فريق شرطة حقوقي د. الطيب عبدالجليل حسين يكتب السودان: الدولة المعطاة والمصطنعه والمفروضه من الخارج: جدلية التوصيف والتشخيص وإعادة التعريف (14)

الانقلابات الهجينة المدنية – العسكرية وأثرها على الشرعية الدستورية (5)
في ضوء ما سبق من مقالات، تتبلور خلاصة تأسيسية مفادها، أن بنية العدالة الجنائية في السودان، في سياق تطورها التاريخي منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي وتكثّفها بعد عام 1989م، لم تعد تُفهم بوصفها منظومة محايدة لإدارة الخصومة الجنائية، بل بوصفها بنية جرى إعادة هندستها وظيفيًا ومؤسسيًا ومعياريًا ضمن تحولات سياسية وفكرية عميقة.
وفي هذا السياق، لم يعد التنظيم التشريعي الإجرائي للعدالة الجنائية، مجرد إطار تقني لتنظيم الإجراءات، بل أصبح حاملًا في داخله لبذور قواعد ذات طبيعة دستورية مكملة، تتصل بضمانات المحاكمة العادلة، وتوازن الخصومة، ومبدأ الحياد، وتوزيع الاختصاصات بين الشرطة والنيابة والقضاء. إلا أن إدماج هذه (البذور الدستورية) داخل بنية إجرائية غير مستقرة التوازن، وفي سياقات سياسية متقلبة، جعلها عرضة للتأويل الانتقائي أو التعطيل العملي، الأمر الذي أسهم في إضعاف فاعليتها كضمانات حاكمة، وتحويلها من قواعد مُؤسِّسة للشرعية إلى نصوص جزئية محدودة الأثر في الواقع التطبيقي.
وقد انعكست هذه التحولات على دورة القانون بأكملها، بدءًا من التشريع، مرورًا بالتفسير القضائي، وانتهاءً بإنفاذ القانون، في سياق أعاد تشكيل العلاقة بين القانون والسلطة، وأعاد توظيف أدوات العدالة الجنائية داخل مشروع الدولة السياسية. وقد لعبت الانقلابات الهجينة ذات الطابع المدني–العسكري دورًا محوريًا في هذا المسار، حيث سعت – من خلال بوابة العدالة الجنائية والتشريع – إلى توظيف القانون كأداة لإضفاء الشرعية على بنيتها السلطوية وإعادة إنتاجها مؤسسيًا.
ومع تداخل الوظيفة القانونية مع الاعتبارات السياسية في سياقات المراحل التاريخية، تراجعت المسافة الفاصلة بين منطق العدالة ومنطق السلطة، بما أفضى إلى إضعاف البنية المعيارية للعدالة الجنائية، وتآكل فعالية الضمانات الدستورية الكامنة داخل التنظيم الإجرائي، وهو ما انعكس في النهاية على شرعية الدولة ذاتها، وأدى إلى تقويض تدريجي لأساس الثقة في العدالة كمؤسسة محايدة، وألقى بظلاله على مستقبل المشروع الوطني في بناء عدالة مستقرة قائمة على سيادة حكم القانون وضمانات المحاكمة العادلة.
وقد ترتّب على هذا المسار بروز إشكالية مركزية تمسّ بنية العدالة الجنائية في جوهرها، تتمثل في تداخل وظائفها الأساسية واختلاط مواقعها المؤسسية؛ إذ لم يعد الفصل واضحًا بين موقع الخصومة (الادعاء/ الاتهام) من جهة، ووظائف جمع الوقائع والمعلومات والتحقيق والاستدلال (Fact-Finding & Investigation) من جهة أخرى، وذلك في ظل اتساع نطاق دور النيابة العامة في الإشراف والتوجيه لمسار الدعوى الجنائية، لا سيما في مرحلة ما قبل إجراءات المحاكمة.
وقد أفضى هذا التداخل إلى إضعاف منطق التمايز الوظيفي الذي تقوم عليه العدالة الجنائية الرشيدة، حيث تميل جهة الادعاء – بحكم طبيعتها الخصومية – إلى التأثير في عملية إنتاج الوقائع وتوجيهها، بما يخلق توترًا بنيويًا بين مقتضيات الحياد في البحث عن الحقيقة، ومتطلبات الخصومة في إثبات الاتهام. ونتيجة لذلك، برز اختلال نسبي في مبدأ الحياد الإجرائي، وتراجع في توازن الخصوم داخل الدعوى الجنائية، بما ينعكس سلبًا على ضمانات مبدأ تكافؤ السلاح (Equality of Arms) ومبدأ حق الدفاع.
كما كشف هذا الوضع عن ضعف في الفصل المؤسسي بين ثلاث دوائر جوهرية: إنتاج الوقائع والمعلومات، وإدارة الخصومة الجنائية، وإصدار الحكم القضائي؛ الأمر الذي يُفضي، في مداه الأعمق، إلى إعادة تشكيل مسار الدعوى الجنائية على نحوٍ قد يغلب عليه منطق الاتهام المسبق، بدلًا من كونه مسارًا موضوعيًا محايدًا لكشف الحقيقة. وهو ما يثير، في نهاية المطاف، تساؤلات جوهرية حول مدى تحقق شروط المحاكمة العادلة المنصفة (Fair Trial) بوصفها حقًا أساسيًا من حقوق الإنسان، ومعيارًا حاكمًا لعدالة التشريع وعدالة الإجراءات وعدالة القضاء.
وفي المقابل، تقرّر الحقيقة العلمية في إطار نظرية الاتهام، أن الوقائع والمعلومات المستمدة من أعمال الشرطة في مرحلة التحري والتحقيق الابتدائي/ الأولي، تُشكّل الأساس المادي والمعرفي الذي تقوم عليه القناعة القضائية واستظهار الحقيقة. إلا أن حجية هذا الأساس لا تقوم بذاته، بل ترتبط بشرطين جوهريين: حياد عملية إنتاج الوقائع، وخضوعها لرقابة قضائية فعّالة.
فكلما أُنتجت الوقائع والمعلومات في إطار مهني مستقل ومحايد – بعيدًا عن توجيه الخصومة أو ضغط سلطة الاتهام – اكتسب الدليل صفته الموضوعية، وأصبح صالحًا للاحتجاج أمام القضاء. وعلى العكس، فإن أي تداخل بين منطق الاتهام ووظيفة التحري، يُفضي إلى إضعاف القيمة الإثباتية للدليل، ويُعرّض القناعة القضائية لخطر التأسيس على وقائع مُوجَّهة لا على حقيقة مُتحقَّقة.
وفي هذا السياق، تؤدي الرقابة القضائية على مرحلتي ما قبل المحاكمة وأثناءها دورًا حاسمًا في ضمان مشروعية الإجراءات وسلامة الأدلة، من خلال إخضاع أعمال التحري والتحقيق الأولي الابتدائي لمعايير الشرعية الإجرائية، والتحقق من احترام حقوق الدفاع، ومبدأ تكافؤ السلاح، وحياد جهة جمع الوقائع. وبذلك، تتكامل الوظيفة المعرفية للتحقيق مع الوظيفة المعيارية للقضاء، في إطار يُفضي إلى حكم فاصل في الدعوى الجنائية يقوم على تفاعل متوازن بين التحقق الواقعي والتقدير القانوني، لا على مجرد ترجيح رواية الخصومة.
ومن ثم، تتجلى الحاجة إلى إعادة ضبط التوازن المؤسسي داخل منظومة العدالة الجنائية على نحوٍ يعيد التمييز الوظيفي الدقيق بين ثلاث دوائر أساسية: التحقيق وجمع الوقائع والمعلومات وتحليلها؛ والخصومة والاتهام؛ والفصل القضائي؛ بوصفها وظائف متمايزة لا يجوز دمجها دون الإخلال بجوهر العدالة الإجرائية والموضوعية، وعلى رأسها مبدأ تكافؤ السلاح (Equality of Arms)، وحق الدفاع، وحياد القاضي.
وتاريخيًا، بدأت البنية الجنائية السودانية مع صدور قانون التحقيق الجنائي لسنة 1899م في ظل الكوندومينيوم الإنجلو – مصري، حيث صيغ وفق النموذج البريطاني–الهندي ليؤدي وظيفة تتجاوز التنظيم الإجرائي إلى كونه أداة استعمارية لضبط الأمن وإحكام السيطرة على المجتمع المحلي عبر جهاز الشرطة. ولم يكن هذا القانون إطارًا إجرائيًا محايدًا، بل مثّل انعكاسًا مباشرًا لسياسة استعمارية استهدفت إخضاع المجال العام من خلال القانون الجنائي، بما جعل من الشرطة الذراع الرئيسي وقتها لإدارة الدعوى الجنائية.
ومع تطور الإدارة الاستعمارية، صدر قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1925م – 1974م الذي منح الشرطة سلطات أصيلة في إدارة الدعوى الجنائية أمام القضاء، واستمر هذا الوضع في ظل قوانين الشرطة خلال الفترة (1908م – 1979م). وخلال هذه المرحلة، اضطلعت الشرطة بوظيفتي التحقيق وإدارة الدعوى الجنائية تحت إشراف القضاء، دون أن ترقى إلى المعنى الفني الدقيق لمباشرة سلطة الاتهام، إذ كانت تمارس ذلك في إطار تمثيل النائب العام. وقد أسهم هذا البناء في ترسيخ هيمنة الجهاز التنفيذي على مسار الدعوى الجنائية، بما أضعف التوازن المؤسسي بين سلطاتها.
ثم جاءت مرحلة مفصلية مع صدور قانون تنظيم وزارة العدل لسنة 1981م، أعقبها صدور قانون النائب العام لسنة 1983م، اللذان أسسا لبنية مؤسسية أكثر وضوحًا لموقع النائب العام داخل منظومة العدالة الجنائية. وقد حدد هذا التنظيم سلطات النائب العام في نطاق الإشراف القانوني على أعمال التحري والدعوى الجنائية، دون أن يمتد – في صورته آنذاك – إلى مباشرة سلطة التحقيق الابتدائي أو احتكاره فتح الدعوى الجنائية بوصفها وظيفة أصيلة له. ومع ذلك، أبقى هذا البناء التشريعي على الدور المركزي للشرطة في إدارة الدعوى الجنائية وتمثيل النائب العام أمام القضاء الجنائي، باعتبارها الجهة التي تضطلع فعليًا بأعمال التحري وجمع الاستدلالات ومباشرة الإجراءات الأولية للدعوى. وبذلك، ظل النموذج السوداني خلال هذه المرحلة أقرب إلى البنية الأنجلوسكسونية التقليدية، التي تقوم على مركزية الشرطة في إنتاج الوقائع وإدارة التحري، مع ممارسة النائب العام دور الإشراف القانوني والتوجيه العام، دون التمركز الكامل لسلطتي الاتهام والتحقيق في يد النيابة العامة.
وبذلك، شهدت الفترة الانتقالية ما بين (1981م–1983م) بداية تشكّل ملامح إعادة توزيع الوظائف داخل المنظومة الجنائية السودانية، حيث بدأت إدارة الدعوى الجنائية تنتقل تدريجيًا – في بعض الجرائم – إلى النيابة العامة، بينما ظلت الشرطة تضطلع بهذا الدور في الغالب الأعم، بوصفها الجهة القائمة على التحري وجمع الاستدلالات وتمثيل النائب العام أمام القضاء الجنائي. وقد مثّل هذا التحول محاولة أولية لإعادة التوازن بين السلطة التنفيذية والقضاء، وإضفاء طابع مؤسسي أكثر وضوحًا على إدارة الدعوى الجنائية، إلا أن النيابة العامة ظلت ضمن البنية التنفيذية تحت رئاسة وزير العدل/ النائب العام، الأمر الذي أبقى على اختلال التوازن المؤسسي نتيجة تبعية النيابة العامة للسلطة التنفيذية، مع اتساع دورها في الإشراف على الدعوى الجنائية.
ومع صدور قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1983م، استمرت الشرطة في إدارة الدعوى الجنائية أمام القضاء، مع بروز اتجاه قضائي واضح يؤكد التمييز بين وظيفة التحري ووظيفة الاتهام، حيث قررت السوابق القضائية أن المتحري لا يُعد ممثلًا للاتهام، وأن إدارة الدعوى الجنائية أمام المحكمة يتولاها ضابط آخر غير القائم بالتحري، تكريسًا للفصل بين إنتاج الوقائع وإدارة الخصومة. إلا أن التحول الحاسم تحقق مع صدور قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م، الذي اكتمل بموجبه الانتقال المؤسسي، فأصبحت النيابة العامة الجهة المختصة أصالةً بتمثيل الاتهام والإشراف على الدعوى الجنائية، مع تمركز سلطتي الاتهام والتحقيق في بنيتها المؤسسية، بما مثّل تحولًا جوهريًا في فلسفة إدارة العدالة الجنائية وبنيتها الوظيفية.
وقد تزامن هذا التحول البنيوي في منظومة العدالة الجنائية مع مرحلة سياسية شهدت صعود التيارات الإسلامية إلى مركز السلطة، لا سيما منذ عام 1977م بتولي عبدالله حسن الترابي منصب وزير العدل والنائب العام، الأمر الذي أضفى على إعادة بناء المنظومة الجنائية بُعدًا سياسيًا–أيديولوجيًا مركّبًا. فقد ارتبطت هذه المرحلة بمحاولة إعادة تأسيس الشرعية القانونية على مرجعية إسلامية، عبر إدماج مفاهيم الشريعة الإسلامية داخل البنية التشريعية الجنائية الحديثة، مع إعادة صياغة المنظومة الإجرائية والمؤسسية في إطار قانوني متأثر بالنموذج اللاتيني–القاري، ولا سيما بالتقليد الفرنسي الكلاسيكي (Code Napoléon 1804) في بنيته التنظيمية والإجرائية الذي يجمع بين سلطتي الاتهام والتحقيق.
وبذلك، لم يكن التحول مقتصرًا على إعادة توزيع الاختصاصات داخل أجهزة العدالة الجنائية، وإنما تجاوز ذلك إلى تحول أعمق في المرجعية الفلسفية والقانونية الحاكمة للمنظومة برمتها؛ إذ انتقل البناء الجنائي من نموذج ذي جذور أنجلوسكسونية–بريطانية يقوم على الطابع الاتهامي (Adversarial System)، إلى نموذج أكثر اقترابًا من البنية الاتهامية–التحقيقية ذات النزعة القارية (Inquisitorial-Oriented System)، مع إدماج انتقائي لعناصر من الشريعة الإسلامية في البناء التشريعي، وإضفاء مشروعية دينية على هذا التحول ضمن سياق سياسي ذي توجه أحادي.
وقد أفضى هذا التداخل المركب بين المرجعية الإسلامية والخبرة القانونية القارية، إلى إنتاج نموذج جنائي هجين، تتقاطع فيه ثلاث طبقات مرجعية متوازية: مرجعية دينية في الخطاب والمشروعية؛ ومرجعية قارية–فرنسية في التنظيم المؤسسي والإجرائي؛ وبقايا أنجلوسكسونية في بعض الأدوات الإجرائية. ومن ثم، لم يعد التحول مجرد انتقالٍ وظيفي محدود داخل أجهزة العدالة الجنائية من نمط تنظيمي إلى آخر، بل أصبح إعادة تشكيل شاملة للمنظومة الجنائية في مستوياتها الثلاثة: المرجعية، والبنيوية، والوظيفية. ويُقصد بذلك، أن التحول لم يقتصر على تعديل توزيع الاختصاصات بين الشرطة والنيابة والقضاء، وإنما امتد ليطال الأساس المفاهيمي الذي تُفهم به العدالة الجنائية ذاتها، من حيث طبيعة القانون، ووظيفة الدولة، وحدود السلطة في إدارة الخصومة الجنائية.
وبهذا المعنى، أعاد هذا التحول تعريف العلاقة بين القانون والسلطة، من كونها علاقة تنظيمية إجرائية إلى كونها علاقة حاكمة لبنية الشرعية ذاتها، كما أعاد صياغة وظيفة العدالة الجنائية داخل الدولة الحديثة بوصفها منظومة متكاملة تقوم على التوازن بين إنتاج الوقائع، وإدارة الخصومة، وإصدار الحكم، بدلًا من اندماج هذه الوظائف أو تداخلها على نحو يُخلّ بالتمييز المفاهيمي بينها. ومن ثم، لا يُفهم هذا التحول بوصفه مجرد انتقالٍ وظيفي محدود داخل أجهزة العدالة الجنائية بين أنماط تنظيمية مختلفة، بل بوصفه إعادة تشكيل شاملة للمنظومة في مستوياتها المرجعية والبنيوية والوظيفية، بما يعيد ضبط مفهوم العدالة الجنائية ذاته داخل الدولة الحديثة بوصفها إطارًا نظريًا عامًا للتنظيم الدستوري والقانوني، وفي السياق السوداني بوصفه أحد تجليات هذا النموذج. وبذلك يتجاوز التحول مجرد إعادة توزيع للاختصاصات، ليطال الأساس المفاهيمي الذي تُفهم به العدالة الجنائية، من حيث طبيعة الدولة، ووظيفة القانون، وحدود السلطة في إدارة الخصومة الجنائية.
وعليه، فإن تسلسل هذه التشريعات الجنائية الاجرائية – من قانون 1899م، إلى قانون 1925م – 1974م، مرورًا بقانون 1979م، وصولًا إلى قانون 1983م وقانون 1991م – يكشف أن العدالة الجنائية في السودان لم تتطور بوصفها منظومة محايدة لإدارة الخصومة، وإنما بوصفها انعكاسًا لتحولات سياسية ودستورية وفكرية عميقة، أعادت تشكيل بنيتها ووظائفها ومرجعياتها على نحو تدريجي ومركّب. فقد انتقلت إدارة الدعوى الجنائية تدريجيًا من جهاز الشرطة – في إطار اختصاصات قانونية مقررة تاريخيًا – إلى النيابة العامة بوصفها جهة تتولى الاتهام والادعاء، وذلك بالتوازي مع تحول في المرجعية القانونية نحو نموذجٍ هجين، يجمع بين عناصر أنجلوسكسونية في التأسيس الإجرائي، وتأثيرات قارية–لاتينية في البناء المؤسسي والتنظيمي، ولا سيما من التقليد الفرنسي الكلاسيكي (Code Napoléon 1804)، الذي يقوم على نزعة تحقيقية تُسند فيها سلطتا الاتهام والتحقيق إلى النيابة العامة، بخلاف النماذج اللاتينية – القارية الأوروبية والرومانو–جرمانية التي تميل إلى الفصل المؤسسي بين سلطتي الاتهام والتحقيق، مع إسناد وظيفة الضبط والتحري إلى الشرطة بوصفها جهازًا مهنيًا مستقلًا، وإبقاء القضاء في موقع الحياد والحكم.
وقد اقترن هذا التكوين الهجين بإدماجٍ انتقائي لمرجعيات ذات طابع إسلامي في بعض مستويات التشريع والخطاب السياسي–الدستوري والقانوني، بما أفرز بنية قانونية مركبة تتداخل فيها المرجعيات وتتعدد فيها مصادر التفسير والشرعية، في إطار لا يقوم على نقاء نموذجي واحد، بقدر ما يعكس تراكبًا تاريخيًا لمصادر مختلفة في تشكيل منظومة العدالة الجنائية. إلا أن هذا التطور البنيوي، لم يكن محايدًا في أثره، إذ ظل القانون في مراحله، أداة لإعادة إنتاج السلطة وتنظيم المجال السياسي والاجتماعي، أكثر من كونه إطارًا مجردًا لتحقيق العدالة الاجتماعية وضمان الحياد المؤسسي، ولا سيما في المرحلة الانتقالية (1979م – 1983م) التي شكّلت محطة مفصلية مهدت لاكتمال البناء المؤسسي في تشريعات عام 1991م الجنائية بأوامر دستورية مؤقته.
وفي هذا السياق، فإن إدارة العدالة الجنائية لا تُفهم بوصفها مجرد ترتيب تنظيمي للسلطات، بل بوصفها منظومة تقوم على توزيع الأدوار الوظيفية والفصل المؤسسي بين السلطات داخل البنية الجنائية. فالنظام الجنائي الرشيد يقوم على توزيع دقيق للوظائف الأساسية: إذ تضطلع الشرطة بوظيفة جمع الاستدلالات والتحري وجمع المعلومات وضبط الوقائع وإنتاج المادة الأولية للدعوى الجنائية تحت رقابة قضائية فعّالة، بينما تتولى النيابة العامة وظيفة الاتهام وتحريك الدعوى الجنائية وتمثيل الخصومة أمام القضاء، في حين ينهض القضاء بوظيفة الفصل المحايد وإصدار الحكم.
ولا يُعد هذا التوزيع مجرد تقنية تنظيمية، بل هو ترجمة لمبدأ دستوري جوهري، يقوم على منع تركّز السلطة الجنائية في جهة واحدة، وضمان التوازن بين فاعلية الدولة في مكافحة الجريمة وبين حماية حقوق الأفراد وضمانات المحاكمة العادلة، وعلى رأسها مبدأ الحياد، وتكافؤ السلاح، وحق الدفاع. وبذلك تتجلى العدالة الجنائية بوصفها نظامًا يقوم على الفصل والتكامل في آنٍ واحد؛ فصلٍ يمنع تداخل الوظائف على نحو يُخلّ بالحياد، وتكاملٍ يضمن أن تُسهم كل مرحلة – من التحري إلى الاتهام إلى الحكم – في إنتاج عدالة قائمة على الوقائع والمعيار القانوني معًا.
وعليه، فإن الإشكال الذي يكشفه هذا المسار النقدي لتشريع الإجراءات الجنائية لسنة 1991م – بوصفه مسارًا نقديًا (Critical analytical trajectory) – لا يقتصر على البنية التنظيمية للعدالة الجنائية أو توزيع الاختصاصات بين الشرطة والنيابة والقضاء، بل يمتد إلى المستوى الفلسفي والمعياري المؤسس لفكرة العدالة الجنائية ذاتها؛ أي إلى طبيعة الدولة، ووظيفة القانون، وحدود السلطة في إدارة الخصومة الجنائية وضبطها. ومن ثم، يفتح التحليل العلمي لنظرية الاتهام المجال، لمواصلة البحث في محاور أكثر تأسيسًا وعمقًا، تشمل:
(1) الخلفية التاريخية لتطور إدارة العدالة الجنائية في السودان وبنيتها المؤسسية؛
(2) التأصيل القرءاني والقيمي لمفهوم العدالة وإدارة الخصومة بوصفه مرجعية معيارية عليا؛
(3) المعايير الدولية المنظمة لأدوار الشرطة والنيابة العامة والقضاء وضمانات المحاكمة العادلة؛
(4) النماذج المقارنة لنظم النيابة العامة وإدارة الدعوى الجنائية في الأنظمة القانونية المختلفة.
وذلك بهدف استجلاء مدى اتساق النموذج التشريعي الوطني مع منطق العدالة الجنائية الحديثة ومعاييرها الضامنة للمحاكمة العادلة، في ضوء العلاقة بين البنية القانونية والشرعية الدستورية ووظيفة الدولة في إدارة العدالة الجنائية، بما يسمح بتقييم مدى التوازن بين مقتضيات الفاعلية الإجرائية وضمانات الحقوق والحريات في سياق الدولة الحديثة. ونواصل، للحديث بقية.
فريق شرطة (حقوقي)
د. الطيب عبدالجليل حسين محمود
المحامي إستشاري القانون والموثق
07/ 05/ 2026م


