أعمدة الرأي

فريق شرطة حقوقي د . الطيب عبدالجليل حسين يكتب السودان: الدولة المعطاة والمصطنعه والمفروضه من الخارج: جدلية التوصيف والتشخيص وإعادة التعريف (16)

 

الانقلابات الهجينة المدنية – العسكرية وأثرها على الشرعية الدستورية (7)

————————————

هذه المقالة، وما سبقها من مقالات، تُقدّم خلاصةً تأسيسية لمسارٍ فقهي– سياسي–دستوري–قانوني ذي طابع بحثي واستقصائي متكامل، يهدف إلى تتبّع وتحليل العلاقة المركبة بين الفقه، والسلطة السياسية، والبنية الدستورية، والتنظيم القانوني، بوصفها عناصر متداخلة في صياغة فلسفة العدالة الجنائية وبناء وظائفها داخل الدولة الحديثة، وفي تشكيل رؤيتها للشرعية والسيادة ووظيفة القانون وحدود السلطة. وينطلق هذا المسار من قراءة تاريخية ونقدية وتحليلية للتحولات التشريعية والمؤسسية والفكرية التي مرّت بها منظومة العدالة الجنائية في السودان، من خلال الربط بين البنية التصورية للنصوص التشريعية الجنائية، والسياقات السياسية والدستورية التي نشأت فيها، والمرجعيات الفكرية والمعيارية التي حكمت تطورها وأعادت توجيه وظائفها.

وفي هذا الإطار، تسعى هذه القراءة إلى الكشف عن الأسس الفلسفية العميقة التي أعادت تشكيل العلاقة بين القانون الجنائي والسلطة والشرعية داخل الدولة الحديثة، وكيف تحوّلت العدالة الجنائية، في كثير من مراحل تطورها، من إطارٍ قانوني محايد لإدارة الخصومة الجنائية إلى جزءٍ من البنية السياسية والدستورية لإنتاج الشرعية وإدارة المجالين السياسي والاجتماعي. كما يفضي هذا المسار التحليلي، في نهايته، إلى إعادة قراءة فلسفة العدالة الجنائية في ضوء التصور القرءاني ومرئيات الفقه السياسي الإسلامي الكلاسيكي، ولا سيما عند الماوردي وابن خلدون، بوصفهما إطارًا تأسيسيًا لفهم مبدأ الفصل بين وظائف العدالة الجنائية، وحدود السلطة داخلها، والتمييز بين سلطة جمع الوقائع والمعلومات، وسلطة الاتهام والخصومة، وسلطة القضاء والفصل في الدعوى الجنائية، بما يضمن تحقيق التوازن بين مقتضيات السلطة ومتطلبات العدالة وسيادة حكم القانون.

وفي هذا السياق، لا تُفهم العدالة الجنائية بوصفها مجرد منظومة تقنية لإدارة الدعوى الجنائية أو تنظيم إجراءات الاتهام والمحاكمة، وإنما بوصفها انعكاسًا لفلسفة الدولة ذاتها ولموقع السلطة داخل بنيتها السياسية والدستورية. ومن ثم، فإن تطور التشريع الجنائي والإجرائي في السودان، لم يكن تطورًا محايدًا أو منفصلًا عن التحولات السياسية، بل ارتبط بصورة وثيقة بطبيعة الدولة السودانية وبالتصورات الفكرية التي حكمت علاقتها بالقانون والسيادة والشرعية منذ مراحل الانقلابات العسكرية –المدنية ابتداءً من عام 1958م، مرورًا بالثورات والانتفاضات الشعبية ومراحل الانتقال السياسي في الأعوام 1964م، 1985م، 2019م، حيث أعادت كل مرحلة إنتاج مفهوم الشرعية وحدود السلطة ووظيفة القانون الجنائي وفق تصوراتها الخاصة حول الدولة والعدالة والنظام العام.

وقد كشف هذا المسار البحثي أن منظومة الإجراءات الجنائية في السودان، شهدت تحولًا عميقًا من نموذج ذي جذور أنجلوسكسونية يقوم على مركزية الشرطة في التحري وإنتاج الوقائع تحت إشراف قضائي مستقل، إلى نموذج أقرب إلى البنية اللاتينية – القارية ذات الطابع النابليوني 1804م، حيث تميل سلطتا الاتهام والتحقيق إلى التمركز المؤسسي داخل النيابة العامة. ولم يكن هذا التحول مجرد تعديل تنظيمي في إدارة الدعوى الجنائية، بل مثّل تحولًا فلسفيًا – سياسيًا أعاد تعريف وظيفة العدالة الجنائية وموقعها داخل الدولة السودانية المعاصرة، بحيث أصبحت العدالة الجنائية جزءًا من مشروع السلطة في إنتاج الشرعية وإدارة المجالين السياسي والاجتماعي، لا مجرد منظومة محايدة لحماية الحقوق والحريات.

وفي ضوء هذا التحليل التاريخي–الفقهي–السياسي–الدستوري–القانوني المتكامل، الذي قام على تتبّع تطور منظومة العدالة الجنائية في السودان عبر دراسة التحولات التشريعية والمؤسسية، وتحليل أثر الانقلابات العسكرية–المدنية والثورات الشعبية ومراحل الانتقال السياسي في إعادة تشكيل مفهوم الشرعية ووظيفة القانون الجنائي، إلى جانب القراءة الفلسفية والمعيارية للعلاقة بين السلطة والعدالة، والمقارنة بين النموذج الأنجلوسكسوني والنموذج اللاتيني–القاري النابليوني 1804م في ضوء التصور القرءاني ومرئيات الفقه السياسي الإسلامي عند الماوردي وابن خلدون؛ برزت إشكالية بنيوية تتعلق بتداخل الوظائف الأساسية داخل العدالة الجنائية، ولا سيما بين وظيفة جمع الوقائع والتحري، ووظيفة الاتهام وإدارة الخصومة، ووظيفة الفصل القضائي، بما أضعف التمايز المؤسسي بين الشرطة والنيابة والقضاء، وأثّر في ضمانات الحياد وتكافؤ السلاح وحق الدفاع.

ومن هنا، انتهت هذه القراءة التحليلية إلى ضرورة إعادة التمييز المؤسسي بين ثلاث دوائر وظيفية متمايزة ومتكاملة: دائرة إنتاج الوقائع والمعلومات؛ ودائرة الخصومة والاتهام؛ ودائرة الحكم والفصل القضائي، باعتبار أن العدالة الجنائية لا تستقيم حين تجتمع هذه الوظائف داخل بنية جهة واحدة، لما يؤدي إليه ذلك من اختلال في التوازن الإجرائي والمعرفي الذي تقوم عليه العدالة الجنائية في جوهرها الفلسفي والمؤسسي.

وفي هذا الإطار، يكتسب التصور القرءاني للعدالة الجنائية أهمية تأسيسية، لأنه يقدّم بناءً فلسفيًا ومعياريًا عميقًا لمفهوم الخصومة ووظائف العدالة، يتجاوز في أبعاده المرجعية كثيرًا من النماذج الوضعية الحديثة. فالقرءان الكريم يُقرّر بجلاء أن موقع الخصم لا يلتبس بموقع الحَكَم، وأن امتلاك الوقائع والمعلومات يختلف عن امتلاك سلطة الحكم أو امتلاك المعايير القانونية، وهو ما يتجلّى في قصة موسى عليه السلام مع العبد الصالح في سورة الكهف، حيث يكشف البناء القرءاني أن المعرفة بالوقائع ليست هي ذاتها المعرفة بالحكم أو بالمآلات؛ فالعبد الصالح كان مالكًا للوقائع والمعرفة الجزئية المرتبطة بحقائق الأحداث والواقعات، بينما كان موسى عليه السلام يتحرك وفق معيار القانون والوحي الظاهر. ويؤسس هذا البناء القرءاني لفكرة جوهرية مفادها، أن امتلاك المعلومات والوقائع يختلف عن امتلاك سلطة التفسير والحكم، وأن الجمع بين هذه المواقع المختلفة في بنية واحدة، يهدد العدالة، ويخلّ بالتوازن المعرفي والإجرائي الذي تقوم عليه.

كما يؤكد القرءان الكريم هذا المعنى في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ)، سورة لحجرات، الآية: 6)، حيث تُرسّخ الآية قاعدةً معياريةً عليا في بناء المعرفة والحكم، مؤداها أن الخبر أو الواقعة لا تكتسب قيمتها القانونية أو المعرفية بمجرد نقلها أو الادعاء بها، وإنما تخضع لواجب التثبت والتحقق قبل ترتيب أي أثر عليها. فالآية الكريمة تؤسس لمبدأٍ جوهري في العدالة، وهو أن مصدر الخبر أو طرف الخصومة، لا يُمنح بذاته صفة الحياد أو الحجية المطلقة، لأن الإنسان – بحكم طبيعته وموقعه داخل النزاع – قد يكون مدفوعًا بالهوى أو المصلحة أو سوء التقدير، الأمر الذي يقتضي إخضاع الوقائع والمعلومات لرقابة التبيّن والفحص الموضوعي.

ويتعزز هذا المعنى القرءاني في قوله تعالى: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ۗ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ ۚ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا)، سورة [الكهف، الآية: 50). فالفسوق هنا لا يظهر بوصفه مجرد خروجٍ شكلي عن الأمر، وإنما يتجلى في صورة ادعاءٍ ومنازعةٍ مؤسسة على تصور ذاتي للحق والأفضلية، وهو ما يتضح في قوله تعالى حكايةً عن إبليس: (قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ ۖ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ)، سورة الأعراف، الآية: 12). فإبليس قدّم دعوى قائمة على استدلال ذاتي وتقدير منحاز، حاول من خلاله تأسيس موقفه وشرعنته، رغم افتقاره إلى معيار الحق الموضوعي الذي يعلو على مجرد الادعاء والمصلحة والهوى.

ومن خلال الربط بين هذه الآيات، يتبين أن الخطاب القرءاني يؤسس لفكرةٍ مركزية، مفادها أن الادعاء أو نقل الوقائع لا يكفي بذاته لإنتاج الحقيقة أو بناء الحكم، وأن الخصومة بطبيعتها مجال للتداعي والتنازع وتقديم الروايات المتعارضة، الأمر الذي يجعل التثبت والتحقق شرطًا لازمًا للوصول إلى العدالة. فكل دعوى، مهما بدا ظاهرها، تحتاج إلى معيار مستقل للتبيّن، وإلى جهة لا تندمج في منطق الخصومة ذاته، حتى لا تتحول عملية إنتاج الوقائع إلى وسيلة لفرض رواية طرفٍ بعينه بوصفها الحقيقة النهائية.

ومن ثم، فإن إنتاج الوقائع والمعلومات في المجال الجنائي، لا يُعد عملًا محايدًا بذاته، بل هو عملية معرفية وإجرائية مركبة تستوجب الرقابة والفصل بين الجهة المنتجة للوقائع والجهة التي تبني عليها الحكم أو الاتهام. فالذي يجمع المعلومات أو يصوغ الرواية الأولية للحدث قد يتأثر – بحكم موقعه داخل الخصومة أو بحكم تصوراته المسبقة – بمنطق الإثبات لصالح رواية معينة، ولذلك، تقتضي العدالة وجود تمايز مؤسسي ووظيفي بين سلطة جمع الوقائع والاستدلالات، وسلطة الاتهام والخصومة، وسلطة الحكم والفصل القضائي.

وفي هذا السياق، يتضح أن التصور القرءاني لا ينظر إلى العدالة باعتبارها مجرد نتيجة نهائية أو حكم يصدر في ختام النزاع، وإنما باعتبارها منهجًا في بناء المعرفة ذاتها، يقوم على التثبت، والتبيّن، والفصل بين مواقع الخصومة والحُكم، وعدم التسليم بادعاءات الأطراف أو الروايات المنتجة داخل النزاع، إلا بعد إخضاعها لرقابة موضوعية ومعيارية مستقلة، وهو ما يشكل أساسًا فلسفيًا عميقًا لمبادئ الحياد، وتكافؤ السلاح، وضمانات المحاكمة العادلة في العدالة الجنائية الحديثة.

وانطلاقًا من هذا التصور القرءاني، يمكن فهم جانبٍ مهم من فلسفة العدالة الجنائية في الفقه السياسي الإسلامي الكلاسيكي، كما عند الماوردي وابن خلدون، حيث عرفت التجربة الإسلامية المبكرة – قبل نشأة الدولة الحديثة وتبلور نظرياتها الدستورية والمؤسسية المعاصرة – إدراكًا واضحًا لفكرة الفصل الوظيفي داخل منظومة العدالة الجنائية، والتمييز بين وظائف السلطة المختلفة، ولا سيما بين وظيفة الشرطة – صاحب الشرطة وأعوان السلطان – ووظيفة الادعاء أو الحسبة، ووظيفة القضاء. فقد أدرك الفقه السياسي الإسلامي، في سياقه التاريخي المبكر، أن العدالة لا تستقيم إذا اجتمعت سلطة جمع الوقائع والمعلومات، وسلطة الخصومة – الادعاء والاتهام، وسلطة الحكم الفاصل في الخصومة، داخل جهة واحدة، لأن ذلك يُفضي إلى اختلال الحياد وامتزاج منطق السلطة بمنطق القضاء.

فالماوردي، في الأحكام السلطانية، يميز بين ولاية القضاء التي تقوم على الفصل في الخصومات وفق الحجة والبينة وأحكام الشرع، وبين ولاية الشرطة التي تضطلع بحفظ النظام العام، وتتبع الجرائم، وضبط الوقائع والمخالفات، وتنفيذ أوامر السلطان وسياساته في مجال الأمن والاستقرار العام. وبذلك، أدرك الفقه السياسي الإسلامي مبكرًا أن صاحب الشرطة وأعوان السلطان، يتعاملون بحكم وظيفتهم مع المجال الاجتماعي بما يشتمل عليه من مواطن الرذيلة والانحراف والاشتباه والخصومات، لأن وظيفتهم تقوم على جمع المعلومات والاستدلالات، وتتبع الوقائع، وضبط الأمن، ومباشرة مقتضيات السياسة السلطانية في حفظ النظام العام، بينما يظل القاضي بمنأى عن هذه البيئات حفاظًا على مقام الحياد والتجرد القضائي، وحتى لا تختلط وظيفة الحُكم بوظيفة الملاحقة والمطاردة بتقفي أثر الفوضويين أو التحري وجمع المعلومات أو منطق السلطة التنفيذية.

ويتعزز هذا المعنى عند ابن خلدون في كتاب المقدمة المبتدأ والخبر، حين يقرر أن القضاء وظيفة شرعية مستقلة، غايتها الفصل بين الناس وفق العدل وإقامة أحكام الشرع، بينما ترتبط وظائف السلطان وأعوانه – ومنهم صاحب الشرطة – بمنطق الغلبة والعصبية الذي تقوم عليه الدولة في أصل تشكّلها السياسي. فابن خلدون ينظر إلى الدولة بوصفها قائمة، في جانب من جوانبها الواقعية، على القوة والعصبية والقدرة على حمل الناس على مقتضى النظام والطاعة، وهو ما يجعل وظائف السلطان التنفيذية والأمنية متصلة بطبيعة السلطة ومقتضيات الهيمنة وحفظ الاستقرار. ومن ثم، فإن وظيفة الشرطة في هذا التصور، ليست وظيفة قضائية محايدة في أصلها، وإنما هي جزء من أدوات السلطان في فرض النظام العام وضبط المجتمع ومنع الفوضى، بما قد يقتضي استعمال القوة أو الإكراه أو الملاحقة الأمنية في مواجهة الجريمة والانحراف.

ولهذا السبب، كان القاضي في التصور الإسلامي الكلاسيكي لا يباشر أعمال التحري وجمع الوقائع والمعلومات بنفسه، ولا يختلط بوظائف الشرطة التنفيذية، لأن العدالة – في منطقها الشرعي والأخلاقي – لا تتحقق إلا بوجود مسافة وظيفية ومعيارية بين من يجمع الوقائع والمعلومات تحت تأثير مقتضيات السلطة وحفظ النظام، وبين من يفصل فيها وفق مقتضيات الحُجة والعدل والتجرد. فالقاضي، لا ينبغي أن يكون جزءًا من منطق الغلبة أو العصبية أو أدوات السلطان التنفيذية، وإنما يجب أن يبقى في موقع مستقل ومحايد، يزن الوقائع والأدلة بميزان العدالة، لا بميزان القوة أو مقتضيات السياسة.

ومن هنا، يكشف الفقه السياسي الإسلامي الكلاسيكي، عن إدراك مبكر للفصل الوظيفي داخل منظومة العدالة الجنائية قبل ظهور الدولة المعاصرة ونظريات الفصل المؤسسي الحديثة، إذ قام هذا الإدراك على التمييز بين سلطة جمع الوقائع وضبط الأمن التي تضطلع بها الشرطة وأعوان السلطان، وسلطة الادعاء والخصومة، وسلطة القضاء والفصل في النزاع والخصومة، بما يمنع تركّز هذه الوظائف داخل جهة واحدة، ويحول دون تحوّل العدالة إلى امتداد مباشر لمنطق السلطة والغلبة السياسية.

ومن ثم، يكشف التراث الفقهي والسياسي الإسلامي، عن تصور مبكر لفكرة الفصل الوظيفي داخل العدالة الجنائية، بما يقترب – في جوهره – من بعض الأسس الحديثة للمحاكمة العادلة والمنصفة، وإن اختلفت البنية المؤسسية والسياقات التاريخية. فصاحب الشرطة، يملك الوقائع والمعلومات الأولية المستظهرة من المجال الاجتماعي، لكنه لا يملك سلطة الإدانة أو الحكم الفاصل في الخصومة والنزاع؛ والنيابة العامة أو جهة الادعاء، تمثل مصلحة الجماعة في الخصومة وإقامة الدعوى؛ بينما يظل القضاء سلطة مستقلة ومحايدة، تتولى الفصل في النزاع والخصومة على أساس من التحقق القانوني والواقعي معًا.

وفي ضوء ذلك، فإن الإشكال البنيوي الذي تعاني منه بعض النظم الجنائية المعاصرة، ولا سيما النظم المنتمية إلى العائلة القانونية اللاتينية – القارية–الأوروبية (Latin–Continental European Legal Tradition)، لا يقتصر على مجرد التنظيم الإجرائي للدعوى الجنائية، وإنما يتمثل في الكيفية التي أُعيد بها دمج وظائف التحري والاتهام داخل بنية مؤسسية واحدة. إلا أن هذه العائلة القانونية ليست كتلةً واحدة متجانسة؛ إذ ينبغي التمييز بين التقليد الروماني–الجرماني (Romano–Germanic System) بوصفه الإطار الأوسع للقانون المدني الأوروبي، وبين النموذج اللاتيني–القاري ذي الجذور النابليونية الفرنسية (Napoleonic Model)، الذي اتجه تاريخيًا إلى تمركز سلطتي الاتهام والتحقيق داخل النيابة العامة وأجهزة الادعاء.

فالتقليد الروماني–الجرماني، في صورته العامة، يقوم على تقنين القانون وإعلاء دور الدولة والقانون المكتوب، لكنه لا يقتضي بالضرورة دمج وظائف العدالة الجنائية أو تركيزها داخل جهة واحدة؛ إذ عرفت بعض النظم المنتمية إليه صورًا متعددة من الفصل بين سلطات التحقيق والاتهام والحكم الفاصل في الخصومة، كما في التجربة الألمانية وبعض النماذج الأوروبية التي سعت إلى تعزيز الرقابة القضائية على أعمال الادعاء والتحري منفصلين عن بعضهم البعض. أما النموذج اللاتيني–القاري المتأثر بالموروث النابليوني الفرنسي، فقد اتجه بصورة أوضح إلى توسيع دور النيابة العامة في الإشراف على التحريات وتوجيه أعمال الشرطة وإدارة مرحلة ما قبل المحاكمة، مع احتفاظها في الوقت ذاته بوظيفتها الأصلية كطرف في الخصومة الجنائية ممثلًا لسلطة الاتهام العام.

ومن هنا، فإن الإشكال البنيوي يبرز بصورة أكبر في النظم المتأثرة بالبنية النابليونية اللاتينية–القارية، حيث تجتمع لدى النيابة العامة سلطة الإشراف على التحري وإنتاج الوقائع والمعلومات، مع سلطة الاتهام والخصومة، الأمر الذي يؤدي إلى تداخل وظيفي يمسّ الحياد الإجرائي، ويُضعف التوازن بين سلطة الدولة وحقوق الفرد، لأن الجهة التي تشرف على بناء الرواية الوقائعية الأولية هي ذاتها الجهة التي تتبنى الاتهام وتدافع عنه أمام القضاء.

وبذلك، فإن الإشكالية لا تتعلق بمجرد الانتماء إلى نظام القانون المدني الأوروبي في عمومه، وإنما ترتبط بصورة أدق بدرجة تركّز الوظائف داخل البنية المؤسسية للعدالة الجنائية – النيابة العامة – الشرطة – القضاء الجنائي، وبمدى تحقق الفصل الفعلي بين سلطة جمع الوقائع والمعلومات والاستدلالات، وسلطة الاتهام والخصومة، وسلطة القضاء والفصل في الدعوى الجنائية.

وبذلك، تفضي هذه الرؤية التحليلية إلى نتيجة تأسيسية، مفادها أن إصلاح العدالة الجنائية لا يتحقق بمجرد تعديل قانون الإجراءات الجنائية في السودان أو إعادة توزيع الاختصاصات الإدارية، وإنما يقتضي إعادة بناء فلسفة العدالة الجنائية ذاتها على أساس الفصل العضوي بين ثلاث نظريات متكاملة: نظرية جمع الوقائع والمعلومات والاستدلالات بوصفها وظيفة فنية–إدارية تضطلع بها الشرطة؛ ونظرية النيابة العامة بوصفها جهة ادعاء واتهام تمثل المجتمع في الخصومة الجنائية؛ ونظرية القضاء الجنائي بوصفه سلطة مستقلة ومحايدة تتولى الفصل في الدعوى الجنائية وفق معايير العدالة والحياد وسيادة حكم القانون.

ومن هنا، يصبح البحث في فلسفة العدالة الجنائية في الإسلام، على هدي القرءان الكريم ومرئيات فقهاء الإسلام، ولا سيما الماوردي وابن خلدون، مدخلًا تأسيسيًا لإعادة قراءة النظم الجنائية المعاصرة، سواء في إطار النظام الأنجلوسكسوني (Common Law) أو النظام الروماني–الجرماني (Romano–Germanic System)، من زاوية فلسفة الفصل الوظيفي-العضوي بين سلطات العدالة الجنائية وحدود السلطة داخلها. فالتصور القرءاني، وما استند إليه الفقه السياسي الإسلامي الكلاسيكي، يكشف عن إدراك مبكر لفكرة التمييز بين سلطة جمع الوقائع والمعلومات، وسلطة الخصومة والاتهام، وسلطة القضاء والفصل في الخصومة الجنائية، وهي الفكرة التي أصبحت لاحقًا من المرتكزات الجوهرية لضمانات المحاكمة العادلة المنصفة في الفكر الدستوري والقانوني الحديث.

وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى بعض مرتكزات النموذج الأنجلوسكسوني، القائم على الفصل بين أجهزة التحري والادعاء والقضاء، بوصفها أكثر اقترابًا – في جانبها الوظيفي – من هذا التصور المعياري الذي يميز بين من ينتج الوقائع ومن يفصل فيها. كما يمكن إعادة قراءة بعض تطورات النظام الروماني–الجرماني، ولا سيما اتجاهاته الحديثة نحو تعزيز الرقابة القضائية وضبط سلطات الادعاء والتحقيق، باعتبارها محاولات لإعادة التوازن بين مقتضيات فاعلية الدولة في مكافحة الجريمة وبين ضمانات الحياد والحرية الفردية.

ومن ثم، فإن استدعاء التصور القرءاني والفقه السياسي الإسلامي في دراسة العدالة الجنائية، لا يهدف إلى مجرد استحضار تاريخي أو إسقاطٍ تراثي على الواقع المعاصر، وإنما يرمي إلى بناء إطار فلسفي ومعياري، يمكن من خلاله إعادة تقييم النظم الجنائية الحديثة، وتطوير نموذج للعدالة الجنائية يحقق التوازن بين مقتضيات حماية المجتمع وفاعلية الدولة في مكافحة الجريمة، وبين ضمانات الحرية الفردية والمحاكمة العادلة المنصفة، والفصل المؤسسي بين وظائف جمع الوقائع والمعلومات والاستدلالات، ووظائف الادعاء والخصومة، ووظائف القضاء والفصل في الدعوى الجنائية.

وبذلك، مرئيات هذا المسار البحثي، يفتح المجال لاحقًا لتناول نظرية جمع الاستدلالات الوقائعية والمعلوماتية، ونظرية النيابة العامة، ونظرية القضاء الجنائي، بوصفها نظريات متمايزة ومتكاملة داخل البناء الفلسفي والمؤسسي للعدالة الجنائية الحديثة، بما يسمح بإعادة بناء العلاقة بين السلطة والعدالة على أساس الحياد، والتوازن المؤسسي، وضمانات سيادة حكم القانون. ونواصل… فالحديث في هذا الباب متصل، وتفصيلاته ممتدة بين الفقه والدستور والقانون وفلسفة الدولة والعدالة.

فريق شرطة (حقوقي)

د. الطيب عبدالجليل حسين محمود

المحامي إستشاري القانون والموثق

08/ 05/ 2026م

زر الذهاب إلى الأعلى