فريق شرطة حقوقي د. الطيب عبدالجليل حسين يكتب السودان: الدولة المعطاة والمصطنعة والمفروضة من الخارج: جدلية التوصيف والتشخيص وإعادة التعريف (21)

الانقلابات الهجينة المدنية– العسكرية وأثرها على الشرعية الدستورية (11)
قراءة في الفقه السياسي والدستوري للانتقال السوداني 2019م (1 / 2)
خاتمةً لهذه السلسلة من المقالات، ومن منظور فقهي– سياسي–دستوري–قانوني- مقارن، يمكن القول، إن مسار الانتقال السياسي في السودان منذ ثورة 18 ديسمبر 2018م وحتى 2026م وما بعدها، يمثل نموذجًا مركبًا ومعقّدًا في أدبيات العلوم السياسية والدستورية، إذ يكشف عن أزمة تأسيسية ممتدة، تتجاوز اللحظة السياسية الراهنة إلى بنية الدولة السودانية ذاتها، وإلى طبيعة الشرعية التي تشكلت وتراكمت منذ فجر الاستقلال سنة 1956م.
وقد أظهرت التجربة السودانية، على نحوٍ موازٍ لما كشفت عنه تجارب ثورات الربيع العربي في تونس ومصر وليبيا وسوريا واليمن، أن إسقاط رأس النظام السياسي لا يؤدي بالضرورة إلى تفكيك البنية العميقة للسلطة أو إلى إعادة تأسيس الدولة على أسس دستورية ومؤسسية مستقرة. بل إن استمرار البنى المؤسسية التقليدية للدولة—العسكرية والأمنية والمدنية والاقتصادية والإدارية—إلى جانب تشابكها مع شبكات مصالح تاريخية متداخلة، يفضي في الغالب إلى إعادة إنتاج الأزمة داخل صيغ انتقالية متجددة، تتنازعها الشرعيات المختلفة، والانقسامات الداخلية، والتحالفات السياسية المتحولة، بما في ذلك الفواعل ذات الامتدادات العابرة للحدود، الأمر الذي يجعل من الانتقال السياسي ذاته فضاءً لإعادة تشكيل السلطة أكثر من كونه مسارًا خطيًا لبناء الدولة الدستورية المستقرة.
وفي هذا السياق، لا يقتصر مفهوم (البنية العميقة للدولة) على المؤسسة العسكرية والأمنية وحدها، وإنما يشمل كذلك البيروقراطيات المدنية والإدارية والاقتصادية وشبكات المصالح السياسية والمالية المرتبطة بالدولة، والتي تتشكل عبر عقود طويلة من التداخل بين السلطة والإدارة والاقتصاد والنُخب الاجتماعية. فهذه البيروقراطيات المدنية، شأنها شأن المؤسسات العسكرية والأمنية، تمتلك مصالح موضوعية في الحفاظ على استمرارية الدولة وفق الصيغة التي تضمن استمرار نفوذها ومواقعها ووظائفها داخل البناء المؤسسي القائم. ومن ثمّ، فإن الانتقال السياسي في الدول الهشة، لا يواجه فقط مقاومة من المؤسسة العسكرية، وإنما يواجه كذلك مقاومة كامنة أو مباشرة من قطاعات واسعة داخل الجهاز الإداري والمدني والاقتصادي للدولة، ترتبط مصالحها ببقاء أنماط السلطة التقليدية وآليات توزيع النفوذ والموارد.
(أولا): الانتقال السوداني 2019م وثورات الربيع العربي 2001م:
——————————–
تكشف مسارات التجربة السودانية الانتقالية، باعتبارها حصيلةً تراكميةً لتحولات سياسية واجتماعية ممتدة، عن تقاطع فكري وسياسي عميق مع فلسفة ثورات الربيع العربي، التي تشكّلت كموجة احتجاجية عابرة للحدود تأسست على شعارات الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع. ولم يكن الانتقال السوداني لسنة 2019م حدثًا منفصلًا أو معزولًا عن هذا السياق، وإنما جاء امتدادًا لمسار احتجاجي تراكمي بدأ يتبلور بصورة أكثر وضوحًا منذ احتجاجات سبتمبر 2013م، التي مثّلت إحدى المحطات المفصلية في إعادة تشكيل الوعي الاحتجاجي والسياسي داخل السودان، وأسهمت في تراكم الخبرات التنظيمية وأدوات التعبئة والخطاب السياسي الذي بلغ ذروته في ثورة 18 ديسمبر 2018م.
كما ارتبطت هذه الموجة الاحتجاجية، شأنها شأن تجارب الربيع العربي، بشبكات إعلامية وحقوقية وسياسية إقليمية ودولية أسهمت في تشكيل سرديات الانتقال السياسي، وإعادة إنتاج مفاهيم الشرعية الثورية والمجال العام خارج الأطر الوطنية التقليدية. إلا أنّ هذه الثورات – الربيع العربي، رغم اختلاف سياقاتها الوطنية وتباين مآلاتها السياسية، كشفت عن نمط بنيوي متكرر يتمثل في سقوط أو إضعاف رأس السلطة السياسية دون انهيار البنية العميقة للدولة، بما تتضمنه من مؤسسات عسكرية وأمنية، وبيروقراطيات مدنية واقتصادية، وشبكات مصالح تاريخية متجذّرة داخل بنية الدولة الوطنية الحديثة.
وقد أفضى هذا التناقض بين التغيير السياسي الظاهري واستمرار البنى العميقة للدولة إلى إنتاج انتقالات سياسية هشة ومضطربة، اتسمت بصراعات متجددة حول الشرعية والسيادة والتمثيل السياسي، بل تحولت في بعض الحالات إلى حروب أهلية أو إلى إعادة إنتاج السلطة في صيغ جديدة تحت عناوين انتقالية أو توافقية. وفي هذا السياق، لم تكن الثورة السودانية، منذ احتجاجات سبتمبر 2013م وصولًا إلى ثورة 18 ديسمبر 2018م، بمعزل عن البيئة الإقليمية والدولية التي حكمت موجات الربيع العربي، بل يمكن توصيفها في أدبيات العلوم السياسية بوصفها امتدادًا لما يُعرف (بالموجة الثانية) أو (الربيع العربي المؤجل)، بالنظر إلى تشابه البنية الاحتجاجية، والخطاب السياسي، وأدوات التعبئة والحشد مع التجارب العربية السابقة، وإن جاءت ضمن سياق سوداني خاص تحكمه تعقيدات الدولة السودانية ما بعد الاستعمار منذ 1956م، وتداخل البنى العسكرية والمدنية والاقتصادية والقبلية.
فقد تأثرت الثورة السودانية، شأنها شأن موجات الربيع العربي، بأدوات التعبئة الرقمية والخطابات العابرة للحدود المرتبطة بالديمقراطية وحقوق الإنسان والدولة المدنية، إلى جانب التأثيرات الإعلامية والسياسية والحقوقية الإقليمية والدولية التي أسهمت في تشكيل المجال العام وإعادة إنتاج مفاهيم الشرعية الثورية والانتقال الديمقراطي. كما ارتبطت هذه التحولات بتفاعلات دولية وإقليمية تجاوزت الحدود الوطنية، سواء عبر منظمات المجتمع المدني، أو شبكات النُخب السياسية والحقوقية، أو من خلال التدخلات الإقليمية والدولية المباشرة وغير المباشرة في مسارات الانتقال وإدارة الأزمات.
ومن ثمّ، فإن الثورة السودانية 18 سبتمبر 2018م – 11 ابريل 2019م، لم تكن مجرد حدث داخلي معزول، وإنما جاءت بوصفها جزءًا من موجة سياسية وفكرية أوسع، أعادت طرح الأسئلة الجوهرية المتعلقة بطبيعة الدولة الوطنية العربية، وحدود الشرعية السياسية، والعلاقة بين السلطة والمجتمع، وإمكانات الانتقال من الدولة السلطوية إلى الدولة الدستورية الديمقراطية. وفي هذا الإطار، مثّلت التجربة السودانية امتدادًا للنقاشات الإقليمية والدولية التي أثارتها ثورات الربيع العربي حول إعادة بناء الدولة، وتفكيك أنماط الحكم السلطوي، وإعادة تعريف مفاهيم السيادة والتمثيل والمشاركة السياسية.
وبذلك، التجربة السودانية في الانتقال – سبتمبر 2013م إلى ثورة ديسمبر 2018م – وما أعقبها من ترتيبات انتقالية 2019م، شأنها شأن عدد من تجارب الربيع العربي، أثبتت أن إسقاط رأس النظام السياسي أو إعادة تشكيل السلطة الانتقالية، لا يعني بالضرورة تفكيك البنى العميقة للدولة أو إعادة تأسيسها على أسس دستورية ومؤسسية جديدة، بل قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمة داخل ترتيبات انتقالية متنازع عليها، تتداخل فيها الشرعيات السياسية والثورية والدستورية، وتتشابك فيها الانقسامات الداخلية مع موازين القوى الإقليمية والدولية، بما يجعل الانتقال ذاته ساحةً لإعادة تشكيل السلطة أكثر من كونه مسارًا مستقرًا لبناء الدولة الديمقراطية الحديثة.
وفي هذا السياق، تأثرت قطاعات واسعة من النُخب المدنية السودانية، شأنها شأن كثير من نُخب الربيع العربي، بأدبيات الانتقال الديمقراطي والحوكمة الدولية والدولة المدنية، بوصفها نماذج معيارية لإدارة التحول السياسي وإعادة تنظيم السلطة داخل الدولة. وفي المقابل، تمسكت المؤسسة العسكرية والأمنية، ومعها قطاعات من البيروقراطيات المدنية والاقتصادية المرتبطة ببنية الدولة التقليدية، بمنطق الدولة السيادية الكلاسيكية القائم على احتكار أدوات القوة وضمان استمرارية الدولة ومؤسساتها وفق موازين القوة التاريخية القائمة.
ومن ثمّ، لم يكن الصراع في جوهره مجرد تنازع بين (مدنيين وعسكريين) بالمعنى التبسيطي، وإنما كان صراعًا مركبًا حول السلطة وطبيعة الدولة ومصدر الشرعية وحدود السيادة خلال المرحلة الانتقالية. فقد تمحور النزاع حول منّ يملك حق إدارة الدولة والتحكم في مؤسساتها السيادية والأمنية والاقتصادية؟ ومنّ يحدد مسار الانتقال وأولوياته وحدود إعادة تشكيل النظام السياسي؟ وفي هذا السياق، عبّر الصراع عن تنازع بين رؤيتين متباينتين للدولة؛ (الأولى) رؤية انتقالية ذات مرجعية ثورية تستند إلى شرعية الحراك الشعبي وخطاب التحول الديمقراطي وإعادة تأسيس الدولة المدنية؛ (الثانية) رؤية محافظة تستند إلى استمرارية الدولة ومقتضيات السيادة واحتكار أدوات القوة والحفاظ على الاستقرار المؤسسي وفق موازين القوة التاريخية القائمة. ولذلك، فإن الأزمة السودانية لم تكن مجرد أزمة تقاسم سلطة بين فاعلين سياسيين، وإنما أزمة تأسيس تتعلق بطبيعة الدولة نفسها، وبحدود العلاقة بين السلطة والمجتمع، وبين الشرعية الثورية والشرعية الدستورية، وبين مقتضيات التحول الديمقراطي ومنطق الدولة السيادية التقليدية.
وفي هذا الإطار، وعلى غرار تجارب مصر وتونس واليمن وليبيا في مراحل الانتقال الثوري، أعادت الوثيقة الدستورية لسنة 2019م إنتاج التوازنات الأمنية–العسكرية–المدنية داخل إطار دستوري انتقالي مؤقت وهش، تأسس على ترتيبات سياسية فرضتها موازين القوى الناتجة عن الثورة وسقوط النظام السياسي، دون استكمال البناء المؤسسي الضابط للمرحلة الانتقالية أو حسم الأسئلة الجوهرية المتعلقة بالسيادة، والهوية الوطنية، واحتكار العنف المشروع، وطبيعة العلاقة بين المدني والعسكري. ولذلك، ظل سؤال الشرعية الدستورية والسيادة السياسية معلقًا دون حسم نهائي، في ظل استمرار التنافس بين الشرعية الثورية، والشرعية الدستورية، وشرعية الأمر الواقع.
كما تكشف التجربة السودانية، شأنها شأن بعض تجارب الربيع العربي، عن بروز فاعلين سياسيين ومدنيين ذوي امتدادات إقليمية ودولية، بما يعكس تحوّل الانتقال السياسي من مسألة داخلية خالصة إلى فضاء سياسي متداخل تتقاطع فيه الاعتبارات الوطنية مع التأثيرات الإقليمية والدولية، سواء عبر المنظمات الدولية والحقوقية، أو جماعات الضغط السياسية والإعلامية المحلية والإقليمية، أو شبكات الدعم والعلاقات العابرة للحدود، فضلًا عن ارتباط بعض النُخب السياسية والمدنية بفاعلين إقليميين ودوليين مؤثرين في مسارات الانتقال وإدارة الأزمات. وقد أسهم ذلك في تعقيد مسار الانتقال وتحويله، في كثير من الأحيان، من مشروع لبناء دولة وطنية مستقرة إلى ساحة تنازع بين رؤى متباينة حول الدولة والسيادة والشرعية والهوية السياسية.
وبذلك، فإن التجربة السودانية منذ ثورة 18 ديسمبر 2018م تمثل امتدادًا نقديًا لمسار ثورات الربيع العربي أكثر من كونها استثناءً عنه، إذ تؤكد أن أزمة الانتقال في الدول العربية لا ترتبط فقط بتغيير النظم السياسية أو تداول السلطة، وإنما بأزمة تأسيس تاريخية تتعلق بطبيعة الدولة الوطنية نفسها، وبالعلاقة بين السلطة والمجتمع، وبين الشرعية الدستورية والشرعية الثورية، وبين السيادة الوطنية والتأثيرات العابرة للحدود.
(ثانياً): منطق الوثيقة الدستورية 2019م في الانتقال:
———————————–
في ظل التناقضات البنيوية والسياسية التي صاحبت مسار الانتقال السوداني عقب ثورة 18 ديسمبر 2018م، تشكلت الوثيقة الدستورية 2019م نتاجًا لتسوية سياسية انتقالية فرضتها موازين القوى القائمة في لحظة ما بعد الثورة، أكثر من كونها عقدًا دستوريًا تأسيسيًا يعيد بناء الدولة على قاعدة توافق وطني شامل. فقد جاءت الوثيقة في سياق اتسم بتداخل الشرعيات السياسية والثورية والدستورية، وباستمرار التنافس بين الفاعلين المدنيين والعسكريين حول طبيعة السلطة الانتقالية وحدود السيادة ومصدر الشرعية، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على منطق صياغتها وترتيبات إنتاجها السياسي والدستوري.
وعلى هذا الأساس، حملت الوثيقة الدستورية في بنيتها الداخلية عناصر التوافق والصراع في آنٍ واحد؛ إذ جمعت بين منطق الشراكة الانتقالية ومنطق تقاسم السلطة، دون أن تحسم بصورة نهائية الأسئلة الجوهرية المتعلقة بطبيعة الدولة، وشكل النظام السياسي، ومصدر الشرعية، وحدود السيادة، والعلاقة بين المؤسستين المدنية والعسكرية. ولذلك، لم تؤدِّي الوثيقة إلى تجاوز الأزمة البنيوية للدولة السودانية أو إعادة تأسيسها على قاعدة دستورية مستقرة، بقدر ما أعادت إنتاج هذه الأزمة داخل الإطار الانتقالي ذاته، عبر ترتيبات مؤقتة خاضعة لتوازنات القوة أكثر من خضوعها لرؤية تأسيسية متكاملة لبناء الدولة.
كما أن التناقضات التي لازمت كتابة الوثيقة الدستورية 2019م، لم تكن مجرد خلافات فنية أو قانونية حول الصياغة الدستورية، وإنما عبّرت عن تنازع سياسي أعمق حول طبيعة الانتقال نفسه؛ هل هو انتقال ثوري يهدف إلى إعادة تأسيس الدولة وتفكيك البنى السابقة؟ أم انتقال تفاوضي يقوم على التسوية والشراكة مع مؤسسات الدولة القائمة؟ ولذلك، جاءت الوثيقة الدستورية 2019م محمّلة بازدواجية بنيوية جمعت بين خطاب الثورة ومنطق التسوية السياسية، وبين الدعوة إلى الحكم المدني واستمرار النفوذ العسكري والأمني داخل بنية السلطة الانتقالية.
وفي هذا السياق، لم تُنشئ الوثيقة الدستورية 2019م قطيعة تأسيسية كاملة مع بنية الدولة السابقة، بقدر ما مثّلت تسوية انتقالية بين مراكز قوى متعددة داخل الدولة والمجتمع. فقد تشكلت المرحلة الانتقالية في ظل توازنات معقدة بين المؤسسة العسكرية والأمنية، والقوى المدنية الحزبية التقليدية، والبيروقراطيات الإدارية والاقتصادية، إلى جانب الفاعلين الإقليميين والدوليين المؤثرين في مسار الانتقال السوداني 2019م. ولذلك، ظل الانتقال محكومًا بمعادلة مزدوجة؛ (المعادلة الأولى) تمسك المؤسسة العسكرية والأمنية بمنطق الدولة السيادية التقليدية واحتكار أدوات القوة والعنف المشروع، في مقابل (المعادلة الثانية) تمسك قطاعات من النخب المدنية والبيروقراطيات الإدارية والاقتصادية بالحفاظ على مواقعها ومصالحها داخل بنية الدولة الانتقالية، حتى وإن جرى ذلك تحت شعارات الثورة أو الإصلاح أو الانتقال المدني.
ومن ثمّ، لم تكن أزمة الانتقال السوداني 2019م مجرد صراع بين المدنيين والعسكريين بالمعنى التبسيطي المتداول، وإنما كانت صراعًا مركبًا بين شبكات سلطة ومصالح متعددة داخل الدولة والمجتمع، تتنازع تعريف الشرعية وحدود السيادة وطبيعة الدولة نفسها. ولذلك، تعثر الانتقال لا يُفسَّر فقط بعجز النُخب السياسية عن التوافق، وإنما كذلك بعجز الدولة الانتقالية عن تفكيك أو إعادة هيكلة البنى المؤسسية والمصلحية العميقة التي استمرت في إعادة إنتاج السلطة بأشكال جديدة داخل الإطار الانتقالي.
وعليه، تكشف التجربة الانتقالية السودانية منذ 2019م، كما أشارت لها سلسلة هذه المقالات، أن الأزمة لم تكن مرتبطة فقط بطبيعة النصوص الدستورية أو أوجه القصور في الوثيقة الدستورية ذاتها، وإنما ارتبطت أيضًا بعجز الفاعلين السياسيين والمؤسسيين عن الوفاء بمقتضياتها وتنفيذ بنيتها المؤسسية الانتقالية. فعلى الرغم من أن الوثيقة نصّت على إنشاء مؤسسات ضابطة للانتقال، تشمل المحكمة الدستورية، والمجلس التشريعي الانتقالي، والمفوضيات المستقلة، إلا أن هذه المؤسسات لم تُستكمل أو تُفعّل بالصورة التي تسمح ببناء نظام دستوري متوازن وقادر على إدارة المرحلة الانتقالية. وقد أدى غياب هذه المؤسسات إلى تفاقم هشاشة الانتقال، وترك السلطة السياسية خاضعة لتوازنات الأمر الواقع والتوافقات المؤقتة، بدلًا من الاحتكام إلى مرجعيات دستورية مستقرة.
ومن ثمّ، لم تنجح المرحلة الانتقالية منذ 2019م في تأسيس دولة مدنية مستقرة تحتكر السلطة والسيادة والسلاح داخل إطار دستوري موحد، بل ظلت محكومة بمعادلات سياسية وأمنية هشة انتهت تدريجيًا إلى تفكك البنية الانتقالية وانفجار الصراع المسلح في 15 أبريل 2023م بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع. وبذلك، كشفت مسيرة الانتقال السوداني خلال الفترة 2019م–2026م بصورة عميقة أزمة الشرعية والسيادة وإشكالية بناء الدولة الوطنية الحديثة في السودان، باعتبارها أزمة تتجاوز الحكومات والأشخاص إلى أزمة تأسيس تاريخي لبنية الدولة نفسها.
(ثالثاً): انقلاب 25 اكتوبر 2021م:
———————————–
من منظور أدبيات العلوم السياسية المقارنة، ووفقًا لقراءة مسار الانتقال السوداني خلال الفترة 2019م–2023م، يمكن القول، إن أحداث 25 أكتوبر 2021م لم تكن مجرد انقلاب عسكري تقليدي مكتمل الأركان، بل تندرج بصورة أدق ضمن نماذج (الانقلاب الهجين المدني–العسكري) أو ما يمكن توصيفه (بالتحول القسري داخل السلطة الانتقالية). ويستند هذا التوصيف إلى طبيعة التفاعل الذي جرى بين المؤسسة العسكرية من جهة، وبعض المكونات المدنية والحزبية من جهة أخرى، حيث لم يكن الفعل السياسي محصورًا في المؤسسة العسكرية وحدها، وإنما شاركت فيه تيارات وكيانات مدنية، من أبرزها تجمع الكتلة الديمقراطية وكيانات مرتبطة بالمسار الديمقراطي المُعلن، بما وفر غطاءً سياسيًا ومدنيًا لإعادة تشكيل بنية السلطة الانتقالية وترتيباتها الدستورية.
ويُقصد بمفهوم (الانقلاب الهجين المدني–العسكري) أو (التحول القسري داخل السلطة الانتقالية)، أن التغيير الذي حدث لم يكن انتقالًا من النظام الانتقالي إلى نظام سياسي بديل، وإنما تحولًا داخليًا في هندسة السلطة ذاتها. أي أنه جرى داخل الإطار الانتقالي القائم عبر إعادة ترتيب مراكز القوة وتوزيعها بين الفاعلين الرئيسيين، بما أدى إلى تعديل جوهري في توازنات الحكم دون إنهاء البنية الانتقالية من حيث الشكل. وبعبارة أخرى، فقد كان تحولًا في تركيبة السلطة الانتقالية وآليات اتخاذ القرار داخل الدولة، لا تغييرًا كاملًا لطبيعة النظام السياسي القائم.
وانطلاقًا من هذا الفهم، يتضح أن أحداث 25 أكتوبر 2021م جاءت نتيجة إعادة تموضع معقدة داخل بنية الانتقال، شاركت فيها المؤسسة العسكرية إلى جانب بعض القوى المدنية والحزبية، الأمر الذي أسهم في نقل السلطة الانتقالية من صيغة الشراكة المدنية– العسكرية المتوازنة نظريًا في الوثيقة الدستورية لسنة 2019م إلى صيغة أكثر اختلالًا في موازين القوة والقرار. وقد أدى هذا التداخل المدني–العسكري إلى توفير غطاء سياسي ومدني لعملية إعادة تشكيل السلطة الانتقالية داخل بنيتها القائمة، دون الخروج الكامل عن الإطار الانتقالي نفسه.
ويكشف هذا النمط من التحول، أن الأزمة السودانية لم تكن مجرد صراع ثنائي مبسط بين المدنيين والعسكريين، بل أزمة بنيوية أعمق تتعلق بطبيعة التحالفات الانتقالية وحدود الشرعية الدستورية والسياسية في سياق انتقالي هش. إذ أدى غياب كتلة تاريخية جامعة قادرة على إنتاج توافق وطني مستقر حول الدولة والسلطة والسيادة إلى جعل مسار الانتقال عرضة لإعادة التشكيل المستمر عبر تحالفات ظرفية ومؤقتة، بدل أن يستند إلى عقد دستوري جامع ومشروع وطني متماسك.
ومن ثمّ، فإن أحداث 25 أكتوبر 2021م تمثل في جوهرها حلقة جديدة في مسار أزمة تأسيس الدولة السودانية الحديثة، حيث تُعاد إنتاج السلطة داخل الإطار الانتقالي نفسه بدل إعادة تأسيسه على أسس دستورية نهائية. وهو ما يجعل توصيفها في الأدبيات السياسية والدستورية أقرب إلى نموذج (التحول القسري داخل بنية الانتقال) أو (الانقلاب الهجين المدني– العسكري)، بما يعكس هشاشة البنية الدستورية الانتقالية في السودان، ويؤكد أن أزمة الانتقال ليست أزمة تداول سلطة فحسب، وإنما أزمة تأسيس دولة وشرعية تتطلب إعادة بناء العقد السياسي– الدستوري على أسس توافقية أكثر شمولًا واستقرارًا.
وفي هذا السياق، مثّلت محاولة الدكتور عبد الله حمدوك، عقب أحداث 25 أكتوبر 2021م، طرح خارطة طريق توافقية مع القوى المدنية والعسكرية المرتبطة بترتيبات ما بعد تلك الأحداث، محاولة لإعادة إنتاج الشرعية التوافقية داخل البنية الانتقالية ذاتها. وقد انطلقت هذه المبادرة من منطق سياسي يسعى إلى احتواء الانقسام المتصاعد وترميم الشراكة الانتقالية التي أصابها التفكك، عبر إعادة فتح مسارات التفاوض بين مكونات السلطة الانتقالية والقوى السياسية المختلفة، بما يتيح استعادة الحد الأدنى من التوافق الوطني حول إدارة المرحلة الانتقالية.
إلا أن هذه المحاولة، رغم طابعها التوفيقي، اصطدمت بعمق الانقسام البنيوي داخل المشهد السياسي، وبغياب أرضية دستورية وسياسية مشتركة يمكن البناء عليها لإنتاج تسوية مستدامة. وانتهت المبادرة إلى الفشل، أعقبها تقديم الاستقالة النهائية، الأمر الذي أدى إلى إغلاق أحد أهم مسارات الوساطة السياسية داخل المرحلة الانتقالية. وبدل أن تسهم هذه التطورات في احتواء الأزمة، فقد عمّقت حالة الانقسام وفقدان الثقة بين مكونات الانتقال، وعززت هشاشة البنية الانتقالية، وكرّست استمرار الأزمة ضمن دائرة مغلقة من إعادة إنتاج الخلافات دون الوصول إلى تسوية دستورية مستقرة.
ومع اندلاع حرب 15 أبريل 2023م، دخل السودان طورًا جديدًا وأكثر تعقيدًا من أزمة الشرعية الدستورية والسياسية. فقد تحولت الوثيقة الدستورية لسنة 2019م من إطار انتقالي حاكم إلى وثيقة متنازع على مشروعيتها وتفسيرها بين سلطة الأمر الواقع العسكرية والقوى المدنية المنقسمة، في ظل انهيار الشراكة الانتقالية وتفكك مركز السلطة المدنية. كما أعادت الحرب طرح سؤال السيادة ذاته، بعدما أصبحت الدولة تواجه تحديًا وجوديًا يتعلق باحتكار العنف المشروع ووحدة المؤسسات العسكرية والأمنية، وهي من الركائز الجوهرية لقيام الدولة الحديثة في الفقه السياسي والدستوري.
وفي هذا السياق، لم تعد الأزمة مرتبطة فقط بإدارة المرحلة الانتقالية أو توزيع السلطة بين الفاعلين السياسيين، وإنما تحولت إلى أزمة تتصل بوجود الدولة نفسها، وبقدرتها على الحفاظ على وحدتها المؤسسية وشرعيتها الدستورية في ظل الحرب والانقسام السياسي الحاد.
ونواصل هذه الخاتمة عبر قراءة في الفقه السياسي والدستوري لمسار الانتقال السوداني منذ 2019م، من خلال تحليل دلالات استقالة الدكتور/ عبد الله حمدوك، وما تلاها من تطورات، وصولًا إلى تعديلات الوثيقة الدستورية لسنة 2025م، في إطار خاتمة تحليلية شاملة لهذا المسار.
فريق شرطة (حقوقي)
د. الطيب عبدالجليل حسين محمود
المحامي إستشاري القانون والموثق
18/ 05/ 2026م


