،

– وتعيد تشكيل القيم وفق معايير حسابية باردة.

 

هنا يظهر الخطر :

حين يتحول الفضاء العام إلى مجرد انعكاس لنماذج صغيرة، يفقد الإنسان دوره المركزي، ويصبح مجرد تابع لبرمجة مسبقة.

 

تحليل الفضاء العام بين الضمير والنموذج يكشف عن فجوة عميقة :

– فالضمير، بما يحمله من مسؤولية أخلاقية، يتطلب مساحة للتأمل والاختيار الحر.

– أما النموذج الصغير، فيسعى إلى التنبؤ بالسلوك وتوجيهه، مما يقلل من مساحة الحرية الفردية.

 

هذه الفجوة هي التي جعلت الفضاء العام يفقد ضميره؛ إذ لم يعد الحوار قائمًا على قيم مشتركة، بل على معطيات رقمية تُدار خلف الشاشات.

 

من هنا نقول أن إعادة برمجة الفضاء العام لاستعادة الضمير ليست مهمة مستحيلة، لكنها تتطلب وعيًا جماعيًا :

أولًا، يجب أن يُعاد الاعتبار للإنسان ككائن أخلاقي، لا مجرد وحدة بيانات.

ثانيًا، ينبغي أن تُوظف البرمجة اللغوية العصبية كأداة لتعزيز القيم الإنسانية، لا لاستبدالها. ثالثًا، لا بد من بناء فضاء عام يوازن بين

– العقل الواعي (الكورتكس)

– والدوافع (الهيبوثالموس)

– والذاكرة الجمعية (الهيبوكامبس)

بحيث يصبح الحوار الاجتماعي انعكاسًا لتجربة إنسانية متكاملة، لا مجرد محاكاة رقمية.

 

إن استعادة الضمير في الفضاء العام تعني إعادة الاعتبار للإنسان كصانع للمعنى، لا مجرد مستهلك للمعلومات.

حين يُعاد بناء هذا التوازن، يمكن للفضاء العام أن يستعيد دوره كمنصة للحرية والعدالة، ويعود الإنسان إلى موقعه الطبيعي: محور الكون، لا تابعًا لنموذج صغير.

بهذا المعنى، يصبح التحدي الأكبر أمامنا اليوم هو أن نعيد صياغة العلاقة بين الضمير والنموذج، بحيث لا يُقصى الإنسان من مركز الفعل، بل يُستعاد كجوهر للوجود الإنساني، وكحارس للفضاء العام في مواجهة هيمنة البرمجة والبرمجة المضادة للقيم .. وصدق المثل لو اثنين قالو ليك راسك مافى اتبنوا( المسوا) وعقلك فى راسك تعرف خلاصك .

زر الذهاب إلى الأعلى