عبد اللطيف السيدح يكتب: ليلة مزدلفة المنسية، في قاموس بعثة الحج السودانية

بغض النظر عن أي أوجه قصور، أو إيجابيات على أعمال بعثة الحج السودانية، فحجاجنا يمكن أن يتجاوزوا عن أي شيء يتعلق بالاعاشة، والسكن، والنقل، عدا عدم تمكينهم من أداء مناسكهم على الوجه الأتم. وتحدث سنويا خلافات وشكاوى الحجاج مع البعثة حول السنة النبوية المؤكدة والثابتة وهى المبيت بمشعر مزدلفة والإفاضة منه بعد صلاة الفجر نحو منى لرمي جمرة العقبة والتقصير ثم الذهاب الى الحرم لأداء طواف الإفاضة وسعي الحج.
تكثر الشكاوى وتعددت الفتاوى، وحجاج السودان يرون بأم أعينهم أماكن ومقار مجهزة بالكامل لحجاج بعثات حج الدول الأخرى فما المانع أن يكون لهم مثلما لإخوانهم الحجاج من الجنسيات الأخرى. و هنا تتعقد المسألة فهل توفير أماكن بمشعر مزدلفة مسؤولية الشركة التي تم التعاقد معها لإسكان الحجاج في المشاعر المقدسة أم هى مسؤولية بعثة الحج السودانية أم الإثنين معا، الحجاج الذين عبروا مزدلفة خاصة صغار السن منهم الآن في حيرة من أمرهم، وماهى الجهة التي أعطت الفتوى لبعثة الحج السودانية بعبور هؤلاء الحجاج لمزدلفة التي تحتضن المشعر الحرام.
ياترى من يفض هذا الاشتباك والحجاج غاضبون جدا على الذين تولوا مسؤولية الإشراف على أداء مناسكهم. وكيف يجبر هذا الواجب بالدم مثلا أم هناك معالجات أخرى.
إن أشواق الحاج السوداني إلى البلد الحرام تسبق جسده، فنجده يحمل في قلبه حلما عمره ربما عمر حياته كلها، يبيع ويقترض ويصبر، لا من أجل أن يأكل في فندق فاخر، ولا لينام على فراش وثير، إنما لأداء فريضة أثبت الشارع الحكيم لصحتها شروطا، وفي مناسكها أركانا وواجبات لا تتم الحجة إلا بها، فمن ياترى هذه الجهة التي تمنح البعثة فتوى تمنع حجاج أصحاء، شباب في ريعان العمر لم يتجاوزوا الخمسين، نساء ورجال، من المبيت، وتعتبر مزدلفة محطة عبور لا مشعر حرام.
والمبيت بمزدلفة والإفاضة منها بعد صلاة الفجر سنّة مؤكدة ثابتة بفعل النبي صلى الله عليه وسلم، وهى من أبرز شعائر يوم النحر، يعقبها رمي جمرة العقبة، والتقصير، ثم طواف الإفاضة. وهذا الترتيب ليس برنامجا سياحيا يعدل حسب الظروف، إنما نسك ربّاني محكم.
وقد أجاز الفقهاء الدفع المبكر من مزدلفة للمستضعفين من كبار السن والمرضى وذوي الأعذار الثابتة، لكن الشاب المعافى القوي النصيح، والمرأة الصحيحة، لا يدخلان في هذا الباب بأي حال، ولا يدخلان كذلك فيما نقل عنه صلى الله عليه وسلم (إفعل ولا حرج).
وهل ما يحدث لحجاجنا من تجاوز (سريعا مارش) لمزدلفة سببه الشركة المتعاقدة معها البعثة؟ أم أن بعثتنا هى التي آثرت عبور الحجاج؟ أم أن هناك اتفاق بين البعثة والشركة أم هو تقاذف للمسؤولية يدفع ثمنه حاج ممتعض؟ ولماذا لا تخطر البعثة الحجاج عبر الأمراء قبل التحرك من عرفة أنه لا نزول من الحافلات في مزدلفة، إذا كيف يجبر هذا التقصير؟، والسؤال الأهم لأهل العلم، هل يجب الدم جبرا لهذا الخلل في أداء النسك؟ أم تتحمل الجهة التي أصدرت الفتوى المسؤولية كاملة أمام الله ؟ وهل يمكن التفريق بين من كان يعلم وأُجبر ذلك بالدم، ومن لم يكن يعلم بالترتيب أصلا؟ وهذه أسئلة تستوجب فتوى واضحة عاجلة من علماء موثوقين.
وهذه شذرات من فتاوى عثرت عليها أثناء بحثي حول قضية المبيت بمزدلفة، علما أن السودانيين يتعبدون على مذهب الإمام مالك في غالبهم الأعم، ولنقرأ ماذا قال المالكية في حكم المبيت بمزدلفة.
حكم ترك المبيت بمزدلفة
أولا. منزلة المبيت بمزدلفة
المبيت بمزدلفة واجب من واجبات الحج عند جمهور العلماء، وليس ركنا، وهذا التمييز مهم جدا في الحكم.
ثانيا. حكم تاركه
الحالة
الحكم
تركه بلا عذر
وجب عليه دم (ذبح شاة)
تركه لعذر معتبر (مرض، خوف، ضرورة)
لا شيء عليه، المستضعفون (كبار السن، المرضى، النساء الضعيفات) هؤلاء رخص لهم الدفع قبل الفجر.
ثالثا. الحد الأدنى المجزئ
اختلف العلماء في أقل ما يجزئ
الحنابلة والشافعية(يكفي المرور ولو لحظة من النصف الثاني من الليل). أنظر النصف الثاني أي بعد الثانية عشرة ليلاً
المالكية، (لا بد من معظم الليل).
والراجح عندهم ، المبيت مع صلاة الفجر.
رابعا. الخلاصة العملية
من عبر مزدلفة دون مبيت بلا عذر شرعي معتبر
عليه دم ذبح شاة في مكة وتوزيعها على فقراء الحرم، وحجه صحيح ولا يبطل بترك الواجب، لكنه ناقص يجبر بالدم.
و أخيرا المسؤولية تقع على من أفتى بعبور مزدلفة دون عذر، وعليه وزر مستقل.


