محمد ازهري مغردا على فيسبوك كلنا مجانين!!
أنا على يقين تام بأن شخصية الصديق العزيز بروف علي بلدو، لا تصلح للعيش في أي دولة غير السودان.
هو الشخص الوحيد الذي يحمل من كل تخصص شهادة، أبرزها طبيب نفسي ومحام وصحفي، ومهندس، ومذيع، ودرامي، وكاتب سيناريو، وحِرفي، وكثير مما لا نعلمه، لكن دعنا نقول إنه ميكانيكي ماهر، و(تِحت تِحت) مأذون شرعي.
ذات مرة دعانا لمؤتمر صحفي للأسف لم ألبي الدعوة، عقده في عيادته، بمناسبة توزيع نتائج امتحانات مدرسة الرومانسية التي أثارت جدلاً واسعاً حينها.
خلال المؤتمر أذاع اسماً واحداً فقط، قال: “الأول من واحد” أنور أحمد عثمان، ولم يُذِع الثاني، لأن الدارس كان شخصاً واحداً، وهو عالم الفلك الشهير بروف أنور، الذي قال إنه كان متوتراً للغاية لحظة إعلان النتيجة خوفاً من أن “يجي الطيش”.
عندما وزع بلدو رقاع الدعوة لأول دورة لمدرسته، قال الناس أن الرجل مجنون، لا أحد في السودان سيلتحق بها، فكان أول المُسجلين وأخرهم (الأجّن منه)، الرجل الساخر، بروف أنور.
الطريف في الأمر أن بروف أنور كان فخوراً بإحرازه المرتبة الأولى أكثر من استلامه للشهادة، وذكر ذلك بكل فخر في حلقة تلفزيونية جمعتنا معاً، وقال إنه الشخص الوحيد في السودان الذي أحرز المرتبة الأولى في مدرسة الرومانسية، لصاحبها علي بلدو. وكادت المذيعة ذكرى عبد الوهاب أن “تموت من الضحك” عندما سألته: الفصل فيه كم؟ فرد: فيه واحد، لكن لو أنا ما شاطر كان عادي ممكن أجي الطيش.
علي بلدو عندما توفيت والدته، عليها رحمة الله، كان يذهب إلى المقابر وينام جوار قبرها حتى الصباح.
تجده في العيادة، ودور الصحف، والمناسبات الاجتماعية، وكل القنوات الفضائية، بذات الشخصية اللطيفة المرحة.
ذات مرة زرته في عيادته بشارع الدكاترة أم درمان، وجدتها مكتظة بالمرضى، وكل مريض معه مرافقه. أخبرته أنني في الاستقبال، فاتصل على الموظف وطلب منه أن يدخلني. إحدى المرافقات احتجت ومنعتني الدخول، ظنت أنني مريض. حاول الموظف شرح الموقف وأوضح لها أنني صحفي، فوافقت على مضض وهي تردد: “صحفي شنو، أدخل قابل ساي، المؤمن مصاب وكلنا مجانين”.
علي بلدو حاجة سودانية خالصة، زول معمول بتراب من أرض السُمر والنيل، وهو الشخص الوحيد الذي لا تعرف له قبيلة، ولا منطقة معينة.
علي بلدو لا يستطيع العيش في بيئة هادئة، خالية من الضجيج، فهو نشط يحب النشاط، وكذلك لا يتأقلم على طبيعة بلد “ما فيه مجانين”، لأنه يعشق مرضاه ويحب تطبيبهم، ويصنع تفاصيل يومه من قصصهم ورواياتهم المستدعا من عالم آخر.
بلدو ولو هاجر فإنه سيعود قريباً. البلد الآن في أشد الحاجة إليك، آثار الحرب على الصحة النفسية والعقلية شيء لا يوصف. افتح عيادتك وكلنا محتاجينك يا عمك “الما جن فقد المحنة”، وسجل عندك أول مريض محمد أزهري، عندي نفسيات، ولم تخطئ تلك السيدة حينما قالت “كلنا مجانين”.


