عبد اللطيف السيدح يكتب أشتدي يا أزمة تنفرجي قد آذن الليل بالبلج

إعادة فتح الطريق إلى المشاعر لثلاثة آلاف حاج سوداني
وهكذا تروى الحكايات حين تبلغ الشدة منتهاها، فإذا بالفرج يولد من رحم العسر، وها هي أزمة حجاج السودان التي كادت أن تكتب صفحة سوداء في سجل المواسم، تنقلب بفضل الله ثم الجهود المضنية، إلى بارقة أمل أعادت الحياة إلى قلوب ثلاثة آلاف حاج أرهقهم الانتظار على شواطئ البحر الأحمر، وكادت أحلامهم أن تتبدد.
لقد أعادت حصة حجاج السودان الفرحة إلى القلوب، بعد أن ظن كثيرون أن الفرصة قد ضاعت، وأن الطريق إلى المشاعر المقدسة قد أُوصد دون رجعة، غير أن ما جرى يؤكد أن وراء الكواليس رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، تحركوا بصمت، وبذلوا من الوقت والجهد ما يفوق الوصف، حتى أُعيد فتح المسار، وعادت الحصة إلى خمسة عشرة ألفا بدلا عن إثني عشر. إنها ليست مجرد أرقام تستعاد، بل حق عباد تعلقت قلوبهم بأستار الرجاء، ينتظرون لحظة الوقوف بعرفة.
وهنا تتجلى حقيقة أن الأزمات، مهما اشتدت فإنها تحمل في طياتها بذور الانفراج، متى ما توفرت الإرادة الصادقة، والعمل الدؤوب، والتكامل بين الجهات المعنية، وما إعادة الحصة إلا شاهد حي على أن المستحيل قد يكسر، وأن الأبواب المغلقة قد تفتح، حين تُقرع بعزم لا يلين، فاشتدي يا أزمة، لعل في اشتدادك ميلاد فرج أعظم، ونصر يليق بآمال أمة لا تعرف اليأس.
إن الإحباط الذي هيمن على قلوب ثلاثة آلاف حاج سوداني استبعدهم المسار بسبب بطء في إجراءات لحاقهم بقافلة رحلة الإيمان إلى الديار المقدسة، ما كان له أن يزول لولا عمل دؤوب جرى خلف الكواليس، حيث تحركت خيوط الملف في أكثر من اتجاه، وتكاملت فيه الأدوار الرسمية والدبلوماسية حتى أثمرت عن هذا الإنجاز.
وفي اللحظة التي ظن فيها كثيرون أن الفرصة قد ضاعت نهائيا، معززين ظنونهم بمحتوى خطاب الأمين العام للمجلس الأعلى للحج والعمرة الذي استسلم فيه للواقع المرير، انبرى رجال حملوا القضية على عاتقهم، ولم يقبلوا أن تطوى بهذا المصير، وقد برز مع جهد الدولة دور محوري لسعادة القنصل العام لجمهورية السودان بجدة، الدكتور كمال علي عثمان، وأخيه سعادة سفير خادم الحرمين الشريفين في السودان الأستاذ علي بن حسن جعفر،اضافة لتحركات من شعبة وكالات السفر.
لقد عكس الدكتور كمال علي عثمان وعبر برقيات عديدة إلى الجهات ذات الصلة في المملكة العربية السعودية حقيقة الظروف الاستثنائية التي أحاطت بالإجراءات، وشرح بوضوح حجم الضرر الذي سيلحق بهؤلاء الحجاج حال فقدانهم لفرصهم، لقد كشفت إحدى المذكرات التي رفعت الأحد الماضي الظروف والملابسات التي صاحبت الخلل وعدم الاسراع في ادخال البيانات وأوضحت الآثار السالبة المتوقعة جراء حرمان ٣٠٠٠ حاج وصلوا فعليا الي مدينة بورتسودان استعدادا للمغادرة جوا، أو بحرا.
لقد جاء إعلان الأمين العام للمجلس الأعلى للحج والعمرة عمر مصطفى، بعودة حصة السودان كاملة خمسة عشر ألف حاج تلخيصا لمعركة إدارية، أنصفت ثلاثة آلاف حاج كادوا أن يحرموا من شهود يوم الحج الأكبر.
وفي هذا السياق لا يمكن إغفال الدور الكبير الذي اضطلع به أيضا سعادة سفير خادم الحرمين الشريفين في السودان، علي بن حسن جعفر، الذي تعامل مع الملف بروح الأخوة والحرص على تيسير أداء الشعيرة، لقد ظل سعادته يتابع تفاصيل القضية لحظة بلحظة، مسخرا علاقاته لتقريب وجهات النظر ودفع الملف نحو الحل، وهذه الجهود المتكاملة الرسمية والدبلوماسية أثمرت في نهاية المطاف عن استجابة كريمة من وزارة الحج والعمرة بالمملكة العربية السعودية، تمثلت في إعادة فتح المسار وقبول العدد المذكور من الحجاج، في خطوة تعكس تقدير المملكة للظروف الاستثنائية، وحرصها الدائم على تسهيل أداء المناسك للمسلمين من مختلف بقاع العالم، خاصة في الحالات التي تستدعي قدرا من المرونة والمعالجة الاستثنائية.
إن هذا الإنجاز لا ينبغي النظر إليه كحل مؤقت لأزمة طارئة فحسب، بل كنموذج يحتذى به في كيفية إدارة الأزمات، حين تتوفر الإرادة، والعمل المؤسسي المنظم، والتحرك الدبلوماسي الفاعل، كما أنه يحمل رسالة واضحة مفادها أن حقوق المواطنين لا تصان بالتمني ولا بالاستسلام للواقع، بل بالتحرك الجاد، والتخطيط المحكم.
وفي المقابل فإن ما حدث يفرض ضرورة مراجعة شاملة للإجراءات الداخلية المتعلقة بإدارة ملف الحج، خاصة في ما يتعلق بالأنظمة التقنية وآليات إدخال البيانات، حتى لا تتكرر مثل هذه الأخطاء التي كادت أن تحرم آلافا من أداء فريضة عظيمة. فالمواسم الدينية لا تحتمل التجريب، وأي خلل فيها ينعكس مباشرة على الناس ومشاعرهم.
لقد عاد الحصة وعادت الفرحة إلى قلوب الحجاج، وهذا بحد ذاته انتصار يحسب لكل من أسهم فيه، لكنه أيضا تذكير بأن النجاح الحقيقي لا يكتمل إلا بتحصين المستقبل من الأخطاء، حتى يكون الطريق سالكا بلا عثرات، وميسرا بلا أزمات.


