أُسَيْدياتُ الثُلاثاء عثمان الشيخ الأُسيد يكتب الشهادة السودانية. كيف جعلنا من الحبة قبة؟
وزارةُ التربية والتعليم تجاهلت التربيةَ واهتمت بالتعليم، وهذا هو وضع العربةِ أمام الحصان
تجاهل أول: إنَّ اعتمادَ اسمِ الشهادة السودانية كاسم للشهادة الثانوية تجاهلٌ بيّنٌ للتربية وكافي لأدانتها، نظرًا لما يحمله هذا الاسمُ من ضغطٍ ذهني ونفسي وبدني على الطالب
تجاهلٌ ثاني: كيف نقبل لشهادة(ثانوي عالي) أن تحملَ اسمَ دولةٍ، وكأننا نقولُ للعالم: هذا هو آخر سقفٍ وصلنا إليه في التعليم .. شهادةٌ تحمل اسمَ دولةٍ يجب أن تكونَ شهادةً معترفًا بها عالميًا ومعتمدةً من هيئات دوليةٍ وإقليميةٍ متخصصة، مثل شهادة البورد الأمريكي، أو الزمالة البريطانية أوغيرها من الشهادات العالمية التي تحملُ اسمَ الدول
تجاهلٌ ثالث: تكريمُ المتفوقين أكاديميًا وتجاهل غيرِهم من المتفوقين في المجالات الأخرى، يوفِّر أسبابَ الغيرةِ والحسد، وزارة التربية والتعليم ليس المطلوب منها منع الغيرة السالبة ولن تستطيع ذلك لأن الغيرة توجد بالخلقة حتى في الحيوان، ولكن عليها ألا توفرَ الأسباب
تجاهلٌ رابع: سوف يتضح لنا في طيات هذا المقال
وضعُ العربةِ امامَ الحصان، مثل إنجليزي شهير يُستخدم للدلالة على القيام بالأمور بترتيب خاطئ، أو البدء بالنتيجة قبل المقدمات، أو التفكير بطريقةٍ غير منطقية تُفقد الأمورَ تنسيقَها. وهذا ما فعلته الوزارةُ عندما اعتمدت تسمية الشهادة (الثانوية) بالشهادة السودانية، وما تَبِع ذلك من تركيز زائدٍ، لدرجةِ أن أصبحت امتحاناتُ الشهادة كابوسًا يُسيطرُ على الطلبة والطالبات و أولياء الأمور. هذا الكابوس أدخل الاسرةَ- بل المجتمع باسره- في حالة طوارئ ووضعهم في حالة تأهب قصوى، ليُصبحَ كلُ شيءٍ مؤجلًا إلى حين ان تنجلي أزمةُ الامتحانات، وخلال هذه الفترة العصيبة يعيشُ الناسُ في حالة قلق مستمر، وتوتر متواصل. بعض الحالات تصل حد الإنهيار العصبي، موعدُ الامتحان هو الموعد النهائي والخطير والعصيب، وانتظارُ النتيجةِ هو اشدُّ على الأنفس من انتظار نطقِ حكمِ القاضي في قضية مصيرية، حكم يُحرّر الناس من أسرِهم ومن هذا الاستعباد المكبِّل لأمور حياتهم (حالات القلق والشك هي التي تستعبد الإنسان)
(يوم الامتحان يكرم المرءُ أو يهان) الأمثالُ تُضرب ولا تُقاس، ولكن وقت امتحان الشهادة السودانية، يُكرَّم البعضُ ويُهان آخرون. نحن الذين وضعنا أنفسَنا في هذا الموقف الصعب ، حين قدمنا العربةَ على الحصان، فكَّرنا بطريقةٍ غيرِ منطقية تُفقد الأمورَ تنسيقَها، كرمنا المتفوقين اكاديميًا، وأهِنّا غيرَ المتفوقين. إن كنتَ ترى انه لا توجد إهانة لغير المتفوقين، فسأل نفسَك: هل المتفوق الذي تعرفه، والذي تم تكريمه، هل هو أذكى واشطر من الذي تم تصنيفه على أنه غيرُ متفوق؟ وهل التفوق محصورٌ في التحصيلِ العلمي فقط؟
تجاهلت الوزارةُ نصفَها الأول والأهم، وهو التربية، واهتمت بالتعليم فكرَّمت المتفوقين اكاديميًا وتجاهلت غيرَهم من المتفوقين في مجالات اخرى. هذا الترتيب الخاطئ- لا شك أنه يُحدث شرخًا في التربية النفسية والتربية الاجتماعية والتربية الوطنية…هذا التجاهل خلق معادلةً كونيةً أخرى، هي فشل المتفوقين اكاديميًا في الحياة العملية، بينما نجح غيرُ المتفوقين في حياتهم العملية. (حيثما يوجد فراغ سَيمُلأ) قانون طبيعي …ببساطة الأمر ليس فلسفة ولا تنظير، لكنها نظرةٌ من الواقع المعايش، والواقع هو أننا نسمعُ كلَّ عامٍ بأول السودان، ويُتوَّج كبطلٍ من الأبطال الفاتحين، ويتم تكريمه على مستوى القطر، وبعد أيام قليلةٍ ننسى من هو أول السودان، ثم بعد ذلك لا نسمعُ له صوتًا ولا صيتا، لا في ميادين العلمِ والبحوث، ولا في مواقع العمل المتنوعة الدينية، والعلمية والسياسية والأدبية، ولا حتى الاجتماعية، ليصبحَ نكرةً وكأنه لم يتعلم شيئًا ولم يعمل شيئًا ولم يكن شيئًا. ثم يأتي من بعده أولُ سودان آخر ليسلكَ نفسَ الطريق. هل سمعتم يوما أنَّ عالمًا من علمائنا، أو مبدعًا من المبدعين أو متفوقًا من المتفوقين في أي مجال من المجالات، كان في سنةٍ من السنين من أوائل السودان؟ الإجابة بكل تأكيد (لا) لماذا ؟ وما السر في ذلك؟ يرجع ذلك لسببين
السبب الأول
لأن الوزارة جعلت التفوقَ في الامتحانات هدفًا يتنافسُ عليه كلُ الطلاب، وهذا المتفوق الذي تم تكريمه يرى أنه قد حققَ هدفَه وانتهى دورُه
السبب الثاني
الضغطُ النفسي والذهني والبدني الذي مُورس على الطالب ليكونَ من المتفوقين، هذا الضغط الهائل افقده الكثيرَ من الثقةِ في النفس والطموح وبُعد النظر، فكان مجردَ آلة تخزين للمعلومات وتم تفريغها وانتهى الأمر
أما لماذا يتفوق في حياتهم العملية أولئك الذين تم تصنيفهم (غير متفوقين اكاديميًا) لماذا يتفوقون في حياتهم العملية؟
السبب الأول
لأنهم أصلًا متفوقون ولكن لم يتم تكريمهم فاصبحوا ضحيةً لمعاييرَ خاطئةٍ، إعتمدها المجتمعُ وجعلها مقياسًا لتقييم الناسِ
السبب الثاني
تجاهلُهُم وعدمُ تكريمِهم، جعلهم في حالةِ عملٍ ومثابرةٍ لاسترداد حقهم وليثبتوا للغير أنهم أفضلُ مما يظنون وأنهم يستحقون التكريم .. (من يصبر على ما يكره، يدرك ما يُحب)
إنَّ الفشلَ الدراسيَ لا يعني عدمَ التفوق، فتوماس أديسون طُرد من المدرسة ووُصف بالغباء، وألبرت أينشتاين تأخر في الكلام ورسب في الرياضيات، وإسحاق نيوتن كان ترتيبه متأخرًا، والقائمةُ تطول
اعرفُ مراسمَ خريجي أطفالِ الروضة، لكنني لم اتطرق لها، لأنَّ المقالَ ليس مقالًا كوميديًا، وأعرفُ كيف يحتفل خريجو الجامعات، ولم اتطرق لذلك، لأنني لا اتحدث عن البدع والانحرافات وسوء الخلق، وغيرها من أسباب الحرب لكني اتحدثُ عن خطأ اجرائيٍ شريف يحدث أيام امتحانات الشهادة السودانية التي هي شهادة ثانوية عادية يتقدم لها طلبةُ وطالباتِ المدارس الحكومية السودانية. وهنا يطل علينا بعنقه التجاهلُ الوزاري الرابع :
لماذا يا وزارة ، مدارس الشهادة الثانوية هي في الدرجة الثالثة في السودان بعد المدارس العالمية والمدارس الخاصة، من حيث المباني والمعاني، لماذا؟ هل الافراد اكثر ثراءً من الحكومة؟
لم تُوضع الامتحاناتُ ليتمَ بها تقييم الطلاب ومكافأتهم ولكنها وضعت للحصول على معلومات حول تعلم الطالب بهدف توجيهه وتصحيح مساره وتحسين فاعليته مستقبلاً، فلا يجب أن نُحمَّل الابناءَ عبئًا نفسيًا ثقيلًا لا داعي له، خاصةً أن فرص الدخول للجامعات أصبحت متاحةً لأبعد الحدود، والنجاح والتفوُّق في العمل لا علاقةَ له بالشهادات والأكاديميات، وفي كل الأحوال إن كنت تحمل شهادات أو لا، فلا تنتظر تكريمًا او تقييمًا من الآخرين، فقيمتُك نابعةٌ من داخلك ، تعامل مع نفسِك بلطفٍ، فأنت تستحقُ الأفضل(المرء حيث يضع نفسه) فإذا أعزَّها علا أمرُها وإذا أذلَّها ذلَّ وهان قدرُه..! للتقليل من التهويل، يقول أهلُ الخليج: هوّنها تهون، ويقول أهلُ الشام: (كبِّرها تكبر، صغِّرها تصغر) ونحن نقول لا تعمل من الحبة قبة.
الشهادةُ السودانيةُ شهادةٌ عادية، مثلُها مثل كل الشهادات الثانوية في العالم، فلا تجعلوا من الحبة قبة
وإن كان لابد لنا من تفضيلِ بعضِنا على بعض، فإنَّ اللَّهَ جعل لنا مجالًا نتنافس فيه، فقد سمعتُه يقول في سورة فاطر اية 32: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ۖ فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِير)
والله أعلى وأعلم
7 أبريل 2026

