أعمدة الرأي

فريق شرطة حقوقي د. الطيب عبدالجليل حسين يكتب قراءة في اجتماع مجلس الأمن والدفاع السوداني (19 مايو 2026م) في سياق دولة ما بعد حرب 15 أبريل 2023م

 

حالة تطبيقية لمنسوبي شرطة جوازات مطار بورتسودان .

تتناول هذه المقالة، من مقاربة سياسية– أمنية– دستورية، قرارات اجتماع مجلس الأمن والدفاع المنعقد بتاريخ 19 مايو 2026م، وما صدر عنه من توجيهات تتعلق بضبط المظاهر المسلحة وتنظيم عمل الخلايا الأمنية، بوصفها خطوة يمكن النظر إليها باعتبارها بداية لمسار التعافي التدريجي للحياة المدنية الطبيعية واستعادة منطق الدولة القائمة على المؤسسات الشرعية وسيادة القانون. وفي الوقت ذاته، تعكس هذه التوجيهات طبيعة التحولات العميقة التي تمر بها الدولة السودانية في مرحلة ما بعد حرب 15 أبريل 2023م، وما أفرزته الحرب من إعادة تشكيل لموازين القوة ووظائف الدولة وأدوار مؤسساتها الأمنية والسيادية. فمنذ اندلاع الحرب في أبريل 2023م، دخل السودان في حالة مركبة من إعادة إنتاج السلطة والشرعية، وإعادة تعريف وظائف الدولة وحدود أدوار مؤسساتها، حيث انتقلت مؤسسات الحكم من إدارة انتقال سياسي هش ومضطرب إلى إدارة نزاع مسلح واسع النطاق، أعاد ترتيب البنية الداخلية للمجالين السياسي والأمني، ورسّخ تدريجيًا منطق الدولة الأمنية بوصفه الإطار الأكثر حضورًا في إدارة المجال العام وإعادة إنتاج السلطة خلال هذه المرحلة.

وفي السياق، المقصود بالمجال العام وأنتاج السلطة. لا يُقصد بالمجال العام هنا مجرد الفضاء المكاني المرتبط بالشوارع والأسواق والمؤسسات، وإنما مجمل الفضاء السياسي والإداري والأمني والاجتماعي الذي تُدار داخله حياة المجتمع والدولة. فهو – أي المجال العام – يشمل تنظيم الحركة والتنقل، وإدارة الأمن والخدمات، وضبط النشاط السياسي والاجتماعي، وتحديد حدود السلطة العامة وعلاقتها بالمواطنين. وفي الدولة الطبيعية المستقرة، يُدار المجال العام أساسًا عبر المؤسسات المدنية والقانونية التقليدية، المتمثلة في الشرطة والقضاء والإدارة المدنية. إلا أن الحروب الممتدة كثيرًا ما تدفع المجال العام إلى الخضوع تدريجيًا للمنطق الأمني والعسكري، بحيث تصبح أدوات القوة والرقابة والتعبئة الأمنية-العسكرية هي الوسيلة الأساسية لإدارة المجتمع بدلًا عن الإدارة المدنية الطبيعية.

أما المقصود من عبارة (إعادة إنتاج السلطة)، فهي من المفاهيم المستخدمة في العلوم السياسية وعلم الاجتماع السياسي، ويُقصد بها الكيفية التي تحافظ بها الدولة أو النُخبة الحاكمة على استمرار نفوذها وشرعيتها وسيطرتها، أو تعيد بناء هذه السيطرة بعد تعرضها للاهتزاز أو التهديد. فالسلطة، ليست مجرد وجود قانوني أو دستوري ثابت، وإنما تحتاج دائمًا إلى أدوات للحفاظ على النفوذ، وآليات لإعادة تثبيت الشرعية، ووسائل لضبط المجتمع وإدارة القوة. ولا سيما أنه بعد حرب 15 أبريل 2023م، لم تعد عملية إعادة إنتاج السلطة في السودان، تتم عبر أدوات الانتقال السياسي التقليدية، كالوثيقة الدستورية 2019م أو الشراكة المدنية–العسكرية، لحقبة فترة ما قبل 15 أبريل 2023م، وإنما انتاج السلطة أصبحت تعتمد بصورة أكبر على السيطرة العسكرية، وإدارة الأمن، والتحالفات المسلحة، والخلايا الأمنية الهجينة من الجيش-الشرطة- المخابرات العامة، والاستثناءات القانونية المرتبطة بظروف الحرب.

وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى اجتماع مجلس الأمن والدفاع، باعتباره محاولة رسمية للانتقال التدريجي من مرحلة (إدارة الحرب) إلى مرحلة (استعادة الدولة)، أي إعادة بناء الحد الأدنى من السيطرة المؤسسية على المجال الحضري والمدني، بعد التوسع الكبير في المظاهر المسلحة وانتشار التشكيلات القتالية داخل المدن والأسواق والأحياء السكنية. إلا أنه من جهة، هذا الانتقال لا يجري في إطار دولة مستقرة دستوريًا ومؤسسيًا، وإنما في ظل بيئة تتسم بما يمكن وصفه (بالسيولة الدستورية والأمنية)، حيث تتداخل الشرعيات العسكرية والأمنية مع الشرعية القانونية والدستورية في ظل غياب مؤسسات تشريعية فاعلة ومستقرة، وتعطل أجزاء واسعة من النظام العدلي والإداري.

(أولاً) تسييل العنف وعسكرة المجال المدني:

———————————–

من دلالات قرارات مجلس الدفاع والأمن الوطني يبرز في السطع المعرفي العلمي، مفهومان محوريان في التحليل السياسي والأمني، هما: (تسييل العنف، عسكرة المجال المدني)، وهما مفهومان اصطلاحيان تقنيان يُستخدمان في إطار العلوم السياسية والدراسات الأمنية، لتفسير تحولات بنية الدولة في سياقات النزاعات المسلحة الداخلية. وفي الحالة السودانية بعد 15 أبريل 2023م، تتجلى ظاهرة (تسييل العنف) بوضوح، وهي الحالة التي تفقد فيها الدولة قدرتها الكاملة على احتكار استخدام القوة داخل المؤسسات النظامية الرسمية، بحيث يصبح العنف والسلاح موزعين بين فاعلين متعددين، يشملون القوات النظامية، والقوات المساندة، والمتطوعين، والحركات المسلحة، والخلايا الأمنية، والتشكيلات المحلية ذات الطابع التعبوي أو الجهوي. وفي مثل هذه البيئات، لا يعود استخدام القوة ممارسة سيادية منضبطة بالقانون، وإنما يتحول تدريجيًا إلى مورد سياسي وأمني واجتماعي متحرك داخل بنية المجتمع.

وقد أدى هذا الواقع إلى تآكل الحدود الفاصلة بين المجال العسكري والمجال المدني، بحيث أصبحت المدن السودانية، خصوصًا في مناطق سيطرة الدولة، فضاءات أمنية–عسكرية تتداخل فيها الوظائف القتالية مع الحياة المدنية اليومية. ومن ثم، برزت ظاهرة (عسكرة المجال المدني)، حيث تمددت الأدوات العسكرية والأمنية إلى الفضاءات المدنية والإدارية والاجتماعية، عبر نقاط التفتيش، والمركبات القتالية، والخلايا الأمنية، والرقابة الأمنية داخل الأسواق والأحياء ومرافق الخدمات العامة.

وفي هذا السياق، يمكن فهم توجيهات مجلس الأمن والدفاع المتعلقة بضبط المظاهر المسلحة باعتبارها محاولة لإعادة ترميم مبدأ (مركزية القوة العامة)، واستعادة الحد الأدنى من احتكار الدولة لاستخدام القوة داخل المجال المدني، بعد أن أفرزت الحرب واقعًا تتعدد فيه مراكز النفوذ الأمني والعسكري.

وهنا، يُقصد (بمركزية القوة العامة) في الفقه السياسي والدستوري، مبدأ احتكار الدولة المنظم والوحيد لاستخدام القوة المادية والناعمة داخل الإقليم، عبر مؤسساتها الرسمية المشروعة، وفي مقدمتها القوات المسلحة والشرطة والأجهزة العدلية، بحيث تكون سلطة الإكراه (القبض، التفتيش، الضبط، التنفيذ، التوقيف للمشتبه فيهم والمتهمين) محصورة داخل إطار قانوني واضح وتحت رقابة مؤسسية فاعلة. ويقوم هذا المبدأ على فكرة أن الدولة الحديثة، لا تُعرَّف فقط بوجود مؤسسات حكم، بل بقدرتها على توحيد مصدر القوة وتنظيمه، ومنع تشتته بين فاعلين موازين أو غير نظاميين، بما يضمن سيادة القانون واستقرار النظام العام.

وعليه، فإن تعدد الفاعلين المسلحين أو تشظي مراكز القوة داخل المجتمع، كما حدث في السياق السوداني بعد الحرب، يؤدي إلى تآكل هذا المبدأ، ويجعل إعادة تفعيله شرطًا أساسيًا لإعادة بناء الدولة، واستعادة وظائفها السيادية والمدنية على حد سواء.

(ثانياً) مفهوم اقتصاد الحرب الأمني وإعادة تشكيل السلطة:

———————————

في ذات السياق، ومن زاوية الاقتصاد السياسي للنزاعات المسلحة الداخلية، يمكن فهم دلالات قرارات مجلس الدفاع والأمن الوطني، ضمن إطار مفهوم (اقتصاد الحرب الأمني)، وهو نمط تحليلي، يُشير إلى الحالة التي تتحول فيها الحرب والوظيفة الأمنية من أدوات لحماية الدولة وإدارة النزاعات إلى آليات لإعادة تشكيل بنية الاقتصاد والسلطة والشرعية داخل المجتمع.

وفي هذا النمط التحليلي من منظور العلوم السياسية والدستورية، لا تبقى الأجهزة الأمنية مجرد مؤسسات تنفيذية لتطبيق القانون أو حفظ النظام العام، وإنما تتوسع أدوارها، لتصبح مراكز نفوذ سياسي واجتماعي واقتصادي، ترتبط بالسيطرة على الموارد، وحركة الأفراد، والتجارة، والمعابر، ونقاط العبور الاستراتيجية، بما يؤدي إلى تشكل شبكات مصالح متداخلة مع استمرار حالة الحرب وتوسع منطق التعبئة الأمنية.

وفي هذا الإطار، لا يقتصر (اقتصاد الحرب الأمني) في الحالة السودانية على إعادة توزيع السلطة عبر الأدوات العسكرية والأمنية فحسب، وإنما يتداخل أيضًا مع أنماط الاقتصاد الريعي غير المُنتِج، الذي ينشأ في سياقات ضعف الدولة وتفكك أجهزتها الرقابية. ويشمل ذلك على وجه الخصوص؛ اقتصاديات استخراج وتجارة الذهب، وشبكات التهريب عبر الحدود، والتحكم في بوابات الإنتاج بمنح التصاديق والتسهيلات والاعفاءات لاستخراج الذهب والتجارة والنقل.

وفي مثل هذه البيئات، لا يعمل العُنف بإعتباره أداة سيطرة أمنية فقط، وإنما يتداخل بصورة عضوية مع آليات إنتاج الثروة وتوزيعها، حيث تتحول الموارد الطبيعية والمعابر الاستراتيجية إلى مصادر ريع سياسي–أمني، تتقاطع فيها مصالح الفاعلين المدنيين والعسكريين وشبه العسكريين وشبكات الاقتصاد غير الرسمي. ويؤدي هذا التشابك إلى نشوء بنية هجينة تتداخل فيها السلطة الأمنية مع الاقتصاد الريعي، بحيث تصبح السيطرة على المجال الأمني مدخلًا مباشرًا للسيطرة على الموارد الاقتصادية وإعادة توزيعها.

وبذلك، لا يعاد تشكيل الشرعية السياسية فقط عبر منطق القوة، وإنما أيضًا عبر التحكم في دوائر الريع والموارد، الأمر الذي يعمّق منطق (اقتصاد الحرب الأمني) ويجعله أكثر تعقيدًا وتشابكًا، لأنه لا يقوم على العنف وحده، بل على تزاوج العنف مع اقتصاديات الريع والتهريب والتحكم في بوابات الإنتاج والتجارة.

وبالتالي، مع طول أمد النزاع، تنشأ فئات جديدة من الفاعلين الأمنيين والمدنيين الهجينين، الذين لا ينتمون بصورة كاملة إلى المؤسسة العسكرية النظامية، ولا يمكن تصنيفهم ضمن المجال المدني الخالص المنتج، مثل الخلايا الأمنية، والقوات المساندة، وبعض التشكيلات المحلية ذات الطابع الجهوي أو التعبوي. ويؤدي هذا التعدد التدريجي للفاعلين المسلحين إلى تآكل مبدأ الاحتكار التقليدي للعنف المشروع، وإعادة توزيع مراكز القوة داخل المجتمع، بما ينعكس على بنية الدولة ذاتها.

وفي الحالة السودانية، لا يقتصر أثر اقتصاد الحرب الأمني على البُعد العسكري فحسب، وإنما يمتد ليطال طبيعة الشرعية السياسية نفسها. فمع تراجع فاعلية المؤسسات المدنية والدستورية، تصبح القدرة على السيطرة الأمنية وإدارة المجال العسكري عنصرًا حاسمًا في إنتاج الشرعية السياسية، بحيث تتقدم تدريجيًا (شرعية القوة والسيطرة الميدانية) على (شرعية القانون والمؤسسات). وهذه الحالة الأنموذج، من السمات البنيوية الملازمة للدول التي تمر بحروب أهلية ممتدة أو بانهيار جزئي في بنيتها المؤسسية، حيث يُعاد تعريف السلطة، ليس بوصفها سلطة قانون، بل بوصفها قدرة فعلية على التحكم في المجال الأمني وإدارته.

(ثالثاً) الخلايا الأمنية وإشكالية السلطات الاستثنائية:

——————————-

في هذا السياق، تبرز (الخلايا الأمنية) بإعتبارها أحد أهم تجليات الدولة الأمنية الاستثنائية في مرحلة الحرب. فمن الناحية الوظيفية، تمثل هذه الخلايا بِنية أمنية هجينة تجمع بين الوظائف الاستخبارية والتنفيذية والتحقيقية، وتنشأ عادة في البيئات التي تواجه تهديدات أمنية مرتفعة، كحالات الاختراقات الداخلية والخلايا النائمة والتعاون مع القوى المعادية. إلا أن الإشكال الجوهري، لا يتعلق بمجرد وجود هذه الخلايا، وإنما بطبيعة سلطاتها وحدود الرقابة القانونية والقضائية عليها. فمع غياب بنية دستورية مستقرة ومؤسسات تشريعية فاعلة، تتوسع عادة صلاحيات الأجهزة الاستثنائية بصورة تتجاوز الضوابط القانونية التقليدية، بما يخلق خطر تحول (الضرورة الأمنية) إلى (نظام حكم دائم)، وهي الحالة التي يُعبّر عنها في الفقه الدستوري والسياسي بمفهوم (دولة الطوارئ الدائمة)، أي الحالة التي تتحول فيها أدوات الاستثناء من إجراءات مؤقتة مرتبطة بظرف الحرب أو التهديد، إلى نمط حكم مستقر يعيد تشكيل العلاقة بين السلطة والقانون.

وفي سياق الدول التي تواجه حروبًا داخلية أو تهديدات وجودية تمس بقاء الدولة نفسها، غالبًا ما تتجه السلطة العامة إلى تبني سياسات استثنائية، تهدف إلى فرض هيبة الدولة ومنع انهيار مؤسساتها، خاصة في البيئات التي تعاني ضعفًا تاريخيًا في ثقافة احترام القانون والنظام العام، وغياب حد أدنى من التوافق المجتمعي حول معنى الدولة وشرعيتها وحدود السلطة العامة فيها.

وفي هذا الإطار، يُعد السودان حالة نموذجية تمثيلية لهذه الفرضية، إذ يعكس بوضوح تداخل تحديات بناء الدولة مع تعقيدات النزاع المسلح، وما يترتب على ذلك من لجوء متزايد إلى الأدوات الاستثنائية في إدارة المجال العام، في ظل هشاشة البنية المؤسسية وتعدد مراكز القوة وتنازع الشرعيات خلال فترات الحرب وما بعدها. ولذلك، فإن الدولة في مراحل النزاعات الوجودية لا تتحرك فقط وفق منطق (القانون المكتوب)، وإنما أيضًا وفق منطق (حماية الكيان العام) ومنع انهيار السلطة المركزية، أي في سياق تتقدم فيه اعتبارات البقاء والاستقرار المؤسسي على مقتضيات التطبيق الحرفي للنصوص القانونية، دون أن يعني ذلك إلغاءها أو تعطيلها كليًا، وإنما إعادة تأويلها ضمن منطق الضرورة السياسية والأمنية.

وعند المقارنة، يتضح أن هذا النمط – الخلية الأمنية – ليس حكرًا على الحالة السودانية، بل يتكرر بدرجات متفاوتة في تجارب دول أخرى. ففي مصر، على سبيل المثال، شهدت الأجهزة الأمنية والعسكرية توسعًا متدرجًا في أدوارها منذ منتصف القرن العشرين، خصوصًا في سياقات الصراع السياسي الداخلي ومكافحة الإرهاب، بما أدى إلى ترسيخ حضور أمني قوي داخل المجال السياسي والإداري، وتوسع أدوات الاستثناء في إدارة المجال العام. أما في تركيا، فقد ارتبطت التحولات الكبرى بدور المؤسسة العسكرية ومجلس الأمن القومي، الذي لعب تاريخيًا دور (الحارس السياسي) للنظام، قبل أن تشهد البلاد إعادة هندسة عميقة للعلاقة بين الجيش والسياسة، مع بقاء الاعتبارات الأمنية عنصرًا مؤثرًا في بنية الحُكم، خاصة بعد محطات الانقلابات ومحاولة الانقلاب عام 2016م.

وتُظهر هذه المقارنات، أن الانتقال من (الدولة الأمنية الاستثنائية) إلى (الدولة الدستورية المستقرة) ليس مسارًا خطيًا، بل عملية شديدة التعقيد، تتحدد بميزان العلاقة بين ثلاثة عناصر رئيسية: (الأول) مستوى التهديدات الأمنية، (الثاني) درجة نضج المؤسسات الدستورية، (الثالث) مدى وجود توافق اجتماعي حول قواعد الشرعية السياسية. وفي غياب هذا التوازن، تميل الدول إلى إنتاج أنماط هجينة، تتداخل فيها ضرورات الأمن مع منطق الحكم وإدارة الدولة، بما يجعل الأجهزة الاستثنائية جزءًا بنيويًا من إدارة الدولة، لا مجرد أدوات مؤقتة لمواجهة الأزمات.

(رابعاً) الردع العام وهيبة الدولة في الفقه القضائي السوداني:

———————————-

تكتسب مسألة (الردع العام) أهمية خاصة في المجتمعات الخارجة من النزاعات أو التي تعاني هشاشة في الثقافة القانونية والمؤسسية. فالسلطة لا تستهدف فقط معاقبة الفاعل الفرد، وإنما تسعى إلى توجيه رسالة سياسية وأمنية للمجتمع بأكمله، مفادها أن الدولة ما تزال قادرة على العقاب وفرض النظام العام. ولذلك كثيرًا ما تميل الدول في لحظات التأسيس أو الأزمات الوجودية إلى التشدد الأمني أو القضائي، بهدف إعادة إنتاج الهيبة العامة لسيادة الدولة، ومنع التفكك المؤسسي. وفي هذا السياق، تحمل الواقعة القضائية السودانية الشهيرة، المرتبطة بجريمة الاختلاس المالي بمدينة كوستي خلال ستينيات القرن الماضي، دلالة مهمة في تاريخ الفقه القضائي السوداني. فرغم أن قانون العقوبات السوداني آنذاك كان يحدد عقوبة جريمة الاختلاس بالسجن والغرامة، أصدر قاضي الجنايات حكمًا بالإعدام على المتهم، مبررًا ذلك بالحاجة إلى تحقيق الردع العام وصيانة المال العام في مجتمع لا تزال فيه مؤسسات الدولة في طور التأسيس.

وعندما سأل رئيس القضاء، قاضي الجنايات الذي أصدر الحكم عن سند العقوبة غير المنصوص عليها، كان جوهر رده، أن المحكمة العليا تملك تصحيح وتعديل العقوبة وفق القانون، مع إقراره في الوقت ذاته، بأن تقديره القضائي في توقيع العقوبة، انطلق من تصور وظيفي للعدالة في سياق مجتمع ناشئ يحتاج إلى ردع فعّال للفساد، في ظل ضعف التشريع القائم، وعدم كفاية النصوص العقابية، لتحقيق الردع العام والخاص. وقد أراد من خلال حكمه بالإعدام، إرسال رسالة ردعية حاسمة ضد الفساد، حمايةً لهيبة الدولة والوظيفة العامة.

ومن الناحية النظرية، تكشف هذه الواقعة عن التوتر الدائم بين مبدأ (الشرعية القانونية الشكلية) ومبدأ (الشرعية الوظيفية للدولة)، أي بين الالتزام الحرفي بالنصوص القانونية، وبين تصور الدولة لضرورات البقاء وتحقيق الردع العام في البيئات الهشة، حيث يتداخل فيها ضعف البناء التشريعي مع الحاجة إلى تعزيز فعالية القانون في حماية النظام العام، إلى جانب ضعف الثقافة السياسية والمجتمعية المرتبطة بإدراك حدود القانون، وموقع الدولة، ومعايير احترام الوظيفة العامة وسيادة حكم القانون.

(خامساً) حالة منسوبي جوازات مطار بورتسودان وإشكالية تجاوز السلطات الاستثنائية:

———————————–

في السياق السوداني الراهن، تبرز حالة منسوبي شرطة الجوازات والهجرة والجنسية بمطار بورتسودان بوصفها نموذجًا تطبيقيًا لإشكالية توسع السلطات الاستثنائية في ظل عمل الخلايا الأمنية ضمن سياق منطق الحرب. فقد وُجهت اتهامات لبعض منسوبي الشرطة، من بينهم ضابط برتبة الرائد ومجموعة من طاقم المعاونة من صف الضباط والجنود، تتعلق بمساعدة أجانب على مغادرة السودان عبر المطار باستخدام وثائق سفر وُصفت في البداية بأنها مزورة، قبل أن يتبين لاحقًا أن تلك الوثائق صحيحة من الناحية الفنية والقانونية.

ومن الناحية القانونية، تثير هذه الواقعة إشكالًا مركبًا يتصل بطبيعة الاختصاص والسيادة، إذ إن وثائق السفر الأجنبية ترتبط في جوهرها بسيادة الدولة التي أصدرتها، كما أن مغادرة الأجنبي إلى دولته، حتى في حال وجود شبهة شكلية تتعلق بالوثيقة الثبوتية لحاملها، لا تُعد بالضرورة ضررًا مباشرًا على الدولة السودانية وفق المفهوم التقليدي للجريمة العابرة للحدود، ما لم يقترن ذلك بسلوك مُجرَّم واضح وفق القانون الوطني الداخلي.

إلا أن الإشكال الأعمق والأكثر خطورة يتمثل في طبيعة الإجراءات التي باشرتها الخلية الأمنية بمدينة بورتسودان، والتي شملت الاعتقال والتوقيف لفترات ممتدة، وممارسة ضغوط وانتهاكات جسيمة بغرض انتزاع اعترافات تتعلق بالاتهامات محل التحري، فضلًا عن تجاوز الاختصاصات القانونية والحرمان من الضمانات الأساسية لحق الدفاع والمحاكمة العادلة. كما امتدت الإجراءات إلى توسيع دائرة الاشتباه بصورة تجاوزت الوقائع الأصلية محل الاتهام، لتشمل أعمالًا ووقائع إدارية تتعلق بإدارات جوازات في ولايات أخرى لا تربطها صلة مباشرة بوقائع الاشتباه الأساسية، الأمر الذي يعكس ميل السلطات الاستثنائية في بعض البيئات الأمنية إلى التوسع في الاشتباه خارج الحدود الدقيقة للاتهام والإجراءات القانونية المنضبطة.

وفي هذا السياق، برزت كذلك إشكالية مهنية وقانونية، تتعلق بدور المحاميين وحق الدفاع، إذ امتنع عدد من المحامين عن تولي الدفاع عن المتهمين، بدعوى تجنب الاصطدام مع الخلية الأمنية أو الدخول في مواجهة مع الأجهزة ذات الطبيعة الاستثنائية، الأمر الذي اضطر المتهمين في نهاية المطاف إلى تكليف محامٍ وهو ضابط شرطة متقاعد لتولي مهمة الدفاع عنهم. ويطرح هذا الواقع تساؤلات أعمق تتعلق بفهم وظيفة المحامي في الدولة القانونية، باعتباره أحد الفاعلين الرئيسيين في منظومة العدالة وضمانات المحاكمة العادلة، لا مجرد طرف إجرائي هامشي. كما يكشف عن أثر مناخ الاستثناء الأمني على فعالية الحق في الدفاع، حين يصبح الخوف من السلطة أو من البنى الأمنية الموازية عاملًا مؤثرًا في ممارسة المهنة القانونية ذاتها، بما ينعكس سلبًا على مبدأ تكافؤ الفرص والضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة.

كما أن المتهمين، بصفتهم من منسوبي الشرطة، يخضعون أصلًا لقانون شرطة السودان لسنة 2008م بوصفه قانونًا خاصًا ينظم المسئولية والانضباط والإجراءات التأديبية والجزائية داخل مؤسسة الشرطة بوزارة الداخلية. وهو ما يثير تساؤلات جوهرية حول مدى مشروعية تجاوز هذا الإطار القانوني والمؤسسي بواسطة خلايا أمنية استثنائية هجينة، تتداخل فيها مكونات من الاستخبارات العسكرية (والشرطة ذاتها) وجهاز المخابرات العامة، وتعمل خارج التسلسل الإداري والقانوني الطبيعي. كما يفتح ذلك باب التساؤل حول مستوى فهم وتطبيق القانون داخل بعض حلقات إنفاذه، لا سيما حين يكون بعض الفاعلين داخل هذه البنى الاستثنائية من القيادات الشرطية نفسها، وما يترتب على ذلك من إشكالات مهنية تتصل بمبدأ سيادة القانون داخل أجهزة إنفاذه.

وفي السياق ذاته، تُبرز هذه الحالة إشكالية مرتبطة بدور النيابة العامة، إذ تشير الوقائع إلى علمها بالإجراءات المتخذة بشأن القبض والتوقيف والتحري لفترة قاربت أحد عشر شهرًا دون إحالة القضية إلى المحكمة، مع تبرير ذلك بضعف الأدلة واحتمال شطب الدعوى من أول جلسة قضائية. كما ارتبط تعطل الإجراءات بعوامل تنظيمية وإدارية، من بينها غياب وكيل النيابة المشرف على الملف في فترات حساسة، وهو ما يعكس هشاشة البنية الإجرائية والرقابية في إدارة الملفات ذات الطابع الأمني الاستثنائي.

ومن زاوية أوسع، تطرح هذه الحالة – حالة منسوبي جوازات مطار بورتسودان – سؤالًا جوهريًا حول تقييم وظيفة ودور النيابة العامة في سياقات الحروب والدول الاستثنائية، وحدود علاقتها بالأجهزة الأمنية، ومدى استقلالها الفعلي واخضاعها للرقابة القضائية لمرحلة ضمانات ما قبل المحاكمة. وهي جدلية قانونية ومؤسسية معقدة تثيرها أيضًا العديد من التجارب المقارنة، وسنتناولها بصورة أكثر تفصيلًا في مقالات مستقلة. وكما تفتح هذه الحالة بابًا للتقييم النقدي لتجربة النيابة العامة في السودان عند مقارنتها بالمعايير المعتمدة في نظم العدالة الجنائية الحديثة والمعايير الدولية الناظمة لعمل أجهزة الادعاء العام والاتهام، والتي تقوم على مبدأ الفصل الوظيفي بين سلطات التحري والتحقيق والاتهام، وعدم الجمع بين وظيفة الاتهام ووظيفة التحقيق بصورة تُخلّ بضمانات الحياد والمشروعية الإجرائية، إلى جانب إخضاع أعمال النيابة والسلطات الإجرائية التحقيقية الاولية – الشرطة – لرقابة القضاء بوصفه الضامن النهائي لحماية الحقوق والحريات وسيادة القانون.

فوفقًا لمعايير العدالة الجنائية الحديثة، لا تُعد النيابة العامة مجرد جهة اتهام تسعى إلى الإدانة، وإنما تُعد جزءًا أصيلًا من منظومة العدالة الاجرائية الجنائية، بما يفرض عليها التزامًا بتحقيق التوازن بين حق الدولة في الملاحقة الجنائية وحق الأفراد في المحاكمة العادلة والضمانات الإجرائية. ولذلك، فلسفة العدالة الجنائية الحديثة، تقوم على الحد من تركّز السلطات الإجرائية في يد جهة واحدة، لأن الجمع بين سلطات التحري والتحقيق والاتهام، في غياب رقابة قضائية فعّالة، يؤدي إلى الإخلال بمبدأ الحياد والتوازن الإجرائي، ويُضعف الضمانات المرتبطة بحق الدفاع ومبدأ تكافؤ أو تعادل السلاح بين طرفي الدعوى، فضلًا عن المساس بسلامة الإجراءات وعدالتها. ومن ثم، فإن وظيفة النيابة العامة لا تقتصر على تحريك الدعوى الجنائية وتمثيل الاتهام أمام القضاء، بل تمتد إلى الرقابة على مشروعية إجراءات القبض والتوقيف والتحري، وضمان احترام الضمانات الدستورية والإجرائية للمتهمين، ومنع التعسف في استخدام السلطات الاستثنائية، خاصة في البيئات التي تتسع فيها صلاحيات الأجهزة الأمنية تحت مبررات الضرورة وحماية الأمن القومي.

كما أن المعايير الدولية للعدالة الجنائية، تُلزم النيابة العامة بعدم إطالة إجراءات التحري أو التوقيف دون مبرر قانوني معقول، وضرورة إحالة القضايا إلى القضاء خلال مدد زمنية معقولة وبإجراءات عادلة ومنضبطة، بما يحافظ على التوازن المؤسسي والفصل الوظيفي بين أجهزة الشرطة والنيابة والقضاء، ويمنع تغوّل الأجهزة الأمنية على الاختصاصات العدلية أو تحوّل النيابة العامة إلى مجرد امتداد إجرائي للسلطة الأمنية.

وفي هذا السياق، تبرز الإشكالية الجوهرية المتعلقة بمدى قدرة النيابة العامة، في البيئات الاستثنائية وحالات الحرب والنزاعات المسلحة الداخلية.

زر الذهاب إلى الأعلى