مقالات الرأي

أُسَيْدياتُ الثُلاثاء عثمان الشيخ الأُسيد  يكتب تفاريقُ العصا

 

دخل علينا يوسفُ في أولَ أيام العيد، بالزي القومي السوداني كاملًا، الجلابية والعُمامة والشال، ومركوب النمر، ويحمل بيمينه (عصا) لم أتعرف عليه منذ الوهلةِ الأولى، فقد اكتسى هيبةً وجمالًا وإجلالًا لم أعهدهم فيه. وبعد مراسم السلام والمعايدة، قلت له: ما تلك بيمنك يا يوسف وما تصنع بها؟ قال: وما كان يصنع بها موسى عليه السلام وهو يُخاطب ربّه؟ قلت له: موسى عليه السلام أجاب ربه و قَالَ (هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ) طه 18 قال يوسف وانا أيضًا هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَؤأشر بِهَا عَلَىٰ التاكسي وأقرع بها الأبواب وأضرب بها الكلاب وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ ثم جلس وألقى عصاه جانبا. قلت له: للعصا طريقةٌ معينةٌ في الإمساك والمشي والجلوس والنهوض، وأنت القيتها على جنب قال لي: هذا دليل على اطمئناني للمكان، كانت العربُ تقول(ألقى عصاه) كنايةً عن الاستقرار والراحة في مكان ما، بينما تعني (أخذ عصاه) الاستعدادَ للمغادرة والارتحال، ثم أضاف قائلا: للعصا فوائدُ كثيرةٌ، ومن ضمن ما قاله ابنُ عباس عن فوائد العصا قال: وإذا أصابني حرُّ الشمس، غرزتُها في الأرضِ، وألقيت عليها ما يظلني، وإذا خِفتُ شيئًا من هوامِ الأرض، قتلته بها، وإذا مشيتُ ألقيتُها على عاتقي وعلقت عليها القوسَ والكنانةَ والمخلاة، وأقاتل بها السباع عن الغنم. ثم أخذ يوسفُ عصاه ولوَّح بها نحوي وقال: العصا لمن عصى، قلت له: هل سمعت بقصة المثل (إنك خيرٌ من تفاريقِ العصا؟) قال: هات، قلت له: إصبر (من استعجلَ الشيءَ قبل أوانه، عُوقب بحرمانه) دعنا اولًا نعرف معنى تفاريق العصا كي نفهم القصة. تفاريقُ العصا- مثلًا- أن تقطعَ العصا لتُصبحَ حاملًا تُحمَل عليها الأشياءُ، ثم يُقطع الحاملُ ليصبح اسهمًا، وتُقطَّع الأسهمُ لتصبحَ مفاتيحَ خشبٍ للأبواب، ثم تقطع المفاتيح وتبرى لتصبحَ أقلامًا، وهكذا، ويكون قد تمَّ تفريق العصا إلى أجزاءَ، للاستفادةِ منها أقصى الاستفادة، هذا هو معنى تفاريق العصا. قال يوسف: هذا مثلُ القضيب من الحديد، تبيعه قطعةً واحدة، والأفضل أن تصنعَ منه سكاكين، ولو اردتَ الفائدةَ اكثر، إصنع منه حدوةً للحصين، ولو اردتَ اكثر فأكثر، فاصنع منه زمبلك للساعة وأكثر وأكثر إصنع منه إبرًا و هكذا، قلت له: وهو كذلك. اما قصة المثل القائل(إنك خيرٌ من تفاريق العصا) فهذه عبارة قالتها امرأةٌ لابنها بعد أن استفادت من تقطيعِه، قال يوسف: كيف ذلك، قطعته؟ قلت له: يبدوا أنك لن تستطيعَ معيَ صبرا، إصبر يا يوسف، فقفل فمه بيده، علامة السكوت..

*قصةُ مثل، إنَّكَ خَيْرٌ مِنْ تَفَارِيقِ العَصا:*

كانت هناك امرأةٌ اسمها(غُنَيَّة الأعرابي) قالته لابنها وكان دايما يعتدي على الناس بلا سبب، مع ضعف في بنيته ودقة عظم، فاعتدي يومًا على فتىً، فقطع الفتى أنفَ ولدِها، فأخذت أمه دِيةَ أنفه، فحَسُن حالُها بعد أن كانت فقيرةً فقرًا مُدْقِعا، ثم اعتدى على آخر فقطع أذنَه، فأخذت دِيَتَها، فزادت حُسْنَ حال، ثم أعتدى على آخر فقطع شَفَته، فأخذت الدية، فلما رأت ما صار عندها من الإبلِ والغنمِ والمَتَاع، وذلك من كَسْب جوارح ابنها، حَسُن رأيُها فيه وذكرتْه في أرجوزتها حين قالت:

أَحْلِفُ بالْمَرْوَةِ حَقَّاً وَالصَّفَا … أَنَّكَ خَيْرٌ مِنْ تَفَارِيقِ الْعَصَا. تقصد غنيةٌ- صاحبةُ هذا المثل- أن ابنها صار مثل العصا التي قُطِّعت إلى قطعٍ صغيرةٍ، ثم استفادت منها قطعةً قطعة، ومثلُ (انك خيرٌ من تفاريقِ العصا) يُضربُ فيمن نَفْعُه أَعَمَّ من نفع غيره …ضحك يوسفُ وقال: دائما بيع التشليح أكثر ربحًا.

الكلامُ عن العصا كثير، يكفي أنه وردت كلمة “العصا” وما يُشتق منها ككلمتي (عصاي وعصاك) ومشتقاتها في القرآن الكريم في 12 موضعاً، وردت كلمة (مِنْسَأَة) مرةً واحدةً فقط في القرآن الكريم، وتحديدًا في سورة سبأ، الآية 14، حيث قال اللهُ تعالى:﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ ۖ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ) المعنى اللغوي: المنسأة هي العصا، وسُمِّيت بذلك، لأنَّ الراعيَ ينسأُ بها، أي يزجر ويطرد ويسوقُ بها الإبل والدواب.

أمّا عصاك هذه- يا يوسف- فلا فائدة منها، فهي مجرد ديكورٍ و لا تُسمنُ و لا تُغني من جوع، قال يوسف: إن كانت لا تُسمنُ من جوعٍ، فآتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِيت من كلامِك هَٰذَا نَصَبًا..

كان هذا يوسفُ وانا فابقوا، معنا إن كان في العمر بقية،،

والله اعلى و اعلم..

2 يونيو 2026م

زر الذهاب إلى الأعلى