مقالات الرأي

فريق شرطة حقوقي د. الطيب عبدالجليل حسين يكتب السودان: الدولة المعطاة والمصطنعة والمفروضة من الخارج: جدلية التوصيف والتشخيص وإعادة التعريف (22/ 22)

 

الانقلابات الهجينة المدنية– العسكرية وأثرها على الشرعية الدستورية (12/ 12)

 

قراءة في الفقه السياسي والدستوري للانتقال السوداني 2019م (2 / 2)

———————————-

خاتمةً لهذه السلسلة من المقالات، يمكن القول من منظور فقهي – سياسي –دستوري–قانوني مقارن، إن مسار الانتقال السياسي في السودان منذ 18 ديسمبر 2018م وحتى ما بعد 2026م، يمثل حالة مركّبة تتجاوز توصيف “الانتقال السياسي” بمعناه الإجرائي الضيق، إلى كونه تعبيرًا عن أزمة تأسيس ممتدة في بنية الدولة والشرعية معًا. وهي أزمة لا تنفصل عن المسار التاريخي للدولة السودانية منذ 1956م، حيث ظل سؤال الدولة: طبيعتها، وحدود سلطتها، ومصادر شرعيتها، وإشكال العلاقة بين مكوناتها المدنية والعسكرية، سؤالًا مفتوحًا يعاد إنتاجه في كل لحظة تحول سياسي.

وقد بيّنت هذه السلسلة، في مقاربتها المقارنة مع تجارب الربيع العربي، أن إسقاط رأس النظام أو إعادة تشكيل السلطة الانتقالية لا يؤدي بالضرورة إلى إعادة تأسيس الدولة، بل غالبًا ما يفضي إلى إعادة إنتاج الأزمة داخل ترتيبات انتقالية هشة، تستمر فيها البنى العميقة للدولة—العسكرية والأمنية والمدنية والاقتصادية والإدارية—بوصفها حوامل استمرارية فعلية للسلطة. ومع تشابك هذه البنى مع شبكات مصالح تاريخية، يصبح الانتقال فضاءً لإعادة توزيع السلطة لا لإعادة تأسيسها على قاعدة دستورية مستقرة.

وفي الحالة السودانية، لم يكن الانتقال منذ 2019م مجرد لحظة دستورية تأسيسية، بل كان نتاجًا لتسوية سياسية ذات طابع اتفاقي–نخبوي، أنشأت منصة انتقالية لإدارة الدولة دون امتلاك مقومات التأسيس الدستوري الكامل. وقد انعكس ذلك في هشاشة البناء المؤسسي، وغياب أو تعثر المؤسسات الضابطة للانتقال، وعلى رأسها المجلس التشريعي، بما أدى إلى تركيز السلطة التشريعية في يد هياكل تنفيذية، وإضعاف مبدأ الفصل بين السلطات داخل الإطار الانتقالي نفسه.

كما أوضحت المقالات، أن الانقسام لم يكن بين (مدنيين وعسكريين)، بوصفه ثنائية مبسطة، بل كان صراعًا مركبًا حول تعريف الدولة نفسها: من يملك قرارها؟ وكيف تُدار سيادتها؟ وما هو مصدر الشرعية في مرحلة انتقالية مفتوحة؟ وهو صراع بين رؤيتين: رؤية انتقالية ثورية تسعى لإعادة التأسيس، ورؤية سيادية–مؤسسية تركز على استمرارية الدولة ومنع تفككها، بما جعل الأزمة أزمة تأسيس لا أزمة إدارة سلطة.

ومع تطورات ما بعد 25 أكتوبر 2021م، ثم اندلاع حرب 15 أبريل 2023م، دخل السودان طورًا أكثر تعقيدًا من أزمات الانتقال السياسي، اتّسم بتفكك مركز السلطة، وتآكل مرجعية الشرعية الدستورية، وإعادة إنتاج شرعيات متنازعة داخل المجالين السياسي والعسكري. وفي هذا السياق، لم تعد الوثيقة الدستورية لسنة 2019م تمثل مرجعًا حاكمًا محل توافق، وإنما تحوّلت هي نفسها إلى موضوع للصراع والتأويل والتنازع بين القوى المختلفة.

ومع اتساع نطاق الحرب منذ 15 أبريل 2023م، تجاوزت الأزمة حدود التعثر الانتقالي التقليدي لتتحول إلى أزمة وجودية تمسّ بنية الدولة السودانية ذاتها، إذ باتت الدولة تواجه تحديات مباشرة تتعلق بقدرتها على الحفاظ على مقومات الدولة الحديثة، وفي مقدمتها احتكار العنف المشروع، ووحدة المركز السيادي، واستمرارية عمل المؤسسات العامة، فضلًا عن الحفاظ على تماسك المجال الوطني في مواجهة التفتت العسكري والسياسي والإداري المتسارع.

وحيث في الفقه الدستوري والسياسي المعاصر، تُعد هذه العناصر من المرتكزات الجوهرية لقيام الدولة واستقرارها، إذ إن تآكلها أو تعدد مراكز القوة المسلحة والسياسية خارج الإطار السيادي الموحد، يؤدي إلى إضعاف السلطة العامة واهتزاز الشرعية الدستورية والمؤسسية.

وعليه، فإن سلسلة المقالات، تخلص إلى أن الحالة السودانية، لا يمكن قراءتها بوصفها مجرد انتقال سياسي متعثر أو فاشل، وإنما باعتبارها نموذجًا (لانتقال سيادي غير مكتمل التأسيس)، تتداخل داخله الشرعية الثورية، والشرعية الدستورية، وشرعية الأمر الواقع، ضمن بنية دولة ما تزال تعاني من أزمة تأسيس تاريخية تتعلق بطبيعة السلطة والسيادة والعلاقة بين الدولة والمجتمع.

(رابعاً): إستقالة الدكتور/ عبدالله حمدوك في الميزان:

———————————-

في سياق الانتقال السياسي –الدستوري في السودان، تمثل تجربة الدكتور/ عبد الله حمدوك في رئاسة الحكومة الانتقالية اختبارًا عمليًا لمفهوم (الدستورية الانتقالية) في بيئة سياسية شديدة الهشاشة والتعقيد، حيث تتقاطع فيها الشرعيات الثورية مع ترتيبات السلطة الانتقالية، دون اكتمال البناء المؤسسي الكفيل بتحويلها إلى شرعية دستورية مستقرة. وقد كشفت هذه التجربة حدود قدرة النُخب المدنية والعسكرية على إدارة التوازنات الانتقالية، وإنتاج توافق وطني–دستوري جامع، في ظل استمرار الانقسام البنيوي حول طبيعة الدولة، وحدود الشراكة المدنية–العسكرية، ومصدر الشرعية، وآليات إدارة المرحلة الانتقالية.

فقد تعثرت السلطة الانتقالية في التحول من شرعية ثورية مؤقتة إلى شرعية دستورية مؤسسية مستقرة، نتيجة استمرار التباينات العميقة داخل مكونات الانتقال الهجين، وتعدد مراكز القوة الفاعلة داخل الدولة، وتداخل الاعتبارات السياسية مع الاعتبارات الأمنية والعسكرية. ومن ثمّ، جاءت استقالة الدكتور/ عبد الله حمدوك في يناير 2022م باعتبارها لحظة مفصلية في مسار الانتقال السوداني 2019م، تعكس من منظور الفقه السياسي والدستوري عجز النُخبة الانتقالية المشتركة عن إنتاج مركز سياسي موحد للدولة، قادر على ضبط العلاقة بين الشرعية الثورية والشرعية الدستورية، وإدارة التحول نحو نظام دستوري مستقر.

في هذا السياق، لم تكن استقالة الدكتور/ عبد الله حمدوك مجرد فعل سياسي عابر داخل إطار حكومة انتقالية، وإنما تعبيرًا عن أزمة بنيوية في مفهوم السلطة الانتقالية ذاته، إذ أظهرت تجربة الانتقال منذ 2019م عجزًا عن إرساء توازن مستدام بين الفاعلين المدنيين والعسكريين، كما كشفت عن قصور في بناء مرجعية دستورية قادرة على تنظيم السلطة التنفيذية وضبط علاقتها بمراكز القوة الفعلية خارج الإطار الدستوري. وبذلك، لم تنجح البنية الانتقالية في التحول من منطق التوافق السياسي المؤقت إلى منطق الشرعية الدستورية المستقرة.

وفي امتداد هذا التعثر البنيوي الانتقالي، انتقل الدكتور/ عبد الله حمدوك خلال الفترة 2023م –2026م إلى موقع الفاعل السياسي خارج السلطة الرسمية التي كان يتولاها سابقًا رئيس وزراء الحكومة المدنية الانتقالية، وذلك في سياق اتسم بانهيار الدولة ودخولها في حالة حرب وصراع وجودي. وقد ترتب على هذا التحول انتقاله من موقع رئاسة حكومة انتقالية إلى فاعل سياسي ضمن فضاء معارض يتشكل خارج مؤسسات الدولة التقليدية، في ظل واقع تتآكل فيه البنية المؤسسية وتتفكك فيه مراكز السيادة، بما يعكس في جوهره إعادة تشكل الفعل السياسي خارج الإطار الدستوري للدولة.

وقد أضاف هذا التحول بُعدًا جديدًا لأزمة الشرعية في السودان، يتمثل في تداخل المجالين الداخلي والخارجي في إنتاج الخطاب السياسي، وتعدد مراكز ادعاء التمثيل السياسي للثورة ولعملية الانتقال، بما عمّق إشكالية الشرعية التمثيلية، وأعاد طرح سؤال: من يتحدث باسم الدولة؟ ومن يمثل الإرادة السياسية في ظل تفكك المركز السيادي، وتعدد الفواعل السياسية، وتداخل مستويات السلطة في سياق حرب وانهيار مؤسسي ممتد؟

وفي هذا الإطار، في الفقه الدستوري والقانون الدولي العام، يقتضي تحليل مسارات الشرعية في الحالة السودانية التمييز بين ثلاثة مستويات متمايزة: (الأول) الشرعية الدستورية، (الثانية) الشرعية الثورية/ السياسية، (الثالثة) شرعية الأمر الواقع. فشرعية الأمر الواقع لا تُفهم بوصفها شرعية معيارية قائمة على التوافق أو المشروعية الدستورية، وإنما بوصفها توصيفًا قانونيًا لواقع السيطرة الفعلية على الإقليم ومؤسسات الدولة، وقدرة جهة ما على ممارسة وظائف الحكم العامة، ولو في ظل نزاع أو انقسام دستوري.

ومن ثمّ، فإن سلطة الأمر الواقع خلال الفترة الممتدة 2021م–2026م تُعد، من منظور القانون الدولي العام، صاحبة وضع سيادي فعلي (de facto authority)، بما يترتب عليه من آثار قانونية تتصل باستمرارية الدولة وضمان عدم انهيارها كمكوّن من مكونات النظام الدولي، وبما يفرض ضرورة التعامل معها بوصفها جهة إدارة واقعية لشئون الإقليم، بما يكفل الحفاظ على كيان الدولة ووظائفها الأساسية في الحد الأدنى، وصون استقرار النظام الدولي، ومنع تفكك الإقليم أو انزلاقه إلى فراغ سيادي كامل، بصرف النظر عن اكتمال الشرعية الدستورية أو وحدة المركز السيادي.

وفي المقابل، فإن التحالفات المدنية مثل (تقدم، صمود، تأسيس)، لا تنشأ في إطار ممارسة سلطة حكم فعلية على الإقليم، ولا تستند إلى سند دستوري نافذ أو إلى اعتراف دولي بوصفها سلطات حكم أو تمثيل سيادي للدولة، وإنما تظل في نطاق الفاعلين السياسيين غير الحاكمين (non-governing political actors)، الذين يتحركون في المجال العام بوصفهم قوى ضغط وتعبير سياسي وتفاوضي، دون أن يترتب على وجودهم أي أثر من آثار الشرعية السيادية أو سلطة الأمر الواقع، سواء في المنظور الداخلي / المحلي أو في معيار الاعتراف الدولي.

وبناءً عليه، فإن إشكالية المرحلة الانتقالية في السودان، لا تتعلق فقط بتعدد الفاعلين السياسيين، وإنما بتداخل مستويات الشرعية ذاتها داخل فضاء واحد مضطرب، حيث تتقاطع الشرعية الدستورية غير المستقرة مع شرعية الأمر الواقع القائمة على السيطرة الفعلية، في حين تبقى الفواعل السياسية المدنية خارج السلطة في موقع التأثير السياسي دون امتلاك أدوات السيادة أو الحكم، بما يعيد إنتاج أزمة التمثيل السياسي والشرعية في سياق دولة انتقالية غير مكتملة البناء المؤسسي.

وفي ذات السياق، ومن منظور القانون الدستوري ونظرية السيادة، فإن انخراط بعض النخب المدنية في العمل السياسي الخارجي، ومحاولة تشكيل أطر سياسية موازية خارج نطاق السلطة القائمة، يثير إشكاليات عميقة تتصل بمفهوم الشرعية التمثيلية، وحدود الاعتراف السياسي والدولي، وطبيعة الكيانات السياسية في الدول الخارجة من النزاعات المسلحة. كما يطرح ذلك إشكالًا إضافيًا يتعلق بتداخل الانتماء السياسي مع الاعتبارات القانونية المرتبطة بالجنسية الوطنية والولاء الدستوري للنُخب، في سياق تتعدد فيه مواقع الفاعلين وتتداخل فيه المستويات الوطنية والإقليمية والدولية في تشكيل الفعل السياسي.

وتكشف هذه التطورات مجتمعة، أن التجربة السودانية قد أفرزت نموذجًا، يمكن توصيفه في الأدبيات الدستورية والسياسية (بالانتقال المتشظي) أو (الانتقال بلا مركز سيادي مستقر)، حيث تعاقبت ترتيبات سلطوية وانتقالية متعددة المرجعيات دون حسم نهائي لمسائل السيادة والهوية الدستورية وطبيعة التمثيل السياسي المشروع. وقد أدى ذلك إلى إعادة إنتاج الانقسام داخل النُخب المدنية ذاتها، وتحولها من كتلة ثورية جامعة إلى تحالفات متنازعة يعاد تشكيلها وفق متغيرات سياسية داخلية وخارجية، بما يعكس في جوهره استمرار أزمة تأسيس الدولة أكثر من كونه مجرد أزمة انتقال سياسي عابر.

(خامساً): تعديل الوثيقة الدستورية لسنة 2019م (تعديلات 2025م):

——————————–

جاءت التعديلات اللاحقة 2025م على الوثيقة الدستورية 2019م، استجابةً اضطرارية اقتضتها متطلبات إعادة تنظيم السلطة الانتقالية، وضمان حدٍّ أدنى من استمرارية مؤسسات الدولة، في ظل الفراغ السياسي والمؤسسي الذي نشأ عن تفكك الشراكة الانتقالية 2019م، وخروج عدد من القوى المدنية – وفي مقدمتها مكونات من قوى الحرية والتغيير – من معادلة الحكم الانتقالي التي تشكلت 2019م. وقد اتجهت هذه التعديلات إلى إعادة هندسة بنية السلطة عبر إعادة تشكيل مجلس السيادة بإدخال مكونات عسكرية ومدنية جديدة، إلى جانب إعادة ترتيب السلطة التنفيذية من خلال تعيين رئيس وزراء مدني (حكومة البروفيسور/ كامل ادريس)، وتشكيل حكومة انتقالية تتولى إدارة الجهاز التنفيذي خلال المرحلة الانتقالية.

وفي هذا الإطار، الفقه الدستوري يُميز بين مستويين جوهريين في إنتاج القاعدة الدستورية وتعديلها: (الأول) يرتبط بما يُعرف (بالسلطة التأسيسية الأصلية – (Original Constituent Power؛ (الثاني) بالسلطة التأسيسية المشتقة أو السلطة التعديلية (Derived Constituent / Amendment Power.

فالسلطة التأسيسية الأصلية هي التي تتولى إنشاء الدستور ابتداءً أو إعادة تأسيس النظام الدستوري للدولة، وهي سلطة تتجاوز القيود القانونية القائمة، وتستمد مشروعيتها من لحظة سياسية تأسيسية استثنائية كالثورات أو انهيار النظام الدستوري السابق، بما يجعلها السلطة التي تُنشئ (المنصة التأسيسية) ذاتها التي يُصاغ عليها الدستور بوصفه عقدًا سياسيًا–قانونيًا أعلى، أي أنها سلطة المنشأ الدستوري، لا مجرد سلطة تنظيم أو تعديل.

أما السلطة التأسيسية المشتقة أو التعديلية، فهي سلطة تعمل داخل إطار الدستور القائم، أي داخل المنظومة الدستورية النافذة التي أرستها ووضعتها السلطة التأسيسية الأصلية بوصفها (منصة التأسيس)، بما تتضمنه الدستور من قواعد حاكمة لبنية الدولة، وتنظيم السلطات، وإجراءات إنتاج القاعدة الدستورية. وتكون هذه السلطة مقيدة بأحكام هذا الدستور وإجراءاته وشروطه الموضوعية والإجرائية، إذ لا تُنشئ منصة تأسيس جديدة، وإنما تمارس وظيفة التعديل داخل المنصة الدستورية القائمة التي سبق أن أنشأتها السلطة التأسيسية الأصلية، ووفق الحدود والقيود التي يرسمها النص الدستوري ذاته.

وانطلاقًا من هذا التمييز، يمكن القول، إن الدساتير الانتقالية المؤقتة، لا تُعد دساتير (منصة تأسيس) بالمعنى الكلاسيكي الصرف، لأنها لا تنبثق من سلطة تأسيسية أصلية جامعة مكتملة التفويض الشعبي، بل تنشأ – الدساتير الانتقالية -المؤقتة – في الغالب عن تسويات سياسية–نخبوية في لحظات انتقالية مضطربة، فتكون -الدساتير الانتقالية- المؤقتة – أقرب إلى منصة تنظيم انتقالية مؤقتة، تُدار داخلها ترتيبات السلطة وتوازنات القوى، إلى أن تُستعاد أو تُنشأ لاحقًا السلطة التأسيسية الأصلية الكاملة القادرة على إنتاج دستور دائم. ومن ثمّ، فإن التعديلات 2025م اللاحقة، ظلت محكومة بذات الطبيعة الانتقالية التي وسمت الوثيقة الدستورية 2019م منذ نشأتها، باعتبارها ممارسة لسلطة تعديل دستوري مشتقة ومقيدة تعمل داخل نطاق منصة انتقالية غير مكتملة التأسيس، تخضع لحدودها الإجرائية والموضوعية التي رسمها دستور 2019م.

ويُلاحظ في هذا السياق، أن غياب المجلس التشريعي الانتقالي وعدم اكتمال تشكيله، قد أدى عمليًا إلى فراغ مؤسسي في الوظيفة التشريعية، انعكس في انتقال هذه الوظيفة إلى مجلسي السيادة والوزراء في اجتماع مشترك، بما ترتب عليه تركّز السلطة التشريعية في يد هياكل تنفيذية ذات طبيعة انتقالية. وبذلك، فقد أسهم هذا الوضع في إعادة إنتاج نمط من التداخل بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، على نحو حدّ من فعالية مبدأ الفصل بين السلطات، وجعل العملية التشريعية خاضعة لاعتبارات التوازن التنفيذي وإدارة السلطة خلال المرحلة الانتقالية، أكثر من خضوعها لبنية مؤسسية مستقلة ومكتملة التنظيم الدستوري. وعليه، فإن هذه البنية المختلّة جعلت ممارسة السلطة التعديلية نفسها محكومة بواقع سياسي–دستوري تغلب عليه اعتبارات إدارة السلطة وتوازناتها، أكثر من خضوعه لمنطق دستوري مؤسسي مكتمل، يقوم على توزيع واضح ومتكامل للسلطات داخل الدولة.

وبناءً عليه، التعديلات اللاحقة 2025م ظلت امتدادًا للطبيعة الانتقالية التي وسمت الوثيقة الدستورية 2019م منذ نشأتها، بوصفها أداة لإدارة الانتقال المضطرب، وممارسة لسلطة تعديل دستوري مشتقة ومقيدة داخل إطار (منصة تأسيس انتقالية) غير مكتملة التأسيس. وهي في جوهرها – الوثيقة الدستورية 2019م – تعبير عن واقع إدارة توازنات السلطة خلال المرحلة الانتقالية، أكثر من كونها إنتاجًا لعقد دستوري تأسيسي مكتمل السيادة بالمعنى الفقهي الدستوري الكلاسيكي.

وعليه، فإن البنية المؤسسية المختلّة للإنتقال 2019م، جعلت ممارسة السلطة التعديلية نفسها محكومة بواقع سياسي–دستوري تغلب عليه اعتبارات التوازن التنفيذي وإدارة السلطة، أكثر من خضوعه لمنطق دستوري مؤسسي مكتمل يقوم على توزيع واضح ومتكامل للسلطات داخل الدولة.

وعليه من منظور القانون الدولي، شرعية التعديلات 2025م، تُفهم في إطار مبدأ استمرارية الدولة (State Continuity) الوارد في القانون الدولي العام، الذي يقرر أن بقاء الدولة كشخص قانوني دولي لا يتوقف على استقرار النظام السياسي، وإنما على استمرار كيانها القانوني وعدم انقطاع وظائفها الأساسية، حتى في ظل النزاعات الداخلية أو التحولات غير المستقرة. كما يستند هذا الفهم إلى مبدأ استمرارية المرفق العام الوارد في الفقه الدستوري، بما يتيح قدرًا من المرونة في إعادة تشكيل السلطات بما يضمن عدم انهيار الدولة أو توقف وظائفها السيادية والخدمية.

إلا أن هذه التعديلات، رغم اكتسابها طابعًا إجرائيًا ودستوريًا من منظور سلطة الأمر الواقع التي صدرت في ظلها، لم تنجح في إنهاء أزمة الشرعية السياسية في السودان، بل أسهمت في إعادة إنتاجها بصورة أكثر تعقيدًا. ويُعزى ذلك إلى أن جوهر الإشكال لم يكن إجرائيًا أو تنظيميًا، وإنما تأسيسيًا مرتبطًا بطبيعة التوافق الدستوري الذي أفرز الوثيقة الأصلية، وبغياب عقد سياسي جامع ينظم العلاقة بين مكونات السلطة الانتقالية ومصادر الشرعية المختلفة داخل الدولة.

(سادساً): تلخيص اطاري تحليلي وخاتمة لسلسلة المقالات:

——————————

في الإطار التحليلي الأشمل، تكشف الحالة السودانية منذ ثورة 18 ديسمبر 2018م، وما سبقها من تراكمات احتجاجية منذ سبتمبر 2013م، وحتى ما أعقب حرب 15 أبريل 2023م، عن تحوّل عميق في مفهوم الشرعية داخل الدولة السودانية؛ إذ انتقلت الشرعية من فكرة العقد الدستوري الجامع والمستقر إلى شرعية انتقالية متحركة، تقوم على توازنات القوة، والتسويات السياسية المؤقتة، والتحالفات المدنية–العسكرية المتبدلة، في ظل غياب منصة تأسيس دستوري أصلية قادرة على إنتاج توافق وطني مستدام حول طبيعة الدولة والسلطة والسيادة.

وقد أظهرت هذه السلسلة، من منظور فقهي– سياسي– دستوري–قانوني مقارن، أن الأزمة السودانية لم تكن مجرد أزمة تغيير نظام سياسي أو صراع على السلطة بين المدنيين والعسكريين، وإنما أزمة تأسيس تاريخي لبنية الدولة نفسها، وللعلاقة بين الثورة والدستور والسيادة والتمثيل السياسي. فالتجربة السودانية، شأنها شأن عدد من تجارب الربيع العربي، كشفت أن إسقاط رأس النظام السياسي لا يؤدي بالضرورة إلى تفكيك البنى العميقة للدولة أو إعادة تأسيسها على أسس دستورية مستقرة، في ظل استمرار المؤسسات العسكرية والأمنية والبيروقراطيات المدنية والاقتصادية وشبكات المصالح التقليدية بوصفها مراكز فعلية لاستمرارية السلطة داخل الدولة.

وفي هذا السياق، جاءت الوثيقة الدستورية لسنة 2019م نتاجًا لتسوية سياسية انتقالية ذات طبيعة اتفاقية–نخبوية، أكثر من كونها تعبيرًا عن سلطة تأسيسية أصلية منشئة لدستور نهائي. ولذلك، حملت في بنيتها الداخلية تناقضات المرحلة الانتقالية نفسها، حيث جمعت بين منطق الشراكة الانتقالية ومنطق تقاسم السلطة، دون حسم نهائي لمسائل السيادة، واحتكار العنف المشروع، والعلاقة بين المدني والعسكري، ومصدر الشرعية الدستورية. كما أسهم غياب المؤسسات الضابطة للانتقال، وعلى رأسها المجلس التشريعي الانتقالي والمحكمة الدستورية والمفوضيات المستقلة، في تركيز الوظيفة التشريعية داخل السلطة التنفيذية، بما عمّق هشاشة البناء الدستوري الانتقالي.

كما بيّنت سلسلة المقالات، أن أحداث 25 أكتوبر 2021م لا يمكن قراءتها باعتبارها انقلابًا عسكريًا تقليديًا فحسب، وإنما باعتبارها نموذجًا لما يمكن تسميته (التحول القسري داخل السلطة الانتقالية) أو (الانقلاب الهجين المدني–العسكري)، حيث أُعيدت هندسة موازين القوة داخل البنية الانتقالية ذاتها، عبر تداخل الفاعلين العسكريين والمدنيين في إعادة تشكيل السلطة، دون الخروج الكامل عن الإطار الانتقالي القائم.

ومع اندلاع حرب 15 أبريل 2023م، دخل السودان مرحلة أكثر تعقيدًا من أزمة الشرعية والسيادة، بعدما أصبحت الدولة تواجه تحديًا وجوديًا يتعلق بالحفاظ على وحدة المركز السيادي واحتكار العنف المشروع واستمرارية المؤسسات العامة، وهي من المرتكزات الجوهرية لقيام الدولة الحديثة في الفقه الدستوري والسياسي. وفي المقابل في سلطة الانتقال المتعددة في السودان، برزت سلطة الأمر الواقع باعتبارها سلطة تمارس وظائف الدولة فعليًا في إطار مبدأ استمرارية الدولة في القانون الدولي العام، في حين ظهرت في المقابل كيانات وتحالفات سياسية مدنية متعددة المرجعيات والامتدادات، دون أن تكتسب شرعية دستورية أو اعترافًا دوليًا كاملاً بوصفها بديلًا سياديًا للدولة.

وفي ذات الإطار، كشفت التجربة السودانية عن تصاعد تأثير الفاعلين ذوي الارتباطات والانتماءات العابرة للحدود الوطنية، سواء عبر شبكات الدعم السياسي والحقوقي والإعلامي، أو من خلال نُخب سياسية ومدنية تحمل جنسيات مزدوجة أو انتماءات متعددة المستويات، وتتحرك داخل فضاءات إقليمية ودولية متداخلة مع المجال الوطني. وقد أفضى ذلك إلى تعقيد سؤال الشرعية والتمثيل السياسي، وإلى إعادة إنتاج حالة مستمرة من التوتر والارتداد بين مقتضيات السيادة الوطنية من جهة، والتأثيرات الإقليمية والدولية في إدارة الانتقال وصناعة الخطاب السياسي من جهة أخرى.

وفي هذا السياق، يمكن توصيف الحالة السودانية، في ضوء بعض مقاربات الفكر السياسي والدستوري المعاصر، باعتبارها نموذجًا لحالة (التوتر السيادي المركّب)، حيث تتداخل مستويات الفعل السياسي الداخلي والخارجي بصورة تجعل مسار الانتقال عرضة لارتدادات مستمرة ناتجة عن تضارب المرجعيات والمصالح ومراكز التأثير. فكلما اتجهت السلطة الانتقالية نحو إعادة بناء مركز سيادي داخلي مستقر، أعادت الانقسامات المدنية، والتحالفات العابرة للحدود، وشبكات الضغط والدعم الخارجي، إنتاج حالة من الاستقطاب والتشظي السياسي، بما يؤدي إلى تغذية الأزمة بصورة دورية وإعادة تدويرها داخل البنية الانتقالية نفسها.

ومن ثمّ، لم تعد أزمة الانتقال السوداني مقتصرة على الصراع التقليدي حول السلطة داخل الدولة، وإنما تحولت إلى أزمة مركبة تتعلق بإشكالية بناء مركز سيادي وطني قادر على احتواء التناقضات الداخلية وضبط تأثيرات الامتدادات الخارجية، في ظل تداخل غير مسبوق بين المحلي والإقليمي والدولي في تشكيل مسارات الشرعية والسلطة والتمثيل السياسي.

كما برزت بصورة لافتة ظاهرة انتقال بعض النُخب التي شاركت في إدارة المرحلة الانتقالية إلى ممارسة العمل السياسي المعارض من الخارج، بعد خروجها من السلطة أو تفكك البنية الانتقالية. ومن منظور الفكر السياسي والدستوري المعاصر، تمثل هذه الظاهرة إحدى سمات (الانتقال المتشظي) أو (السلطة الانتقالية بلا مركز سيادي مستقر)، حيث تتداخل مفاهيم المعارضة، والشرعية الثورية، والتمثيل الخارجي، وسلطة الأمر الواقع، ضمن سياق لا تنطبق عليه النماذج التقليدية للمعارضة في الديمقراطيات المستقرة. كما تثير هذه الظاهرة إشكاليات تتعلق بحدود الشرعية التمثيلية، وطبيعة المعارضة الخارجية أثناء النزاعات المسلحة، ومدى تأثير الانتماءات المزدوجة والمتعددة العابرة للحدود في تشكيل القرار السياسي الوطني داخل الدول الهشة أو الخارجة من النزاعات.

وعليه، فإن سلسلة المقالات، تخلص إلى أن الحالة السودانية تؤسس في الأدبيات السياسية والدستورية–القانونية لنموذج يمكن توصيفه (بالانتقال السيادي المتنازع عليه)، حيث تتداخل الشرعية الثورية، والشرعية الدستورية، وشرعية الأمر الواقع، ضمن بنية دولة لم تُحسم بعد معضلة تأسيسها التاريخي. كما تتقاطع في هذا النموذج أنماط الشراكة المدنية–العسكرية، والانقسامات المدنية، والانقلابات الهجينة المدنية-العسكرية، والتدويل السياسي، مع هشاشة البنية المؤسسية وغياب التوافق الدستوري المستدام، بما يجعل التجربة السودانية واحدة من أكثر حالات الانتقال تعقيدًا في التجارب المقارنة المعاصرة.

 

زر الذهاب إلى الأعلى