مقالات الرأي

النظافة سلوك شخصي قبل أن تكون مسؤولية حكومية بقلم : ابرار إسماعيل

 

من أهم القيم الإنسانية والدينية التي حث عليها الإسلام، فهي ليست مجرد مظهر حضاري فحسب، بل سلوك راقٍ يعكس أخلاق الفرد ووعيه ومسؤوليته تجاه مجتمعه. وقد أولى ديننا الحنيف النظافة اهتماماً عظيماً، فجاءت النصوص الدينية والأحاديث النبوية مؤكدة على أهميتها، حتى أصبحت جزءاً أصيلاً من تعاليم الإسلام، لما لها من أثر كبير في حياة الإنسان وصحته وسلامة المجتمع.

ما دعاني للكتابة اليوم هو مشهد استفزني كثيراً، حين شاهدت بعض الشباب يرمون قشور الموز وقوارير المياه الفارغة في الشارع العام بكل لا مبالاة، وهي أمثلة تعكس الكثير من التجاوزات والاعتداءات على البيئة، وكأن نظافة المدينة ليست مسؤولية الجميع.

إن النظافة تبدأ من الفرد قبل أن تكون مسؤولية على عاتق الحكومة أو المؤسسات، فهي سلوك شخصي يعكس تربية الإنسان ومدى إحساسه بالمسؤولية تجاه البيئة التي يعيش فيها. فالفرد الواعي هو الذي يحافظ على نظافة منزله وشارعه وحيّه، ولا يرمي المخلفات في الطرقات أو الأماكن العامة، لأن ذلك لا يضر بالمظهر العام فقط، بل يؤدي أيضاً إلى انتشار الأمراض والأوبئة وتلوث البيئة.

ومن المؤسف أن بعض السلوكيات الخاطئة أصبحت تتكرر بصورة يومية في شوارعنا. فصباح اليوم، وأثناء توجهي إلى العمل، شاهدت عدداً من الشباب يستقلون سيارة، وأثناء سيرهم قاموا بإلقاء مخلفات وأكياس مياه في الشارع العام دون أدنى شعور بالمسؤولية، في مشهد يعكس غياب الوعي بأهمية النظافة والمحافظة على البيئة. ومثل هذه التصرفات هي التي تؤدي إلى تراكم الأوساخ وتشويه المدن مهما بذلت الجهات الحكومية من جهود في أعمال النظافة.

وفي المقابل، لا يمكن إنكار الدور الكبير الذي تقوم به محلية عطبرة ومساعيها الحثيثة في إزالة أكوام النفايات من الأسواق والطرقات العامة، حيث تجوب عربات النظافة الشوارع صباحاً ومساءً لجمع المخلفات، وتبذل جهوداً جبارة من أجل تحسين البيئة العامة، وهو جهد يستحق الإشادة والتقدير. لكن نجاح هذه الجهود لن يكتمل ما لم يكن هناك تعاون حقيقي من المجتمع، لأن النظافة مسؤولية مشتركة بين المواطن والحكومة، ولا يمكن لأي جهة أن تنجح بمعزل عن الأخرى.

ولابد من تفعيل القوانين الرادعة ضد من يلقون النفايات في الطرقات والأماكن العامة، إلى جانب تكثيف حملات التوعية، واستنفار الهيئات الشبابية، وإشراك الشباب والطلاب ومنظمات المجتمع المدني في حملات النظافة، حتى تصبح النظافة ثقافة وسلوكاً يومياً لدى الجميع.

إن المجتمعات النظيفة لا تُبنى فقط بعربات النظافة والإمكانات الحكومية، وإنما تُبنى أولاً بسلوك أفرادها ووعيهم. فحين يحرص كل شخص على النظافة في منزله وشارعه وبيئته، يصبح المجتمع بأكمله أكثر نظافةً وجمالاً وتحضراً.

وفي الختام، أؤكد أن النظافة ليست مسؤولية الحكومة وحدها، بل هي مسؤولية تبدأ من الفرد قبل أي جهة أخرى، وهي قيمة دينية وحضارية وإنسانية يجب أن نغرسها في أنفسنا وأبنائنا، حتى تصبح النظافة سلوكاً يومياً وثقافة مجتمعية تعكس الرقي والتحضر، وتسهم في بناء بيئة أكثر أمناً ونظافةً .

زر الذهاب إلى الأعلى