مقالات الرأي

أُسَيْدياتُ الثُلاثاء عثمان الشيخ الأُسيد  يكتب إلغاء خطاب الرئيس

 

بدأ يوسفُ بلهجةٍ حادةٍ مشيرًا بيده نحو الشاشة قائلًا: بسبب هذا النوع من السودانيين سنترك متابعةَ البرامج في القنوات والمقابلات الشخصية، إن استضافةَ هؤلاء الذين ينطقون القاف غينًا، في كثيرٍ من الأحيان تؤدي بنا مقابلاتهم إلى الخجل، خاصةً عندما ينتبه المذيعُ- غير السوداني- ويحاول إخفاءَ ابتسامته الساخرة،ة. قلت له: لم تعلمنا المدارسُ النطقَ الصحيحَ منذ نعومة أظافرنا، فلا تلومنا أنت اليوم.. قال: على المتحدث أن يعلِّمَ نفسَه، أن أغلطَ أنا او أنت أو عامة الناس في نطق (القاف) وننطقها (غينًا) هذا شيء مقبول إلى حد ما، أما ان يصدرَ هذا الخطأ من إعلامي او ناطقٍ رسمي أو وزير أو أي شخصية من الشخصيات العامة، فهذه جريمةٌ يعاقب عليها الشرع والقانون..كيف لا يعرف أن اللغةَ تمثل ذِروة الفكر الإنساني كيف يريد أن ينقلَ أفكارَه للغير، وهو لا يملك أداةَ نقل المعرفة(اللغة)؟ قلت ليوسف: لقد انفعلت اكثر من اللازم، حتى أنَّك جعلتَ نطقَ القاف غينًا ذنبًا يُعاقب عليه الشرعُ. قال لي: نعم يُؤثم، ما حكم من يقول(البغاء لله) قلت: استغفر اللهَ العظيم، قال: ارأيت؟ انت أستغفرت الله.

قلت له: سوف أحكي لك طرفةً عن التباس الكلمات، وتاويلها..

كانت سيدةُ البيتِ تُحبُ القطط، وقررت ان تستقدمَ خادمةً ليكون من ضمن اهتماماتها القطط، سألت سيدةُ البيت الخادمةَ الجديدة: هل تُحبين القطط؟ قالت: إنني آكل كلَّ مايُقدم لي.

يحكي الممثلُ الساخرُ دك جريجوري أنه كان في مطعمٍ أيام التفرقة العنصرية، ففالت له النادلة: we dont serve colored people

فقال لها: that is fine I don t eat colored people I d like a piece of

Chicken

قال يوسف: نطقُ حرف القافِ غينًا، يُغيِّر المعنى تغييرا جذريا، وهذا الخطأ يقع فيه المتعلمون و غيرُ المتعلمين، والمثقفون وغير المثقفين ،ساكنو المدر وساكنو الوبر، العربُ فينا والعجم، ولا ينجو إلا الاخرسُ والاصم. قلتُ له: (مصائبُ قومٍ عند قومٍ فوائدُ) ولم نفكر ولم نجتهد في تصحيح هذا الخطأ كغيره من الأخطاء الشائعة لدينا ، لأننا لم نجتهد في التصحيح. قلت له: في هذه، أتفقُ معك، أي شيء فيه تغيير يصعب علينا، بل في غاية الصعوبة، والكلام عن التغيير، مرفوضٌ ومضيعةٌ للوقت، ويقطع علينا حبلَ الاسترسال في السياسةِ والتنظير وإيجاد حلول لمشكلة السودان والشرق الأوسط وفتح مضيق هرمز وإنقاذ العالم. قال يوسف: نحن نعمل على تغيير النظام لأننا عجزنا في تغيير مهنتنا، ننظر في كيفية فتح مضيق هرمز بعد أن عجزنا في فتحِ عقولنا لتقبلَ التجديد، نُخططُ لإنقاذ العالم باسره، بعد أن عجزنا في التخطيط لإنقاذ جزءٍ من رواتبنا، قلتُ له: انت واحد من الفاشلين في إنقاذ جزءٍ من مرتبهم، لأنك رفضت التغيير ولم تغامر معي في العمل الحر وتمسكتَ بوظيفتك خوفًا من المجهول- على حد قولك- فأصبحتَ عبدًا للوظيفة، قال لي: لكن في ذلك الوقت كان بالنسبة لي (غرار) قلت له: تقصد (قرار) قال: إنما أعني غرار، الغرر لغةً يعني الخطر، الخداع، أو تعريض النفس والمال للمجهول. وأما في الاصطلاح الشرعي والفقهي، فيُقصد به: الجهل بالعاقبة وانا كنتُ خائفًا من فقدانِ وظيفتي وفقدان راتبي المضمون وشعرتُ أن في التغيير خطرًا، لذلك كان بالنسبة لي غرار، قلت له: ليتك سرت على (غِرَاري) قال يوسف تقصد على (قرارك) قلت له بالغين وليس بالقاف، يعنى على شاكلتي او مثلي، قال: لو تفتح عمل الشيطان، خلاص حُسم الامرُ، فاصبح دخلُنا محدودًا بغرار الشهر، قلت: تقصد بقرار الشهر؟ قال: لا، إنما اقصدُ بغرار الشهر (بمقدار) الشهر، مخطئ إن كنتَ تظنُ انَّ هذه الكلمات مجهولةٌ أو نادرةُ الاستعمال، فهي معروفة لدى الكثير من العرب في كثير من بقاع الأرض، وقولُك غرار الذي تقصد به قرار يفهمونه غرار، فالأمر ليس كله واحد كما تظن، (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا)

*قصص ومواقف حدثت مع سودانيين بسبب حرف القاف*

حكاية اعتقد أن راويها جعفر عباس (أبو الجعافر) وهي أنَّ صحفيًا سودانيًا تم تكليفه من الجريدة بتغطية مؤتمر قمة عربي، وهيئة التحرير في انتظار خطابِ الرئيس وأن يزودهم الصحفي بما جاء في الخطاب للنشر. جاء الصحفي السوداني إلى قسمِ الأخبار وقال لهم: الرئيس ألغى يقصد (ألقى) خطابَه، وذهب الى مكتبه ليعد ملخص الخطاب، وفي هذه الأثناء تم طباعة الجريدة وعلى عنوانها الرئيسي: (إلغاء خطاب الرئيس في مؤتمر القمة) وبقية الصحف صدرت وعليها خطاب الرئيس..

قال يوسف: دخلنا مسجدًا ومعي قريبُكم بعمامته الكبيرة ولحيته التي تؤهله لأن يكونَ إمامًا، وبالفعل قُدِّم ليؤم جماعةً مسبوقةً في صلاة المغرب، وعندما قرأ (صراط المستغيم) قلت في نفسي: ياساتر! إن شاء الله يارب يقرأ سورة الكوثر، والركعة التي بعدها سورة (المسد) ولكنه- للأسف- قرأ إنّا أنزلنا في ليلة الغدر وما ادراك ما ليلة الغدر. تمنيت لو خسفت بي الأرض.

ونحن في الخرطوم زرانا في المنزل قريبٌ لنا قادمٌ من الولايات المتحدة الامريكية، تجهَّز لصلاةِ الجمعة، وقال لي: ماذا تنتظر؟ بقي لخطبة الجمعة خمسُ دقائق، قلت له: لماذا استمعُ للخطبةِ، وانا أعرف أنَّ الخطيبَ سوف يقول (غال رسول الله) وأن اللهَ على كل شي (غدير) ضحك وقال: وأنك لا تستطيع تصحيحه ولا تستطيع أن تبلعها. قلت له: فمن باب أولى ألا تحضرها.

لا شك أن لك تجاربًا مع هذا الحرف، الفرصة متاحةٌ لأن تحكي لنا، إن شئت.

كان هذا يوسفُ وانا (فابغوا) معنا، أستغفر الله العظيم، فابقوا معنا..

والله اعلى واعلم..

19 مايو 2026م

زر الذهاب إلى الأعلى