أعمدة الرأي

فريق شرطة(حقوقي) د. الطيب عبدالجليل حسين يكتب عدالة تعويضات الحرب ودور المجتمع المدني ومسئولية المجتمع الدولي

 

انموذج اللجنة المستقلة لحصر الأضرار والتعويضات لمواطني مدينة بري – الخرطوم

 

بداية خالص شكري في ثقة أخي وزميلي الدفعة الأخ العميد شرطة/ موسى عبدالرحمن العمدة من عيال الدفعة 46 كلية الشرطة السودانية يناير 1982م، عضو اللجنة المستقلة لحصر الأضرار والتعويضات لمواطني مدينة بري – الخرطوم، الذي طلب إعداد رؤية خارطة طريق للجنة تعويضات الحرب حول عدالة تعويضات حرب 15 أبريل 2023م، وقد شكّل هذا الطلب فرصة مهمة لمحاولة استكشاف تجربة السودان في مواجهة تداعيات حرب 15 أبريل 2023م، وتقديم تحليل شامل للآليات الوطنية والدولية في حماية حقوق المتضررين وتحقيق العدالة.

وفي السياق، تمثل حرب 15 أبريل واحدة من أكثر اللحظات قسوة في التاريخ المعاصر للسودان، إذ كشفت عن هشاشة البنية المؤسسية، وعمق الانقسام السياسي، وتوسع نطاق الانتهاكات التي طالت المدنيين والممتلكات العامة والخاصة. وفي قلب هذه المأساة، تبرز قضية عدالة تعويضات الحرب بوصفها مدخلًا أساسيًا لإعادة التوازن المجتمعي بعد النزاع، ليس فقط من زاوية جبر الضرر، بل باعتبارها أداة لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع وترسيخ أسس العدالة، ومنع الانزلاق إلى دائرة الانتقام أو التهميش.

ولا تقتصر فكرة التعويض على البُعد المالي الضيق، بل تتجاوز ذلك إلى مفهوم الإنصاف الشامل الذي يدمج التعويض المادي والمعنوي، ويرتكز على مبادئ العدالة الانتقالية والقانون الدولي الإنساني، باعتباره معيارًا فوقيًا للإنصاف، يضمن حماية المدنيين واستعادة كرامتهم. فالمتضرر من الحرب لا يفقد ممتلكاته فقط، بل يفقد الأمن والاستقرار، ويواجه أضرارًا نفسية واجتماعية عميقة تشمل النزوح واللجوء وتفكك الروابط الأسرية وانهيار سُبل كسب العيش والحياة الكريمة، وهو ما يفرض على الدولة والمجتمع الدولي والمجتمع المدني اعتماد مقاربة متعددة الأبعاد، تهدف لإعادة الاعتبار للإنسان قبل إعادة إعمار المكان. ومن هذا المنطلق، تقوم عدالة التعويضات على ثلاثة مبادئ أساسية: (أولها) المسئولية الفردية التي تُحمّل الفاعل وحده مسئولية أفعاله دون تعميم العقاب على المجتمع أو الجماعة، (ثانيها) الإنصاف في توزيع التعويضات على المتضررين وفق معايير دقيقة وموضوعية، (ثالثها) الشفافية والمساءلة لضمان إدارة العملية بنزاهة ومنع الفساد والانحياز.

وقد أفرزت الحرب واقعًا معقدًا اتسم بتعدد أطراف النزاع وتداخل المسئوليات واتساع نطاق الدمار خاصة محليات ولاية الخرطوم الثلاثه، إذ طال الدمار المنازل والبنية التحتية والمرافق الصحية والتعليمية، إلى جانب انهيار النشاط الاقتصادي وارتفاع معدلات النزوح، وهو ما يجعل ضرورة تقدير الضرر وتحديد المستحقين تحديًا جوهريًا. مما يتطلب هذا الواقع إنشاء آلية وطنية مستقلة لتقييم الأضرار، تستند إلى معايير فنية وقانونية واضحة، وتعمل بالتنسيق مع جهات دولية لضمان الحياد والمصداقية، على أن تُدمج هذه الآلية ضمن برامج إعادة الإعمار وإعادة التوطين، بحيث يصبح التعويض جزءًا من سياسة شاملة لإعادة بناء الحياة الطبيعية للضحايا والمتضررين والمتأثرين بالحرب، بما يشمل دعم الأسر النازحة، وإعادة تأهيل الضحايا وتمكينهم اقتصاديًا واجتماعيًا، وضمان عدم تحولهم إلى فئات مهمشة في مرحلة ما بعد النزاع، وصيرورتهم فئة عالة على المجتمع.

ولا يقتصر دور التعويض على الدولة والمجتمع المدني فحسب، بل يمتد إلى المجتمع الدولي بوصفه شريكًا فاعلًا، يتحمل مسئوليات عدة تشمل الدعم المالي والفني لإنشاء صناديق التعويض وإعادة الإعمار، وتوثيق الانتهاكات ودعم آليات المساءلة لضمان عدم الإفلات من العقاب، وتقديم المساعدات الإنسانية العاجلة، بما يشمل الإيواء والغذاء والرعاية الصحية، إلى جانب الدعم النفسي والاجتماعي وبرامج إعادة الإدماج، خاصة للأطفال والنساء المتضررين. كما يمتد دور المجتمع الدولي إلى الضغط السياسي والدبلوماسي لتوفير بيئة آمنة تمكن من تنفيذ برامج التعويض بفعالية، بما يضمن استدامة الحلول ويحول دون تكرار النزاعات مستقبلاً. وفي هذا السياق، تُعد معايير القانون الدولي الإنساني والإطار العام للعدالة الانتقالية بمثابة مرجعية عليا، تضمن حقوق المتضررين وتضع المدنيين في قلب أي عملية تعويض، باعتبارها معيارًا فوقيًا للعدالة والإنصاف.

ويكتسب هذا الدور أهمية خاصة في ظل القيود التي تفرضها السياسات المصرفية، التي يضع أطرها بنك السودان المركزي بموجب قانون بنك السودان المركزي لسنة 2002م وتعديلاته لسنة 2012م، وما يرتبط به من لوائح تنظيمية تُقيّد منح التمويل بضوابط صارمة تتعلق بالضمانات والملاءة الائتمانية وإدارة المخاطر. فرغم أهمية هذه الضوابط في حماية الاستقرار المالي، إلا أنها في سياق ما بعد النزاعات وتوجهات التعافي والإعمار تتحول سياسات البنك المركزي إلى عائق أمام وصول المتضررين، الذين فقدوا ممتلكاتهم وضماناتهم، إلى التمويل اللازم لإعادة الإعمار. ومن ثمّ، تظهر الحاجة إلى مراجعة مرنة واستثنائية لهذه السياسات، بما يسمح بتبني أدوات تمويل بديلة تتلاءم مع أوضاع ما بعد الحرب، مثل التمويل النقدي الميسّر بضمانات شخصية أو جماعية، والتمويل الأصغر، وإعادة جدولة الديون، وتخفيف متطلبات الضمانات التقليدية، بما يوازن بين الاستقرار المصرفي ومتطلبات العدالة الاجتماعية وإعادة البناء والتعمير.

كما يتعين على شركات التأمين، أن تضطلع بدور فاعل في توسيع مظلة التأمين ضد المخاطر، وتطوير منتجات تأمينية تتناسب مع ظروف النزاعات، والمساهمة في إنشاء صناديق مشتركة لدعم جهود الدولة والمجتمع المدني في تعويض المتضررين، بما يعزز القدرة على التعافي الاقتصادي والاجتماعي. ويظل المجتمع المدني أيضًا لاعبًا محوريًا في توثيق الانتهاكات، والدفاع عن حقوق الضحايا، والمشاركة في تصميم برامج التعويض، وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي، ومراقبة التنفيذ لضمان الشفافية والمساءلة، فضلاً عن تعزيز المصالحة المجتمعية وإعادة بناء النسيج الاجتماعي المتضرر.

ومع تعدد هذه الجهود، يواجه تحقيق عدالة التعويضات تحديات بنيوية، أبرزها:

(1) ضعف الموارد المالية؛ و،

(2) استمرار التورات والمشاحنه السياسية؛ و،

(3) صعوبة الوصول إلى بعض مناطق النزاع؛ و،

(4) تعقيد تحديد المسئولية في ظل تعدد الأطراف؛ و،

(5) أزمة الثقة بين المتضررين والدولة.

إلا أن تجاوز هذه التحديات، يظل ممكنًا من خلال مقاربة شاملة تقوم على التكامل بين التعويض والمساءلة والإصلاح المؤسسي والتمكين الاقتصادي والاجتماعي، مع الالتزام بالمعايير الدولية للعدالة والإنصاف، وضمان عدم التمييز أو الاستثناء غير المبرر لأي فئة من الفئات المتضررة.

وفي الختام، يتضح أن عدالة تعويضات الحرب في السودان بعد حرب 15 أبريل 2023م، ليست مجرد إجراء مالي أو سياسي، بل تمثل ضرورة أخلاقية وقانونية وتنموية، فهي أداة لإعادة بناء المجتمع والدولة، وإعادة الاعتبار لضحايا الحرب والمتضررين والمتأثرين من الحرب، وتأسيس اقتصاد متعافٍ ونظام قانوني عادل وسلام مستدام قائم على الشفافية والإنصاف، كما تعكس قدرة الدولة والمجتمع المدني والمجتمع الدولي والقطاع الاقتصادي على الانتقال من منطق الصراع إلى منطق العدالة وحماية الحقوق والكرامة الإنسانية.

والله المستعان، وتهانينا لأهل السودان إكمال شهر رمضان 1447 هجري، وعيد الفطر مبارك على الجميع لألف ألف ألف رمضان وعيد، وجميع أهل السودان فرداً فرداً في ديارنا واهلنا وعشيرتنا سالمين آمنين تامين.

فريق شرطة(حقوقي)

د. الطيب عبدالجليل حسين محمود

المحامي استشاري القانون والموثق

28 رمضان 1447 هجري

الموافق 18 مارس 2026م

زر الذهاب إلى الأعلى