من “السرايا” بحي الثعالبة إلى “النعيم” في شمال العروس

جدة تشهد أكبر إنجاز دبلوماسي سوداني في العالم، متجاوزا الحجر، ومرسخا للهيبة والسيادة الوطنية.
خمسة آلاف متر مربع ترسم ملامح عصر جديد لمقر القنصلية السودانية الجديد.
مقر سيادي دبلوماسي متكامل يجمع شتات المؤسسات السودانية تحت سقف واحد.
السودان والمملكة تاريخ من المحبة والتكافل والشراكة الإنسانية .
جده: الخليل الاخباري
تقرير: عبداللطيف السيدح
لم تكن العلاقة بين السودان والمملكة العربية السعودية يوما ما علاقة مصالح عابرة أو تعاون مؤقت، لكنها حفرت بجذورها عميقا في قلب التاريخ والوجدان، ونسجتها العقيدة الواحدة، والجوار الروحي، والمحبة الفطرية اللدنية السرمدية بين الشعبين الشقيقين.
*العناية الخاصة*
إنه ومنذ توحيد المملكة على يد المؤسس الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود *طيب الله ثراه*، ظلت القيادة تولي الجالية السودانية عناية خاصة، وتفتح لها أبواب العمل والرزق والاستقرار، حتى أصبح السوداني في هذه البلاد المباركة يشعر أنه بين أهله وناسه، يجد التقدير والمحبة والاحترام في كل مدينة وفي كل شارع،وفي كل مؤسسة، وفي المقابل ظل السودانيون حكومات وشعبا يحملون للمملكة قيادة وشعبا مكانة استثنائية لا تشبه أي علاقة أخرى، لما رأوه من كرم الاحتضان، ونبل المواقف، والرعاية الصادقة لضيوف الرحمن وأبنائهم المقيمين على الأرض الطاهرة.
*أكبر مقر دبلوماسي*
ومن قلب عروس البحر جدة، المدينة التي ظلت شاهدة على تاريخ هذه العلاقة الأخوية، وقع الحدث الأكبر الذي يمكن اعتباره نقطة تحول كبرى في تاريخ الدبلوماسية السودانية بالمملكة، وذلك بتوقيع اتفاقية شراء أكبر مقر للقنصلية السودانية العامة بجدة، في إنجاز غير مسبوق يؤسس لمرحلة جديدة من الحضور السوداني الرسمي، ويعيد رسم صورة الدولة السودانية في واحدة من أهم عواصم العالم الإسلامي، وفي لحظة اختلطت فيها مشاعر الفخر بالتاريخ،والوفاء بالمستقبل، شهدت قاعة الشرق بهيلتون جدة حدثا دبلوماسيا سيظل محفورا في ذاكرة السودانيين لأجيال طويلة.
*مكرمة ملكية*
وقد وقع سعادة القنصل العام بجدة الدكتور كمال علي عثمان طه بصفته ممثلا لحكومة جمهورية السودان، ووكيل صاحبة السمو الملكي الأميرة عبطاء بنت مقرن بن عبدالعزيز آل سعود على عقد شراء خمسة آلاف متر مربع بمبلغ وقدره “29” مليون ريال، بتمويل من بنك الخرطوم وقد بلغت قيمة الصفقة في مراحل مفاوضات شرائها “38” مليون ريال إلا أن صاحبة السمو الملكي تنازلت مشكورة عن مبلغ 9 ملايين ريال إكراما لشعب السودان الذي يجد تقديرا ومحبة خاصة لدى أهل المملكة.
*الصرح السيادي*
لقد أثبتت المفاوضات الشاقة التي استغرقت عاماً ونصف العام، وتوجت بهذا الانجاز التاريخي، أن تشييد مقر جديد ملك حر لجمهوربة السودان، ليس مبنى إداريا، إنما صرح سيادي متكامل يعكس مكانة السودان وعلاقته الراسخة بالمملكة العربية السعودية، وإن هذا الإنجاز لا يقاس بالأمتار ولا بالمباني وحدها، بل بما يحمله من دلالات وطنية وتاريخية، وبما يمثله من انتقال نوعي للدبلوماسية السودانية من مرحلة المقرات المستأجرة والظروف المؤقتة، إلى مرحلة الحضور المؤسسي الراسخ والدائم في قلب جدة.
*الصفقة الأضخم*
إن التاريخ الذي بدأ ذات يوم بإنشاء القنصلية القديمة بحي الثعالبة وكما كان يطلق عليها أهل جدة “السرايا” لشدة جمالها وفخامتها يعود مجددا ليكتب فصلا جديدا أكثر اتساعا وهيبة وتأثيرا، وسيبقى هذا اليوم محفورا في ذاكرة السودانيين، لأنه يمثل تحولا استراتيجيا في مسار العمل الدبلوماسي السوداني بالمملكة العربية السعودية، ويمكن وصفه بالحدث الاستثنائي، والصفقة الأضخم في تاريخ الدبلوماسية السودانية الحديثة خارج الحدود.
*المدينةالديبلوماسية*
وامتلاك 5000 آلاف متر مربع في أرض الطهر والنقاء، وعلى مقربةٍ من قبلة أكثر من ملياري مسلم، يؤكد أن مرحلة جديدة من الحضور السوداني الرسمي القوي ستنطلق مجدداً بالمملكة عنوانها الثبات والهيبة والرؤية بعيدة المدى، لأن هذا المشروع لن يكون مبان صماء كما يعتقد البعض، بل مدينة دبلوماسية سودانية متكاملة، مكتب القنصل ونوابه البعثة الدبلوماسية والبعثة الإدارية والمكتب الفني وإدارة الجوازات، والملحقية التعليمية، إلى جانب صالة خدمات الجمهور الضخمة بمساحة ألف متر مربع، مجهزة بالكاونترات الأنيقة، والحواسيب الحديثة، وشبكة أنترنت ضخمة، واستفادة قصوى من نعمة الذكاء الاصطناعي، كما تتبع للمقر أكبر مساحة لمواقف السيارات، وحديقة للأطفال.
*السقف الواحد*
وسيجد المراجعون لأول مرة مركزا موحدا يضم تحت سقفه مختلف المؤسسات والشركات والبنوك السودانية العاملة بالسعودية، ومكاتب شركات الطيران والنقل البحري، ووكالات الشحن، وهى خطوة تعكس فهما جديدا لمعنى العمل القنصلي الحديث، الذي لا يقتصر على استخراج الوثائق والمعاملات، وإنما يمتد ليصبح مركزا وطنيا متكاملا يجمع الدولة ومؤسساتها ورعاياها في فضاء واحد، ويمكن وصف ماتحقق بالإنجاز الوطني والدبلوماسي، والهندسي، والمالي، الذي يؤكد قوة إرادة الأمة السودانية، ورسالة إلى بريد أعداء الوطن، مفادها أن الدول الحية تبنى بالرؤية، لا بالضجيج، وبالعمل، لا بالشعارات.
*المجد والعلياء*
إن سعادة القنصل العام الدكتور كمال علي عثمان ونوابه ومساعدوه، لو لم يحققوا للوطن إلا هذا الإنجاز العظيم لكفاهم، فقد وضعوا حجر أساس سيبقى شاهدا للأجيال القادمة، وأعادوا للدبلوماسية السودانية هيبتها التاريخية بعد عقود من الإنتظار، ليعلن وطننا عن صعوده من جديد إلى علياء مجده الدبلوماسي، انطلاقا من مدينة الإتي، والأهلي والبحر الرايق جدة، برؤية أكثر اتساع، ومشروع أكبر حجما، وأعمق أثرا، وأبقى حضورا.
وكل إنجاز وأنتم بخير.


