هيئة النزاهة الجديدة طموح الإصلاح وحدود الواقع المؤسسي بقلم : د الصادق على سيد احمد

قرار رئيس الوزراء بروفيسور كامل إدريس بتعيين الفريق شرطة عابدين الطاهر رئيسا لهيئة النزاهة والشفافية يأتي في لحظة سياسية وقانونية حساسة في السودان، حيث لا تقاس أهمية التعيينات فقط بأسمائها، بل بالسياق الذي تأتي فيه وبقدرتها الفعلية على إحداث تغيير داخل بنية دولة ما زالت تعاني من اختلالات عميقة في مؤسساتها العدلية والتنفيذية على حد سواء.
من حيث الشكل، يبدو القرار خطوة ضمن مسار إعادة ترتيب أجهزة الدولة وإرسال رسالة مفادها أن ملف الشفافية ومحاربة الفساد بات جزءا من أولويات الحكومة الانتقالية أو القائمة. غير أن قراءة أعمق تكشف أن التحدي الحقيقي لا يكمن في إنشاء الهيئة أو تعيين رئيسها، بل في البيئة التي ستعمل فيها، وهي بيئة تتسم بتداخل السلطات، وضعف المؤسسات الدستورية، واستمرار آثار الحرب والا نقسام السياسي.
أولا: دلالة اختيار قيادة ذات خلفية شرطية
تعيين الفريق عابدين الطاهر القادم من خلفية شرطية وأمنية، يعكس توجها واضحا نحو الاعتماد على شخصيات تمتلك خبرة في الانضباط المؤسسي، والعمل التنفيذي، ومكافحة الجرائم المنظمة. هذا النوع من الخلفيات قد يكون مفيدا في التعامل مع ملفات الفساد التي تتطلب قدرات تحقيقية، ومتابعة لسلاسل مالية وإدارية معقدة.
لكن في المقابل، يثير هذا الاختيار إشكالية تقليدية في سياق مؤسسات النزاهة وهي إشكالية التوازن بين “الصرامة التنفيذية” و “الاستقلال الرقابي”. فمؤسسات النزاهة في تجارب الدول المختلفة غالبا ما تبنى على مبدأ الفصل بين منطق القوة التنفيذية ومنطق الرقابة، حتى لا تتحول الهيئة إلى امتداد لأجهزة إنفاذ القانون أو السلطة التنفيذية.
في الحالة السودانية، يصبح هذا التوازن أكثر حساسية، لأن التاريخ المؤسسي يشير إلى تداخل أدوار بين الأجهزة الأمنية والإدارية، وهو ما قد يضع الهيئة الجديدة أمام اختبار مبكر يتعلق بثقة الجمهور في استقلالها.
ثانيا: القرار في سياق سياسي غير مستقر
لا يمكن فصل القرار عن السياق السياسي العام الذي يمر به السودان حيث ما تزال مؤسسات الدولة تعاني من آثار الحرب والانقسام، إضافة إلى غياب
الاستقرار
الدستوري الكامل في مثل هذه الظروف، تتحول أي هيئة رقابية إلى لاعب يعمل داخل مساحة ضيقة بين الطموح المؤسسي والواقع السياسي.
قرار رئيس الوزراء يمكن قراءته أيضا كمحاولة لإعادة إنتاج “مركز ثقة” داخل الدولة، أي خلق مؤسسة يفترض أن تستعيد ثقة المواطنين والمجتمع الدولي في قدرة الدولة على إدارة المال العام ومكافحة الفساد. لكن هذه المحاولة تصطدم مباشرة بسؤال الجدية هل تملك هذه الهيئة صلاحيات حقيقية، أم أنها ستعمل ضمن إطار رمزي محدود الأثر؟
ثالثا: التحدي القانوني – بنية غير مكتملة للعدالة
أحد أهم أبعاد هذا القرار لا يتعلق بالهيئة نفسها، بل بالمنظومة القانونية التي يفترض أن تدعمها. في السودان، تواجه مؤسسات الرقابة تحديا مزدوجا: ضعف تحديث القوانين من جهة، وتداخل الاختصاصات من جهة أخرى.
القوانين المنظمة لمكافحة الفساد أو حماية المال العام غالبا ما تعاني من:
ثغرات في الصياغة تسمح بتفسيرات متعددة
ضعف آليات التنفيذ
غياب التكامل مع بقية المنظومة القضائية
إلى جانب ذلك يبرز عامل أكثر خطورة غياب أو ضعف مؤسسات العدالة الدستورية، وعلى رأسها المحكمة الدستورية والتي كانت قد اعلنت عن بدء عودتها قبل أكثر من عام لكن لا وجود لها في ارض الواقع فهذا الغياب لا يعني مجرد فراغ مؤسسي، بل يعني فقدان “حكم أعلى” يفصل في النزاعات بين السلطات، ويضمن دستورية عمل الهيئات المختلفة.
بدون هذه المحكمة، تصبح الهيئة الجديدة في موقف معقد
لا مرجعية دستورية عليا تحمي قراراتها
ولا آلية حاسمة للفصل في النزاعات مع جهات تنفيذية أخرى
ولا ضمانة كاملة لاستقلال مسارها القانوني
وهذا يضعف قدرتها على التحرك في الملفات الحساسة خاصة تلك التي قد تمس أطراقا نافذة داخل الدولة.
رابعا: إشكالية الصلاحيات مقابل الواقع التنفيذي
حتى في حال توفر إرادة سياسية داعمة تبقى إشكالية الصلاحيات التنفيذية حاسمة. فنجاح هيئة النزاهة لا يعتمد فقط على التحقيق أو الرصد، بل على قدرتها
الوصول إلى البيانات المالية والإدارية
تتبع حركة الأموال العامة
إحالة القضايا إلى جهات قضائية مستقلة وفعالة
ضمان تنفيذ التوصيات والأحكام
في غياب هذه السلسلة المتكاملة، تتحول الهيئة إلى جهاز رصد دون أدوات تنفيذ حقيقية، وهو أحد أكثر أسباب فشل مؤسسات مكافحة الفساد في البيئات الا نتقالية.
خامسا البعد السياسي للقرار
من زاوية سياسية، يمكن قراءة القرار كجزء من محاولة إعادة ضبط العلاقة بين الدولة ومفهوم المحاسبة. فإدخال شخصية عسكرية / شرطية إلى موقع رقابي قد يحمل رسالة مزدوجة
من جهة التأكيد على الحزم والقدرة على فرض النظام
ومن جهة أخرى محاولة الاستفادة من خبرات الأجهزة النظامية في ضبط ملفات الفساد
لكن هذا المزج بين الأمن والرقابة المدنية يظل محل جدل، لأن نجاحه يتطلب درجة عالية من الفصل المؤسسي، وهو ما لا يزال غير مكتمل في الواقع السوداني الحالي.
سادسا: فرص النجاح وحدودها
رغم كل التحديات، لا يمكن تجاهل أن إنشاء الهيئة في حد ذاته يمثل خطوة في اتجاه إعادة بناء أدوات الدولة فرص النجاح، وإن كانت محدودة، ترتبط بعدة عوامل
توفير استقلال مالي وإداري حقيقي
دعم سياسي غير متدخل في عملها اليومي
إصلاحات قانونية موازية، خاصة في القضاء
إعادة تفعيل مؤسسات العدالة الدستورية
بناء ثقة تدريجية مع المجتمع
لكن في المقابل، تبقى حدود الحركة واضحة
استمرار غياب المحكمة الدستورية
ضعف البيئة القانونية الموحدة
تداخل السلطات في الواقع السياسي
هشاشة الاستقرار العام
خاتمة
قرار تعيين الفريق عابدين الطاهر رئيسا لهيئة النزاهة والشفافية في عهد بروفيسور كامل إدريس لا يمكن قراءته كإجراء إداري معزول، بل كجزء من محاولة أوسع لإعادة تعريف مفهوم الدولة نفسها في السودان: دولة تحاول أن تنتقل من إدارة الأزمات إلى بناء مؤسسات.
لكن هذا الانتقال يظل مشروطا بقدرة النظام السياسي والقانوني على توفير البيئة التي تسمح لمفهوم “الشفافية ” أن يتحول من عنوان إلى ممارسة. وفي ظل غياب بعض مؤسسات العدالة الدستورية، يظل السؤال مفتوحا هل يمكن لهيئة رقابية أن تنجح في أداء دورها الكامل داخل منظومة لم تكتمل بعد أركان توازنها الدستوري ؟


