أعمدة الرأي

فريق شرطة حقوقي د. الطيب عبدالجليل حسين يكتب السودان: الدولة المعطاة والمصطنعه والمفروضه من الخارج: جدلية التوصيف والتشخيص وإعادة التعريف (15)

 

الانقلابات الهجينة المدنية – العسكرية وأثرها على الشرعية الدستورية (6)

 

تخلص هذه المقالة، في ضوء المسار التاريخي والتشريعي لتطور العدالة الجنائية في السودان، إلى أن منظومة الإجراءات الجنائية في السودان لم تتطور بوصفها إطارًا قانونيًا محايدًا لإدارة الخصومة الجنائية، وإنما تشكّلت تدريجيًا تحت تأثير تحولات سياسية ودستورية وفكرية عميقة أعادت صياغة علاقتها بالسلطة ووظيفتها داخل الدولة. وقد ارتبط هذا التطور، إلى حدٍ كبير، بالتصورات الفكرية والفلسفية التي حكمت طبيعة الدولة السودانية في مراحل الانقلابات الهجينة ذات الطابع المدني– العسكري منذ عام 1958م وحتى 1989م، وكذلك بالتصورات السياسية والأيديولوجية التي صاحبت المراحل الانتقالية الناتجة عن الثورات والانتفاضات الشعبية في أعوام 1964م ، 1985م ، 2019م، حيث أعادت كل مرحلة إنتاج مفهوم الشرعية وحدود السلطة ووظيفة القانون وفق شعاراتها وتصوراتها الخاصة حول الدولة والعدالة والسيادة.

فلم تكن التحولات التي طرأت على العدالة الجنائية في السودان مجرد تعديلات فنية أو تنظيمية في إدارة الدعوى الجنائية، بل مثّلت انعكاسًا مباشرًا للصراع حول طبيعة الدولة ذاتها: هل تُبنى الدولة باعتبارها دولة أمن وضبط سياسي، أم دولة قانون ومؤسسات، أم دولة ذات مرجعية أيديولوجية أو دينية تسعى إلى إعادة تشكيل المجال القانوني وفق تصور معياري مخصوص؟ ومن ثم، ارتبطت فلسفة العدالة الجنائية في السودان، في كثير من مراحلها، بفلسفة السلطة الحاكمة وتصورها لوظيفة الدولة باعتبارها شخصية اعتبارية عامة تحتكر العنف المشروع وتمارس الشرعية باسم حماية النظام العام أو الثورة أو المشروع السياسي الحاكم.

وفي هذا السياق، انتقلت العدالة الجنائية في السودان من نموذج ذي جذور أنجلوسكسونية يقوم على مركزية الشرطة في التحري وإنتاج الوقائع تحت إشراف قضائي، إلى نموذج أقرب إلى البنية اللاتينية–القارية التحقيقية ذات الطابع النابوليونـي Napoleonic code 1804، حيث تميل سلطتا الاتهام والتحقيق إلى التمركز داخل النيابة العامة، مع إدماج انتقائي لمرجعيات إسلامية في الخطاب التشريعي والسياسي.

وبالتالي، فإن التحول الإجرائي–التقني من النموذج الأنجلوسكسوني إلى النموذج اللاتيني–القاري ذي التأثير النابليوني لم يكن مجرد انتقال تنظيمي أو تعديل فني في إدارة الدعوى الجنائية، بل مثّل تحولًا فلسفيًا–سياسيًا عميقًا أعاد تعريف وظيفة العدالة الجنائية وموقعها داخل بنية الدولة الحديثة. لا سيما العدالة الجنائية أصبحت جزءًا من التصورات الكبرى للفكر السياسي–الدستوري المعاصر، حيث يُعاد فهمها لا كمنظومة محايدة لتحقيق العدالة فحسب، بل كأداة لإنتاج الشرعية وإدارة المجال السياسي والاجتماعي، بما يعكس طبيعة الدولة الحديثة بوصفها شخصية اعتبارية عامة تحتكر العنف المشروع وتعيد صياغة علاقتها بالمجتمع عبر القانون. فقد تجاوز هذا التحول في السودان حدود إعادة توزيع الاختصاصات بين الشرطة والنيابة والقضاء، ليطال التصور ذاته لطبيعة السلطة، ووظيفة القانون، وحدود تدخل الدولة في إدارة المجال العام وضبط المجتمع.

وفي هذا السياق، جاء التحول الإجرائي للعدالة الجنائية في السودان، ضمن عملية أوسع لإعادة تشكيل العلاقة بين القانون والسلطة؛ بحيث لم تعُد العدالة الجنائية تُفهم بوصفها منظومة محايدة لتحقيق العدالة وحماية الحقوق والحريات فحسب، وإنما أصبحت جزءًا من مشروع الدولة في إنتاج الشرعية وإدارة المجالين السياسي والاجتماعي، على نحو يعكس تصور السلطة لذاتها، ويعيد تحديد موقع القانون داخل بنيتها المؤسسية بوصفه أداةً للتنظيم والضبط وإعادة إنتاج النظام العام.

وبذلك، فإن فلسفة العدالة الجنائية في السودان لم تتشكل بمعزل عن التحولات الدستورية والسياسية التي شهدتها الدولة، بل تفاعلت بصورة عميقة مع التصورات الفكرية والسياسية التي صاحبت الانقلابات المدنية–العسكرية، والثورات والانتفاضات الشعبية، ومراحل الانتقال السياسي المرتبطة بها، فضلًا عن ارتباطها بمفاهيم الشرعية والسيادة ووظيفة الدولة الحديثة وحدود السلطة في إدارة المجتمع. ومن ثم، أصبحت بنية العدالة الجنائية في السودان انعكاسًا لطبيعة النظام السياسي وتصوراته للسلطة والقانون بقدر ما هي تعبير عن تطور قانوني أو مؤسسي مستقل، الأمر الذي جعل تطور التشريع الجنائي والإجرائي وثيق الصلة بتحولات الدولة نفسها وبالصراع حول طبيعة الشرعية وموقع القانون داخل بنيتها الدستورية والسياسية.

وقد كشف هذا التحول عن إشكالية بنيوية تتعلق بتداخل الوظائف الأساسية داخل المنظومة الجنائية، ولا سيما بين وظيفة جمع الوقائع والتحري من جهة، ووظيفة الاتهام وإدارة الخصومة من جهة أخرى، الأمر الذي أضعف التمايز المؤسسي بين الشرطة والنيابة والقضاء، وأثر في توازن الخصومة وضمانات المحاكمة العادلة، وعلى رأسها مبدأ الحياد، وتكافؤ السلاح، وحق الدفاع. كما أدى هذا التداخل إلى توسيع نفوذ السلطة التنفيذية داخل المجال الجنائي، وإعادة توظيف القانون الجنائي بوصفه أداة لإنتاج الشرعية السياسية وإعادة بناء السلطة، لا مجرد وسيلة محايدة لتحقيق العدالة.

وفي هذا السياق، برز قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م بوصفه محطة مفصلية اكتمل فيها التحول المؤسسي القابض لمسيرة الدعوى الجنائية نحو تمركز سلطة الاتهام والتحقيق في بنية النيابة العامة، بما أعاد تشكيل فلسفة العدالة الجنائية السودانية ووظائفها ومرجعياتها. ولم يكن هذا التحول مجرد تعديل تنظيمي في توزيع الاختصاصات، بل مثّل انتقالًا أعمق في التصور النظري للعدالة الجنائية ذاتها، من حيث طبيعة الدولة، ووظيفة القانون، وحدود السلطة في إدارة الدعوى الجنائية.

ومن ثم، فإن تناول العدالة الجنائية السودانية، تفضي إلى نتيجة تأسيسية مفادها، أن تنظيم الدعوى الجنائية لا يُفهم باعتباره مسألة إجرائية فحسب، بل باعتباره انعكاسًا لفلسفة الدولة ومفهومها للشرعية والسلطة والحقوق والحريات. ولذلك، فإن إعادة بناء العدالة الجنائية في السودان تقتضي إعادة ضبط التوازن المؤسسي بين وظائف التحري والاتهام والحُكم، بما يضمن استقلال كل وظيفة عن الأخرى، وخضوعها لرقابة دستورية وقضائية فعالة، تحقيقًا لمقتضيات المحاكمة العادلة وسيادة حكم القانون.

وانطلاقًا من هذه الخلاصة لما سبق من مقالات، تبرز الحاجة إلى تناول (نظرية النيابة العامة) بوصفها محورًا تأسيسيًا لفهم طبيعة العدالة الجنائية الحديثة، من خلال تحليل موقع النيابة العامة في التصورات الفكرية والفقهية والسياسية والدستورية والقانونية المقارنة، وبيان علاقتها بمفهوم الدولة ووظيفة السلطة الجنائية وحدودها.

فإشكالية النيابة العامة لا تنحصر في مجرد تحديد الجهة المختصة بالاتهام والادعاء، وإنما تمتد إلى أسئلة أكثر عمقًا، تتصل هذه الإشكالية بفلسفة العدالة الجنائية وطبيعة السلطة داخل الدولة الحديثة في الفكر الدستوري المعاصر. فهي تثير تساؤلات جوهرية حول: من يملك سلطة تحريك الدعوى الجنائية ومباشرتها؟ وكيف تُمارس هذه السلطة وما حدودها؟ وما مدى خضوع النيابة العامة للسلطة التنفيذية أو استقلالها عنها؟ وكيف يمكن تحقيق التوازن بين مقتضيات حماية المجتمع وفاعلية الدولة في مكافحة الجريمة، وبين ضمانات الحرية الفردية وحقوق الإنسان؟ ثم كيف يمكن بناء منظومة إجرائية تكفل للفرد حقه في محاكمة عادلة ومنصفة، تقوم على الحياد، وتكافؤ السلاح، وضمانات الدفاع، وخضوع إجراءات الادعاء والاتهام، وكذلك إجراءات التحري والتحقيق الأولي والابتدائي التي تضطلع بها الشرطة، لرقابة قضائية فعّالة، وصولًا إلى حكم قضائي مستقل ومحايد يقوم على التحقق القانوني والواقعي معًا؟.

وتنبع أهمية هذه التساؤلات من حقيقة علمية ومُعطى قانوني جوهري، يتمثل في أن الدولة – بوصفها شخصًا اعتباريًا عامًا – تُعد طرفًا أصيلًا في الخصومة الجنائية من خلال أجهزتها المختصة بالاتهام والتحري وإنفاذ القانون، الأمر الذي يقتضي وجود ضمانات مؤسسية ودستورية تحول دون اختلال التوازن بين سلطة الدولة وحقوق الفرد، وتكفل بقاء العدالة الجنائية ضمن إطارها القانوني المحايد، القائم على الفصل بين وظائف التحري والاتهام والتحقيق القضائي والحكم، لا باعتبارها أداة لتغليب إرادة السلطة، وإنما بوصفها منظومة تهدف إلى تحقيق العدالة وصون الحقوق والحريات.

وبذلك، يصبح البحث في نظرية النيابة العامة مدخلًا تأسيسيًا لفهم العلاقة بين العدالة الجنائية والشرعية الدستورية، وبين فعالية الدولة في حماية النظام العام وضمان الأمن المجتمعي، وبين حماية الحقوق والحريات الفردية، فضلًا عن إدراك الطبيعة المركبة للعلاقة بين منطق السلطة ومنطق العدالة داخل الدولة الحديثة.

وتنبع أهمية هذه الإشكالية من بروز اختلال بنيوي في بعض النظم الجنائية المعاصرة، كما في فرنسا وعدد من دول القانون المختلط، يتمثل في تداخل وظائف العدالة الجنائية وتشابك مواقعها المؤسسية. إذ لم يعُد الفصل واضحًا بين وظيفة الخصومة والاتهام من جهة، وبين وظائف جمع الوقائع والمعلومات والتحري والتحقيق والاستدلال من جهة أخرى، في ظل اتساع دور النيابة العامة في الإشراف والتوجيه والتحكم في مسار الدعوى الجنائية، ولا سيما خلال مرحلة ما قبل المحاكمة.

ويعكس هذا الواقع العملي، أزمة أعمق في التوازن المؤسسي بين مقتضيات فاعلية السلطة وضمانات العدالة، ويثير تساؤلات جوهرية حول حدود استقلال النيابة العامة، وطبيعة موقعها داخل البنية الدستورية الحديثة، ومدى قدرتها على التوفيق بين كونها جهة من جهات الدولة من جهة، وضامنًا لمبادئ الحياد وتكافؤ السلاح وضمانات المحاكمة العادلة من جهة أخرى.

وقد أفضى هذا التداخل، في كثير من الحالات، إلى إضعاف التمايز الوظيفي الذي تقوم عليه العدالة الجنائية الرشيدة، بما ترتب عليه اختلال نسبي في مبدأ الحياد الإجرائي وتوازن الخصوم داخل الدعوى الجنائية، فضلًا عن تراجع مستوى الفصل المؤسسي بين ثلاث دوائر جوهرية: إنتاج الوقائع والمعلومات، وإدارة الخصومة والاتهام، وإصدار الحكم القضائي. وهو ما يثير تساؤلات جوهرية حول مدى تحقق ضمانات المحاكمة العادلة والمنصفة، ومدى سلامة القناعة القضائية التي ينبغي أن تُبنى على وقائع منتجة بصورة موضوعية ومحايدة، لا على رواية تُصاغ تحت تأثير منطق الخصومة أو سلطة الاتهام.

وفي المقابل، تؤكد الحقائق العلمية المستقرة في إطار نظرية النيابة العامة، ونظرية الاتهام، ونظرية إنتاج الوقائع وجمع المعلومات، ونظرية الحكم الجنائي، أن الوقائع والمعلومات المستمدة من أعمال الشرطة في مرحلة التحري والتحقيق الأولي، تُشكّل الأساس المادي والمعرفي الذي تُبنى عليه القناعة القضائية واستظهار الحقيقة القضائية. إلا أن القيمة القانونية والإثباتية لهذا الأساس لا تقوم بمجرد وجوده، وإنما ترتبط بشرطين جوهريين: حياد عملية إنتاج الوقائع، وخضوعها لرقابة قضائية فعّالة تضمن مشروعية الإجراءات وسلامة الأدلة واحترام حقوق الدفاع.

فكلما أُنتجت الوقائع والمعلومات في إطار مهني مستقل ومحايد، بعيدًا عن توجيه الخصومة أو تأثير سلطة الاتهام، اكتسب الدليل صفته الموضوعية وصلاحيته للاحتجاج أمام القضاء، وأسهم في بناء قناعة قضائية قائمة على التحقق الواقعي والقانوني معًا. أما إذا اندمجت وظيفة الاتهام مع وظيفة إنتاج الوقائع والتحقيق، فإن ذلك يُفضي إلى إضعاف القيمة المعرفية للدليل، ويُعرّض العدالة الجنائية لخطر التأسيس على وقائع موجّهة أو منتقاة، بما يُخلّ بضمانات الحياد وتكافؤ السلاح وحق الدفاع.

ومن هنا، تتجلى الحاجة إلى إعادة ضبط التوازن المؤسسي داخل منظومة العدالة الجنائية، على نحو يعيد التمييز الدقيق بين الوظائف الثلاث الأساسية: وظيفة جمع الوقائع والتحري والتحقيق؛ ووظيفة الخصومة والاتهام؛ ووظيفة الفصل القضائي؛ باعتبارها وظائف متمايزة ومتكاملة في آنٍ واحد، لا يجوز دمجها أو تركيزها في جهة واحدة دون الإخلال بجوهر العدالة الإجرائية والموضوعية، وعلى رأسها مبدأ الحياد، وتكافؤ السلاح، وحق الدفاع، واستقلال القضاء.

في ضوء ما تقدم، يتبين أن الإشكال المطروح لا يقتصر على البنية التنظيمية أو توزيع الاختصاصات داخل منظومة العدالة الجنائية، بل يمتد إلى الأساس الفلسفي والمعياري الذي يحكم مفهوم العدالة الجنائية ذاته، وطبيعة الدولة، ووظيفة القانون، وحدود السلطة في إدارة الخصومة الجنائية. ومن ثم، يفتح هذا التحليل المجال لمواصلة البحث في قضايا أكثر تأسيسًا، تشمل: التأصيل القرءاني والقيمي الأعلى لمفهوم العدالة وإدارة الخصومة، والمعايير الدولية المنظمة لأدوار الشرطة والنيابة العامة والقضاء، والنماذج المقارنة لنظم النيابة العامة وإدارة الدعوى الجنائية، وذلك بهدف استجلاء مدى اتساق النموذج التشريعي الوطني مع منطق العدالة الجنائية الحديثة ومعاييرها الضامنة للمحاكمة العادلة وسيادة حكم القانون.

(أولًا) البناء القرءاني لمفهوم الخصومة:

——————————-

في هذا الإطار والسياق، يتضح أن البناء القرءاني لمفهوم الخصومة، يقرر بجلاء أن موقع الخصم لا يلتبس بموقع الحَكَم أو العالِم المحيط بحقائق الوقائع، وهو ما يتجلى بوضوح في الحوار القرءاني بين العبد الصالح وسيدنا موسى عليه السلام في سورة الكهف الآيات (65، 66، 78، 79، 80، 82)، حيث تقوم المعرفة على مستويات متفاوتة، ويُبنى الحكم على إحاطة مخصوصة، لا تتوافر لكل أطراف المشهد. فذلك الحوار القرءاني يكشف أن إدراك الحقيقة قد يكون جزئيًا عند أحد الأطراف، بينما يتطلب الفهم الكلي للوقائع موقعًا متميزًا يختلف عن موقع الاعتراض أو المجادلة، بما يؤسس لتمييز بنيوي بين من يشارك في الحدث، ومن يملك سلطة تفسيره والحكم عليه. ويكتمل هذا المعنى في سرديات الحوار القرءاني ذاته؛ حيث كان العبد الصالح مالكًا للوقائع والمعلومات الدقيقة عن الواقع الغيبي، بينما كان موسى عليه السلام مالكًا للقانون المستند إلى الوحي الإلهي والتوراة، مما يوضح أن امتلاك الوقائع والمعلومات، يختلف جوهريًا عن امتلاك القانون والمعايير، وأن الجمع بينهما في بنية مؤسسية واحدة، يُفضي إلى اختلال وظيفي يهدد العدالة في أساسها.

ويقوم هذا المعنى على أساس قرءاني أوسع لمفهوم الخصومة، حيث ورد وصفها في سياقات متعددة، منها قوله تعالى في شأن إبليس: (قَالَ فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ)، سورة (ص)، الآيات: 77–78)، وقوله تعالى: (ِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا)، سورة فاطر، الآية: 6)، وقوله تعالى: (وَكَانَ الْإِنسَانُ خَصِيمًا مُّبِينًا)، سورة النحل، الآية: 4). وتُفهم هذه النصوص القرءانية، في دلالتها الكلية، بوصفها مرجعيات معيارية عليا تؤسس لمبادئ العدالة الجنائية، وتقرر أن الخصومة في أصلها موقع جدل ونزاع ومواجهة، لا موقع تحصيل محايد للحقيقة أو إدارة موضوعية للوقائع. ويُعزز هذا التأسيس القيمي قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ)، سورة الحجرات، الآية: 6)، بما يضع قاعدة منهجية في التعامل مع الأخبار والمعلومات، مؤداها، أن مجرد نقل الوقائع لا يمنح صاحبها موقع الحياد أو سلطة التقرير النهائي للحقيقة، وإنما يوجب التثبت والتحقق قبل ترتيب أي أثر قانوني عليها. ومن ثم، فإن إنتاج الوقائع في المجال الجنائي، لا يُعد فعلًا محايدًا بذاته، بل هو جزء من عملية إجرائية ومعرفية مركبة تتطلب ضبطًا مؤسسيًا ورقابة فعّالة، تضمن عدم تحوّل مُنتِج المعلومات أو مصدر الخبر إلى سلطة حاكمة على الوقائع التي يساهم في إنتاجها. ويُؤسس ذلك لمبدأ جوهري في العدالة الإجرائية، مفاده أن التحقق والتثبت شرط لازم لبناء النتائج القانونية على الأخبار والمعلومات المستقاة قولاً بها، ولا سيما حين تصدر هذه المعلومات عن جهة غير محايدة أو طرف داخل الخصومة.

وفي ضوء ذلك، فإن النيابة العامة، بوصفها طرفًا أصيلًا في الخصومة الجنائية وممثلةً لمصلحة الاتهام، لا يتسق معها الجمع بين موقع الخصومة وموقع التحقيق المحايد في آنٍ واحد، لأن ذلك يخلق تداخلًا وظيفيًا يمس جوهر الحياد الإجرائي؛ إذ تقتضي وظيفة التحقق الموضوعي من الوقائع استقلالًا تامًا عن منطق الخصومة، بينما تقوم وظيفة الاتهام بطبيعتها على ترجيح رواية وإسنادها وإثباتها أمام القضاء، ومن ثم، فإن الجمع بين هاتين الوظيفتين (الاتهام والتحقيق) داخل بنية مؤسسية واحدة، يُفضي إلى تناقض وظيفي هيكلي يهدد توازن العدالة الجنائية في جوهره.

(ثانيًا) التصور القرءاني في مواجهة النماذج القانونية العالمية:

—————————–

انطلاقًا من هذه القاعدة المعيارية القرءانية الفوقية ذات الطابع الدستوري الجوهري التي يُرسيها التصور القرءاني، يمكن قراءة النماذج القانونية المعاصرة قراءةً نقديةً، تكشف عن مدى انسجامها مع هذا المبدأ أو انحرافها عنه، إذ يجد التمايز القرءاني بين موقع الخصم وموقع الحَكَم، وبين امتلاك الوقائع وامتلاك القانون، صداه في بعض هذه النماذج، ويكشف في الوقت ذاته عن مواطن الاختلال الهيكلي في أخرى.

فعلى صعيد النموذج الأنجلوسكسوني (Common Law)، يقوم هذا النموذج على الفصل الصارم بين النيابة العامة بوصفها طرفًا في الخصومة الجنائية تمثّل مصلحة الاتهام العام، والشرطة بوصفها الجهة المختصة بالتحري وجمع الأدلة والوقائع، وذلك كله تحت رقابة قضائية مستقلة تضمن مشروعية الإجراءات وحياد مسار التحقيق. بهذا الهيكل المؤسسي، تُحافظ المنظومة على التمايز الوظيفي الجوهري بين منطق الادعاء ومنطق التحقيق، فلا تجمع جهة واحدة بين صفة الخصم وسلطة التحقق، بما ينسجم انسجامًا عميقًا مع التصور القرءاني الذي يمنع التداخل بين الخصومة والتحقيق في بنية مؤسسية مفردة، ويؤسس لتوازن إجرائي يصون ضمانات المحاكمة العادلة.

وفي المقابل، يميل النموذج القاري المستند إلى الموروث النابليوني 1804م (Civil Law) إلى تمركز سلطتي الاتهام والتحقيق داخل النيابة العامة، إذ تُناط بها مهمة الإشراف على عمليات التحري وجمع الأدلة وإدارة مرحلة ما قبل المحاكمة، فضلًا عن كونها طرفًا أصيلًا في الخصومة الجنائية. وهذا الجمع بين الوظائف المتمايزة، يُفضي إلى اختلال وظيفي هيكلي يمس جوهر الحياد الإجرائي؛ إذ يتحول مُنتِج الوقائع إلى خصم يحتج بها، والمشرف على التحري إلى مدَّعٍ يبني عليه اتهامه، وهو ما يتعارض مع التصور القرءاني الذي يُرسّخ ضرورة الفصل البنيوي بين موقع الخصومة وموقع التحقق، لأن الخلط بينهما يُحوّل العدالة من عملية موضوعية إلى خطاب اتهامي مُغلق على ذاته.

وقد أدرك المشرّع الفرنسي 1958م هذا الاختلال الوظيفي الكامن في النموذج اللاتيني-القاري النابليوني، فعمد إلى معالجته عبر استحداث مؤسسة (قاضي التحقيق – (juge d’instruction، بوصفها جهازًا قضائيًا مستقلًا يتولى مهمة جمع الوقائع والتحري وفحص الأدلة بمنأى عن النيابة العامة ومعزولًا عن توجهاتها الاتهامية. وقد اقترب هذا النموذج من التصور القرءاني في جانب جوهري، هو الفصل المؤسسي بين الخصومة والتحقيق، إلا أن اتساع صلاحيات النيابة العامة في مرحلة الاستدلال والتوجيه السابق على التحقيق الرسمي، إضافة إلى التوترات العملية التي أبانت عنها التطبيقات القضائية المتعاقبة، يظل مثار جدل فقهي ودستوري حول مدى تحقق الحياد الكامل والاستقلال الوظيفي الفعلي، مما دفع المشرّع الفرنسي ذاته إلى مراجعة هذه المؤسسة والتساؤل حول مستقبلها في ضوء معايير المحاكمة العادلة.

وخلاصة القول ومنتهاه، وفي سياق التأسيس لإطار نظري معياري–دستوري ومؤسسي، ينهض هذا التصور البنيوي للعدالة الجنائية القائم على مبدأ الفصل الوظيفي داخل الدعوى الجنائية، على ضرورة إعادة التمييز المؤسسي بين سلطة الاتهام، وسلطة التحقيق القضائي والرقابي، وسلطة الحكم، بما يضمن أن تظل عملية التبيّن والتحقق محكومة بالحياد والرقابة القضائية الفعّالة، وأن يبقى موقع الخصومة منفصلًا عن موقع الفصل في الدعوى الجنائية.

ويكشف التصور القرءاني لمفهوم الخصومة وفصل الوظائف في هذا السياق عن أساس فلسفي ومعياري فوقي، يتجاوز في عمقه المرجعي وحدوده الضابطة، ما أفرزته النماذج الوضعية المعاصرة، إذ يؤكد أن العدالة لا تتحقق تحققًا كاملًا، إلا في ظل تمايز بنيوي واضح بين من ينتج الوقائع ويجمع المعلومات، ومن يباشر الاتهام، ومن يفصل في النزاع. وبذلك، فإن أي تداخل بين هذه المواقع الوظيفية الثلاثة – النيابة العامة – الشرطة بوصفها جهاز جمع الوقائع – المحكمة بوصفها سلطة الفصل – يمثل في جوهره إخلالًا بالتوازن الإجرائي الذي تقوم عليه العدالة الجنائية في بنيتها الأصلية.

ومن ثم، فإن إعادة توظيف هذا المبدأ الفاصل بين السلطات ضمن البنية القانونية للدول ذات الأنظمة المختلطة، ومنها السودان، يمكن أن يشكّل إطارًا نظريًا متينًا لإصلاح منظومة العدالة الجنائية في مستوياتها التشريعية والمؤسسية والإجرائية، بما يعزز العدالة الإجرائية ويصون سلامة البناء المؤسسي للعدالة الجنائية. ويأتي ذلك في انسجام مع الفكر السياسي-الدستوري المعاصر في معاييره الكونية، وبما يستند في الوقت ذاته إلى مرجعية قرءانية ذات طابع معياري أعلى فوقي سماوي، تُفهم بوصفها إطارًا قيميًا يوجّه ولا يُخضع، ويؤسس للعدالة ولا يقبل الانتقاص من مقتضياتها في أي بنية قانونية وضعية.

وانطلاقًا من هذا التمييز الدلالي القرءاني المعياري الدستوري، يمكن قراءة بنية العدالة الجنائية بوصفها قائمة على الفصل بين ثلاث دوائر وظيفية متمايزة:

(1) الخصومة (Litigation/Adversarial Function)؛

(2) جمع الوقائع والمعلومات والتحقيق/ التحري (Fact-Finding/Investigation)؛

(3) الفصل القضائي (Adjudication)؛

حيث لا يُتصور، في المنطق العدلي الرصين، اجتماع موقع الخصومة مع موقع الحياد في تقصي الأدلة وإدارتها، ولا مع سلطة إصدار الحُكم، لما يترتب على ذلك من اختلال في التوازن المؤسسي وضمانات العدالة الإجرائية. ونواصل، للحديث بقية.

فريق شرطة (حقوقي)

د. الطيب عبدالجليل حسين محمود

المحامي إستشاري القانون والموثق

08/ 05/ 2026م

زر الذهاب إلى الأعلى