أعمدة الرأي

عالم بلا يقين: الأزمات الكبرى ومستقبل النظام الدولي بقلم السفير دكتور / الصادق علي سيد أحمد

 

تحليل لتطور النظام العالمي من خلال حالات السودان وإيران وفنزويلا وأوكرانيا وانعكاساتها على القانون الدولي، والتعددية، ودول الجنوب العالمي.

 

مقدمة

 

إن الحروب والأزمات في أوكرانيا وإيران والسودان وفنزويلا لا تعكس مجرد حالة من عدم الاستقرار الإقليمي، بل تشير إلى نظام دولى يتشكل بصورة متزايدة وفق منطق القوة، والتحالفات الظرفية، والتطبيق غير المتكافئ للمعايير الدولية . مسار تعزز منذ حقبة دونالد ترامب. وهو

فالنظام الدولي الليبرالي لا ينهار بشكل مفاجئ، بل يعاد تشكيله تدريجيا عبر تراكم الأزمات، وتحول التحالفات والتطور المستمر في طبيعة السلطة المؤسسية.

وما أصبح واضحاً بصورة متزايدة هو الانتقال من نظام قائم على القواعد إلى بيئة عالمية أكثر سيولة وتنازعا، حيث تبقى القواعد والمعايير قائمة شكليا، بينما يصبحتطبيقها أكثر انتقائية وتفاوتا.

تطبيع التعددية المشروطة

على مدى عقود بعد الحرب العالمية الثانية ارتكز النظام الدولي على مؤسسات مثل الأمم المتحدة، والأطر المالية العالمية، وترتيبات الأمن الجماعي. ورغم ما شابه من قصور فقد استند إلى افتراض مفاده أن القواعد المتفق عليها توفر الا ستقرار والقدرة على التنبؤ.

غير أن المرحلة المرتبطة بدونالد ترامب سرعت من التحول في هذا الأساس. فقد أدى التركيز على السيادة الوطنية، والضغط الثنائي، والاتفاقات ذات الطابع المعاملا تي إلى إعادة تقييم أوسع للالتزامات متعددة الأطراف. وأصبحت الالتزامات الدولية تنظر إليها بصورة متزايدة باعتبارها مشروطة وقابلة لإعادة التفاوض.

وبالنسبة للعديد من دول الجنوب العالمي، كانت لهذا التحول آثار هيكلية عميقة. فقد أدى تراجع القدرة على التنبؤ في مجالات التجارة والمساعدات التنموية، والترتيبات الأمنية إلى زيادة التعرض للتقلبات الخارجية. وأصبحت نتائج التنمية تتحدد ليس فقط عبر السياسات الداخلية، بل أيضا وفق الظروف الجيوسياسية الخارجة عن السيطرة الوطنية.

ويبرز كذلك قلق متزايد بشأن التفسير الانتقائي لبعض المفاهيم القانونية الأساسية في الخطاب الدولي، وخاصة مفهوم “الدفاع عن النفس”. فعلى الرغم من أن هذا المفهوم يستند رسميا إلى ميثاق الأمم المتحدة، فإن تطبيقه العملي أصبح في بعض الحالات مرنا سياسيا تحكمه الاصطفافات الاستراتيجية والاعتبارات الجيوسياسية أكثر من المعايير القانونية الموحدة، ويسهم هذا الاتجاه في خلق غموض معياري ويضعف اتساق النظام القائم على القواعد، لا سيما بالنسبة للدول ا الأضعف التي تعتمد على قابلية التنبؤ في القانون الدولي.

أوكرانيا وفنزويلا: التطبيق الانتقائي في نظام متشظ

تكشف المنظومة الدولية المعاصرة عن تناقضاتها بصورة أوضح من خلال التطبيق المتفاوت للمعايير الدولية عبر أزمات مختلفة.

فالوضع في أوكرانيا يمثل تحديا أساسيا لمبدأ سلامة الأراضي وحظر استخدام القوة. وقد أكدت الاستجابات الدولية في معظمها على هذه المبادئ وأعربت عن دعم واسع لسيادة أوكرانيا. وفي الوقت نفسه، أظهرت النقاشات المستمرة حول التصعيد، وتقاسم الأعباء، والأهداف الاستراتيجية طويلة المدى، تفاوتا في مستويات الالتزام السياسي بين الفاعلين الدوليين. وهذا يبرز حقيقة أوسع مفادها أن تنفيذ القانون الدولي لا يعتمد فقط على وضوحه المعياري، بل أيضا على توافر الإرادة السياسية والانسجام الاستراتيجي.

أما فنزويلا فتمثل بعداً مختلفا لكنه لا يقل أهمية في تطور النظام الدولي، يتمثل أساسا في الضغوط السياسية والاقتصادية الممتدة، والاستخدام الواسع للأدوات | لاقتصادية الخارجية بما في ذلك العقوبات. وقد ترتبت على هذه الإجراءات آثار واسعة على قدرة الدولة، والاستقرار الاقتصادي، والأوضاع الإنسانية، كما أثارت جدلا مستمرا حول فعاليتها ونتائجها الأوسع.

وتوضح الحالتان معا وجود اختلال مهم في تطبيق المعايير الدولية. ففي أوكرانيا تتمحور القضية حول استخدام القوة والسيادة الإقليمية بينما تتمثل القضية في فنزويلا في توظيف الأدوات الاقتصادية كوسيلة للسياسة الخارجية ضمن سياق هشاشة سياسية ومؤسسية ممتدة. ومع ذلك، ففي كلتا الحالتين، يتشكل تطبيق المعايير الدولية بدرجة كبيرة وفق الاعتبارات الجيوسياسية أكثر من تطبيقها

بشكل موحد عبر الأطر المؤسسية.

ويعكس ذلك نمطا أوسع تبقى فيه قواعد القانون الدولي قائمة شكليا، بينما يختلف اتساقها العملي تبعا للسياق الاستراتيجي والأولويات السياسية.

وبالنسبة للدول النامية، فإن هذا الواقع يعزز التصور بأن القواعد العالمية تطبق بصورة غير متكافئة، وأن النتائج تتأثر بالاصطفافات السياسية أكثر من العالمية القانونية. وفي مثل هذه البيئة تصبح كل من التنمية والأمن أكثر عرضة للتقلبات السياسية الخارجية.

إيران: التصعيد والغموض الاستراتيجي

تعكس المواجهة المتطورة المرتبطة بإيران تنامي حضور القوة الصلبة في العلاقات الإقليمية والدولية. فما كان يدار لفترة طويلة عبر أدوات غير مباشرة، أصبحيعكس بصورة متزايدة مخاطر إقليمية متصاعدة وديناميات تصعيد استراتيجية.

 

ولا تقتصر تداعيات ذلك على المنطقة وحدها، بل تمتد إلى أسواق الطاقة، وأمن الم لاحة البحرية، والاستقرار الاقتصادي العالمي. ورغم استمرار الأطر الدبلوماسية و القانونية، فإن قدرتها على التأثير في النتائج أصبحت أكثر تقييدا بفعل الحسابات | لاستراتيجية للقوى الكبرى.

 

السودان: ديناميات الوكالة وحدود المؤسسات

 

يمثل الصراع في السودان إحدى أخطر الأزمات الإنسانية والسياسية في المشهد الدولي الراهن. فمنذ أبريل 2023، أدى النزاع بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع إلى نزوح واسع النطاق، وتفكك مؤسسي، وتدهور حاد في الأ وضاع الإنسانية.

 

كما يعكس هذا النزاع نمطا أوسع تتأثر فيه الصراعات الداخلية بالعلاقات الخارجية وتنافس المصالح الإقليمية. وقد أثارت تقارير متعاقبة لخبراء الأمم المتحدة مخاوف بشأن وجود دعم خارجي لجهات مسلحة تعمل خارج سلطة الدولة الرسمية، وهو ما ساهم في إطالة أمد الصراع وتعقيد جهود الوساطة.

 

وتبرز هذه الديناميات تحديا هيكليا يتمثل في تزايد الاعتماد على الانخراط غير المباشر عبر فاعلين محليين، إلى جانب محدودية آليات المساءلة على المستوى الدولي.

ويتمثل تحد إضافي في أن بعض أشكال الانخراط الدولي تبنى أحيانا على روايات جزئية أو غير مكتملة لطبيعة الصراع، الأمر الذي يؤدي إلى فهم غير كاف التعقيدات الأزمة، ويحد من فعالية الجهود الدبلوماسية وفرص الوصول إلى تسوية شاملة ومستدامة.

 

وفي هذا السياق، فإن أي مسار جاد نحو الحل يتطلب مقاربة سياسية أكثر شمولا تضع الأصوات السودانية في مركز العملية السياسية. ويشمل ذلك حواراً وطنيا واسعا يضم مختلف القوى السياسية والمجتمعية السودانية بدلا من الاعتماد على تمثيلات ضيقة أو ترتيبات مؤقتة قد لا تعكس التوازن الوطني الأوسع.

 

إن الحل المستدام يعتمد في نهاية المطاف على ملكية سودانية حقيقية للعملية السياسية قائمة على التشاور الشامل وإطار وطني للانتقال يركز على التوافق و الشرعية المؤسسية، والحفاظ على وحدة الدولة.

 

وقد شملت الاستجابات الدولية فرض عقوبات والدعوة إلى وقف إطلاق النار، غير أن فعاليتها ما تزال محدودة بسبب تباين المصالح الجيوسياسية وضعف القدرة على التنفيذ.

 

وهكذا، فإن السودان يجسد سمة أوسع للنظام الدولي الناشئ فالصراعات في الدول الأضعف أو المتفككة تصبح أكثر عرضة لعدم الاستقرار الممتد عندما يغيب التوافق الدولي والداخلي معا.

 

الأمم المتحدة: ضرورة قائمة ولكن بقدرات مقيدة

 

عبر مختلف هذه الحالات، ما تزال الأمم المتحدة تؤدي دورا محوريا في التنسيق | الإنساني، والانخراط الدبلوماسي، والدفاع عن المعايير الدولية. غير أن قدرتها على تنفيذ القرارات تبقى محدودة بفعل الانقسامات داخل مجلس الأمن.

 

كما أن التوسع في استخدام حق النقض (الفيتو) وظهور صيغ دبلوماسية بديلة يعكسان تراجعا تدريجيا في احتكار السلطة داخل النظام الدولي. ورغم أن الأمم المتحدة ما تزال مؤسسة لا غنى عنها، فإن تأثيرها العملي في النزاعات السياسية ع الية الحدة أصبح أكثر تقييدا.

 

العولمة الاقتصادية تحت الضغط

 

لقد أصبحت العولمة الاقتصادية، التي نظر إليها سابقا باعتبارها محركا للنمو

المشترك، تتشكل بصورة متزايدة وفق اعتبارات استراتيجية. فأصبحت سلاسل الإ مداد، والأنظمة المالية، وتدفقات التكنولوجيا جزءاً من التنافس الجيوسياسي الأ وسع.

 

وبالنسبة للدول النامية، أدى هذا التحول إلى تضييق هامش السياسات الوطنية وزيادة التعرض للصدمات الخارجية. كما أصبح الوصول إلى الأسواق، والاستثمار والتكنولوجيا يتأثر بالاصطفاف السياسي بقدر تأثره بالكفاءة الاقتصادية.

 

وتعكس التقييمات الأخيرة لمارك كارني هذا التحول، حيث أشار إلى تأكل النظام ا لاقتصادي القائم على القواعد والتوقعات المستقرة. وهو ما يعبر عن إدراك أوسع بأن أسس النظام الاقتصادى لما بعد الحرب العالمية الثانية تمر بتحولات هيكلية

 

عميقة.

 

أما بالنسبة للجنوب العالمي، فإن التداعيات كبيرة، إذ إن تشظي الحوكمة الا قتصادية العالمية يهدد بتعميق عدم المساواة وتقليص القدرة على التنبؤ بمسارات التنمية.

 

نظام دولي انتقالي

 

إن النظام الدولي الحالي ليس أحادي القطبية، ولا متعدد الأقطاب بصورة مستقرة وكاملة، بل يمكن فهمه بوصفه نظاما انتقاليا.

 

المؤسسات ما تزال قائمة، لكن سلطتها أصبحت محل تنازع متزايد

 

المعايير الدولية ما تزال مستمرة، لكن تطبيقها غير متكافئ

 

التحالفات لا تزال قائمة، لكن الالتزامات أصبحت أكثر مشروطية

 

الخاتمة: الخيار الناشئ

 

إن النظام الدولي لا ينهار، بل يتطور والسؤال المركزي يتمثل في ما إذا كان هذا التطور سيوجه نحو تعزيز المؤسسات وترسيخ الاتساق المعياري، أم أنه سينزلق أكثر نحو ممارسات مجزأة وانتقائية ومرتبطة بالحسابات السياسية الظرفية.

 

وفي هذا السياق، يتضح أيضا أن النظام الدولي القائم على القواعد، والذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية وأدى إلى إنشاء الأمم المتحدة والنظام المتعدد الأطراف الحديث يواجه ضغوطا هيكلية متزايدة. وإذا لم يتم تعزيز هذا الإطار التأسيسي وتكييفه بصورة حاسمة مع الواقع الراهن، فإن النتيجة المرجحة ستكون فترة ممتدة من عدم اليقين النظامي.

 

ومن منظور الواقعية الكلاسيكية الجديدة، فإن هذا الغموض لا ينشأ فقط عن تحو لات توزيع القوة العالمية، بل أيضا عن التفاعل بين الضغوط البنيوية والحسابات السياسية الداخلية التي تشكل سلوك الدول في ظل نظام عالمي متشظ ومتغير.

 

أما بالنسبة للدول المتأثرة بالصراعات وعدم الاستقرار، فإن هذه التطورات ليست مجرد قضايا نظرية، بل تؤثر مباشرة على الأمن والحكم، وآفاق التنمية.

 

إن النظام العالمي يعاد تشكيله. وإلى أي مدى سيظل القانون قادرا على توجيه القوة، سيعتمد على الخيارات الجماعية التي ستتخذها الدول في المرحلة المقبلة.

 

2026 مايو

 

زر الذهاب إلى الأعلى