مقالات الرأي

مضيق ضيق وعالم يضج بالصراعات البحر الأحمر ساحة النفوذ الدولي بقلم : السفير د. الصادق علي حاج الشيخ

 

في صباح ثقيل على ضفاف البحر الأحمر، لا يبدو الأفق مجرد خط أزرق يفصل السماء عن الماء، بل حد رفيع بين الاستقرار والانفجار. هنا، حيث تتقاطع القارات الثلاث – آسيا وإفريقيا وأوروبا – لا تتحرك السفن فقط، بل تتحرك معها خرائط النفوذ وأسعار النفط، وحسابات الأمن الدولي.

 

لم يعد البحر الأحمر مجرد ممر مائي ضيق؛ بل تحول إلى مسرح مفتوح لصراع طويل، تتداخل فيه السياسة بالتجارة، والأمن بالاقتصاد والدول الصغيرة بالكبيرة ضمن شبكة مصالح معقدة لا تهدأ.

 

يشكل البحر الأحمر وممراته الحيوية أحد أهم الشرايين الجيوسياسية والاقتصادية في العالم إذ يربط بين المحيط الهندي والبحر المتوسط عبر خليج عدن وباب المندب وقناة السويس، ما يجعله محورًا رئيسيا للتجارة العالمية ومرتكزا للتنافسات الإقليمية والدولية. ومع تصاعد التوترات تتزايد التساؤلات حول مستقبل الأمن البحري في هذا الممر الاستراتيجي.

 

التحديات الأمنية في البحر الأحمر

 

تشهد المنطقة تداخلاً معقدا في المصالح بين دول إقليمية مثل السعودية ومصر والسودان وإثيوبيا واليمن وإريتريا، إلى جانب قوى دولية تسعى لتأمين مصالحها التجارية والعسكرية. هذا التعدد في الفاعلين يخلق بيئة تنافسية قد تتحول إلى صراع نفوذ غير مباشر.

 

كما يعد باب المندب أحد أهم نقاط الاختناق البحري عالميا، وأي اضطراب فيه ينعكس فورا

 

على التجارة الدولية. وقد أسهمت الحرب في اليمن في تصاعد المخاطر الأمنية، بما في ذلك تهديد الملاحة والهجمات على السفن.

 

ورغم تراجع القرصنة في الصومال مقارنة بالسنوات الماضية، فإن هشاشة الأوضاع في القرن ا لإفريقي لا تزال تمثل تهديدا محتملا، في ظل ضعف القدرات البحرية لبعض الدول الساحلية.

 

السودان وأمن البحر الأحمر: عقدة الاستقرار المفقود

 

يمثل السودان حالة خاصة في معادلة البحر الأحمر، ليس فقط لامتلاكه شريطا ساحليا استراتيجيا، بل لكونه حلقة وصل بين عمق إفريقي واسع وممر دولي شديد الحساسية. لذلك فإن أي اهتزاز داخلي في السودان لا يبقى محليا، بل يمتد أثره سريعاً إلى البحر الأحمر وخليج عدن ثم إلى التجارة العالمية.

 

منذ اندلاع الأزمة الداخلية بتمرد مليشيا الدعم السريع، تراجع حضور الدولة السودانية بوصفها فاعلا منظما على سواحلها، ما أضعف قدرتها على ضبط الأمن البحري ومكافحة التهريب وضمان سلامة الملاحة. هذا التراجع خلق فراغا تدريجيًا في منظومة الرقابة الساحلية، وهي منظومة أساسية لاستقرار البحر الأحمر.

 

وقد أدى الانشغال الداخلي إلى ثلاث نتائج مباشرة

 

أولا: تزايد هشاشة الرقابة على الساحل، بما يفتح المجال أمام أنشطة غير نظامية. ثانيا: تراجع التنسيق الإقليمي، ما أضعف فعالية المنظومة الأمنية المشتركة.

 

ثالثا: اتساع قابلية التدويل غير المباشر عبر حضور خارجي متزايد مرتبط بالمصالح البحرية. ورغم ذلك، لا يمكن النظر إلى السودان من زاوية الأزمة فقط، فموانئه، وعلى رأسها بورتسودان ، تظل ذات قيمة استراتيجية عالية يمكن أن تتحول إلى مركز لوجستي يربط إفريقيا بالشرق | الأوسط إذا ما تحقق الاستقرار.

 

إن استقرار السودان ليس شأنا داخليا فحسب، بل عنصر حاسم في أمن البحر الأحمر. فكلما

 

استقر، تعزز الأمن البحري، وكلما طال أمد أزمته اتسعت دائرة عدم اليقين في واحد من أهم الممرات البحرية عالمياً

دور السعودية ومصر وإريتريا في دعم الاستقرار البحري

 

في هذا السياق، يبرز دور ثلاث دول محورية ترتبط مباشرة بالسودان والبحر الأحمر من السعودية، يحتاج السودان إلى استثمارات استراتيجية طويلة الأجل في الموانئ والبنية التحتية البحرية، وشراكات في الاقتصاد الأزرق والطاقة، إضافة إلى تعاون أمني في حماية الم لاحة.

 

ومن مصر، تتجلى الحاجة في التكامل اللوجستي بين قناة السويس والموانئ السودانية، ونقل

 

الخبرات في إدارة الموانئ، وتعزيز التنسيق الأمني في البحر الأحمر. أما من إريتريا، فتبرز أهمية التعاون الساحلي المباشر في الأمن البحري، ومكافحة التهريب و الهجرة غير النظامية، وتعزيز الاستقرار في الجنوب الغربي للبحر الأحمر.

 

ورغم اختلاف الأدوار، يبقى القاسم المشترك أن استقرار السودان البحري هو استقرار للبحر الأ حمر بأكمله.

 

تأثير إقفال مضيق هرمز على البحر الأحمر

 

عندما يذكر مضيق هرمز، لا ينظر إليه كممر محلي، بل كصمام عالمي للطاقة. وأي تهديد له ينعكس مباشرة على البحر الأحمر، الذي يتحول إلى مسار بديل لحركة التجارة العالمية.

 

هذا التحول يؤدي إلى زيادة الكثافة الملاحية في باب المندب وخليج عدن، ما يرفع المخاطر ا الأمنية ويزيد الضغط على الممرات الضيقة. كما يدفع القوى الدولية إلى تعزيز وجودها

 

العسكري واللوجستي في المنطقة. وبذلك، لا يبدو إقفال هرمز حدثا منفصلا بل محفرًا يعيد تشكيل الجغرافيا البحرية الممتدة من الخليج إلى البحر الأحمر، حيث تتداخل ملفات الطاقة والملاحة والصراعات الإقليمية.

 

الفرص الاستراتيجية في المنطقة

 

رغم التوترات، يظل البحر الأحمر واحدا من أهم الممرات الاقتصادية في العالم، وقابلا للتحول إلى منصة تنموية كبرى.

 

فهو يمثل فرصة لإعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية، وتطوير الموانئ والخدمات اللوجستية

 

، وتوسيع الاقتصاد الأزرق. كما يمكن أن تتحول الموانئ إلى مراكز تنموية تربط الداخل الإ فريقي بالأسواق العالمية.

 

كما أن التنافس الدولي، رغم مخاطره، قد يتحول إلى مصدر تمويل المشاريع البنية التحتية إذا ما أحسن استثماره ضمن رؤية إقليمية موحدة.

 

التوصيات لتعزيز أمن البحر الأحمر

 

تعزيز أمن البحر الأحمر يتطلب مقاربة شاملة تبدأ من بناء إطار إقليمي جامع يضم دوله، يقوم على مفهوم الأمن المشترك للممرات البحرية.

 

كما يجب تطوير منظومة أمن بحري مشتركة تجمع بين القدرات الأمنية والتقنية والا ستخباراتية، إلى جانب دعم الاستقرار الداخلي للدول الساحلية باعتباره أساس الأمن البحري. ويظل تطوير الموانئ وربطها بشبكات نقل حديثة عنصرًا أساسيا في تعزيز الأمن الاقتصادي

 

إلى جانب توسيع الاستثمار في الاقتصاد الأزرق والطاقة البحرية. كما أن التعاون الدولي يجب أن يتم ضمن إطار إقليمي موحد يمنع تحول البحر الأحمر إلى ساحة تنافس مفتوحة

خاتمة

 

يبقى البحر الأحمر في قلب معادلة عالمية معقدة، حيث تتقاطع الجغرافيا مع السياسة، والا قتصاد مع الأمن. ومستقبله يتوقف على قدرة دوله على التحول من منطق الصراع إلى منطق الشراكة.

 

فإما أن يبقى ساحة توتر مفتوحة على الاحتمالات، أو يتحول إلى فضاء استقرار وتنمية يربط القارات بدل أن يفصل بينها.

 

بايو الكاتب

 

السفير د. الصادق علي حاج الشيخ دبلوماسي وباحث في الشؤون الدولية والإقليمية. شغل مناصب دبلوماسية متعددة، وشارك في ملفات تتعلق بالتعاون الإقليمي والأمن البحري والعلاقات الدولية له إسهامات فكرية ومقالات تحليلية تركز على التحولات الجيوسياسية في الممرات الاستراتيجية، وتأثيرها على الاستقرار والتنمية في الدول المطلة على البحر الأحمر.

 

زر الذهاب إلى الأعلى