تأخير تسليم بطاقات نسك لحجاج السودان، فاقم من أزمة التوهان. كتب/ عبد اللطيف السيدح

مؤلم ومحزن ما يتعرض له حجاج السودان من حالات توهان في مكة المكرمة مابين الحرم ومقار سكنهم، وللأسف يحدث هذا قبل الصعود إلى المشاعر المقدسة مع الإرتفاع المتدرج في درجات الحرارة، وتصاب بالدهشة عندما تجد ضيفا من ضيوف الرحمن ذكرا كان أم أنثى سودانيا، لا يحمل بطاقة نسك التي وصفتها الجهات المختصة بطوق النجاة للحاج، وليست قطعة بلاستيكية أو رمزا إلكترونيا معلقا في العنق.
وتعتبر نسك خريطة طريق وأمان، وهوية تحفظ للحاج كرامته وتمنحه القدرة على الوصول والعودة والحركة وسط الكتل البشرية المتحركة التي تدفقت من كل فج عميق صوب مكة المكرمة.
وبطاقة نسك تشمل كل ما يحتاجه الحاج عنوان سكنه في مكة المكرمة، والمدينة المنورة واسم الموقع على الخريطة بالمشاعر المقدسة، وبيانات شركات الخدمة، وكل ما يمكن أن يساعد الحاج إذا تاه أو فقد الطريق أو احتاج إلى مساعدة عاجلة، ولأجل ذلك نرى حول حزام الحرم انتشار مراكز نسك عناية ، حيث يتولى موظفوها إعادة الحجاج التائهين إلى مقار سكنهم، في مشهد إنساني وتنظيمي يعكس حجم الجهد الذي تبذله المملكة العربية السعودية لخدمة ضيوف الرحمن .
ووسط هذا الزحام يتقافز أمام أعيننا سؤال يفرض نفسه بقوة، وهو إذا كانت بطاقة نسك بهذه الأهمية، فلماذا لا يتسلمها حجاج السودان فور وصولهم إلى ميناء جدة الإسلامي أو إلى مطار الملك عبدالعزيز الدولي؟ أو عند وصولهم إلى فنادقهم، ومن هى الجهة التي تسببت في تأخير تسليم بطاقات الحجاج، شركة مشارق يا ترى؟ أم الجهات المسؤولة ببعثة الحج السودانية؟.
ولماذا يسمح للحاج بالتوجه إلى الحرم دون أن يكون معه أهم مستند يثبت هويته نسك
وهذا ما حدث بالضبط لعدد من حاجيات ولاية القضارف، وبحسب إفاداتهن فإنهن وصلن مع أفواج الحجيج إلى الفندق ليلا قادمات من المدينة المنورة وبعد تناول وجبة العشاء، تمت مخاطبة الحجاج بالذهاب إلى الحرم لأداء العمرة دون أن يتم تسليمهم بطاقات نسك، وعندما طالبوا بالبطاقات* *قيل لهم التسليم صباح الغدا! وكانت النتيجة التوهان الكامل بعد أداء العمرة، ولولا عناية الله ، ثم فريق نسك عناية لتشتت الحجاج في الطرقات والأنفاق.
والسؤال كيف يسمح لحاج قادم لأول مرة، مرهق من السفر، لا يعرف الطرق ولا طبيعة المنطقة، أن يذهب إلى الحرم وسط هذا الزحام البشري الهائل دون بطاقة تعريف؟ وكيف يدفع به عمليا إلى احتمالات التوهان والضياع وربما المساءلة الأمنية أيضا؟
إن أزمة توهان حجاج السودان لم تعد حالات فردية معزولة، إنما أصبحت ظاهرة مرهقة، وتكررت ذات المشاهد بصورة تدعو إلى القلق بين حجاج ولايتي الخرطوم والنيل الأبيض الذين يتخذون من ربع بخش سكنا لهم.
وبعض الحجاج يحملون أساور تعريفية، وبعضهم يفقد بطاقاته، وآخرون لم يتسلموا شيئا أصلا، والنتيجة واحدة حجاج تائهون، وموظفون مستنزفون، وجهود إسعاف ميدانية تبذل لمعالجة مشكلة كان يمكن تفاديها منذ اللحظة الأولى.
وما نقوله ليس تقليلا من حجم الجهود المبذولة من قبل مسؤولي وموظفي بعثة الحج، وأمناء أمانات الحج بالولايات والسادة أمراء الأفواج الذين يعملون ليل نهار لخدمة حجاجهم، إنما هي دعوة لمراجعة نقاط الخلل الأساسية، فلماذا لا تعتبر بطاقة نسك جزءا من إجراءات الاستقبال الأولى، بحيث لا يغادر الحاج المطار أو الميناء إلا و نسك في عنقه؟ أما التعامل مع هذه البطاقات باعتبارها إجراء يمكن تأجيله إلى ما بعد الوصول إلى الفندق، أو إلى اليوم التالي، فهو تهاون بدورها ووظيفتها الحقيقية، لأنها ليست ترفا تنظيميا، إنما ضرورة أمنية وإنسانية وإرشادية.
وحين يتوه الحاج السوداني في شوارع مكة، فإن المعاناة لا تصيبه وحده، بل تمتد إلى زملائه، وإلى المشرفين، وإلى موظفي البعثة الذين يقضون ساعات طويلة في البحث والتواصل والمتابعة، بينما كان يمكن اختصار كل هذا الإرهاق بخطوة تنظيمية بسيطة لكنها حاسمة، علما أن نجاح موسم الحج لا يقاس بعدد الرحلات أو الفنادق أو الوجبات، إنما بقدرة الحاج على الشعور بالأمان والطمأنينة منذ لحظة وصوله وحتى عودته، ولهذا فإن ملف بطاقة نسك يجب ألا يبقى هامشيا أو مؤجلا، لأن الحاج التائه لا يحتاج بعد ضياعه إلى الاعتذار ، إنما من أول مرة إلى باركود في بطاقة صغيرة تحميه من التيه.


