مقالات الرأي

فريق شرطة حقوقي د. الطيب عبدالجليل حسين يكتب أزمة السجون في السودان بعد حرب 15 أبريل 2023م بين ضرورات الأمن القومي ومقتضيات العدالة الدستورية والمعايير الدولية والتأصيل الإسلامي (4/4)

 

في أعقاب حرب الخامس عشر من أبريل 2023م، برزت أزمة السجون في السودان بوصفها إحدى أكثر الأزمات المؤسسية تعبيراً عن حالة التآكل التي أصابت الدولة ومنظومة العدالة الجنائية خلال فترة النزاع المسلح. فالأزمة لا تتعلق بمؤسسات الاحتجاز والعقاب بمعناها الإداري الضيق، وإنما تكشف عن اختلالات أعمق تمس قدرة الدولة على إنفاذ القانون، وممارسة الوظيفة العقابية، وضمان سيادة حكم القانون في ظل ظروف استثنائية اتسمت بانهيار جزئي للبنى الأمنية والعدلية والمؤسسية. وقد أعادت هذه التطورات طرح أسئلة جوهرية تتعلق بطبيعة الدولة ووظائفها الأساسية، وحدود قدرتها على إدارة الأمن والعدالة في مرحلة ما بعد النزاع.

وفي هذا السياق، تنطلق هذه المقالة ضمن سلسلة مقالات متتابعة من إشكالية فكرية ومؤسسية أُثيرت منذ وقت مبكر في الأدبيات الأكاديمية والقانونية السودانية، تعود جذورها إلى نقاشات طُرحت في إطار دورة الزمالة السابعة بأكاديمية الشرطة العليا (2004م – 2005م)، طرحها اللواء وقتها الدكتور/ عثمان حعفر عثمان (تقاعد برتبة الفريق) ضمن سلسلة مواضيع اختيارية للتخرج لنيل زمالة الشرطة المهنية (تعادل درجة الماجستير العلمية)، والسؤال المطروح خاص بمادة علوم الشرطة، وكان حول طبيعة النموذج الحاكم لمنظومة العدالة الجنائية في السودان، وما إذا كانت تقوم على تصور خطي مغلق لمسار العدالة يبدأ بوقوع الجريمة وينتهي بانقضاء العقوبة وخروج المحكوم عليه من المؤسسة العقابية، دون امتداد مؤسسي فعّال لمرحلة ما بعد العقوبة.

وتُطرح الإشكالية هنا على النحو الآتي: هل تمثل العدالة الجنائية في السودان منظومة متكاملة ذات رؤية ممتدة تشمل التأهيل والإصلاح والإدماج الاجتماعي والحد من العود الإجرامي، أم أنها ما تزال أقرب إلى نموذج تنفيذي-ردعي ينحصر في إنفاذ الجزاء الجنائي بوصفه الغاية النهائية للعملية العقابية؟

ويُجاب عن هذا التساؤل في ضوء المعطيات المؤسسية والتجربة العملية بالقول، إن الغلبة، في البنية التقليدية للنظام، كانت ولا تزال تميل إلى النموذج التنفيذي- الردعي، حيث تنصرف الجهود المؤسسية بصورة أساسية إلى مرحلتي الضبط والإدانة وتنفيذ العقوبة، في حين تظل مراحل التأهيل اللاحق وإعادة الإدماج الاجتماعي أقل تطوراً من حيث البنية التشريعية والبرامج التنفيذية والتكامل بين مؤسسات العدالة والضمان الاجتماعي. ويؤدي هذا الاختلال إلى تحويل العقوبة إلى نهاية إجرائية مغلقة، بدلاً من كونها حلقة ضمن مسار متصل لإعادة إنتاج المواطن اجتماعياً بعد انقضاء الجزاء.

ومن ثم، فإن هذا التصور التقليدي يحدّ من فعالية السياسة العقابية في تحقيق أهدافها الأوسع، لا سيما ما يتعلق بتقليل معدلات العود الإجرامي وتعزيز الوقاية المجتمعية، إذ لا يكفي أن تنتهي وظيفة الدولة عند تنفيذ العقوبة، بل يمتد معيار الفاعلية إلى قدرة النظام على إعادة إدماج المحكوم عليهم في المجتمع، بصورة تقلل من احتمالات إعادة الانخراط في الجريمة. وهو ما يجعل من إعادة تعريف العدالة الجنائية بوصفها منظومة دائرية ممتدة، لا خطاً زمنياً مغلقاً، ضرورة فكرية ومؤسسية لإصلاح البنية العقابية في السودان.

إلا أن هذا التصور الخطي التقليدي، أصبح محل مراجعة متزايدة في الفكر الأمني والقانوني المعاصر، إذ لم تعد الجريمة تُفهم باعتبارها واقعة معزولة تنتهي آثارها بانقضاء العقوبة، وإنما باعتبارها ظاهرة اجتماعية وأمنية مركبة، تتطلب إدارة مستمرة تبدأ بالوقاية قبل وقوع الجريمة، وتمتد إلى متابعة الجاني بعد انتهاء العقوبة وإعادة دمجه في المجتمع. ومن ثمّ، فإن العدالة الجنائية الحديثة، لم تعد تنظر إلى السجن باعتباره نقطة النهاية في المسار العقابي، وإنما باعتباره مرحلة ضمن دورة مؤسسية متكاملة تتداخل فيها الوظائف الأمنية والعدلية والاجتماعية والتنموية.

وفي هذا الإطار، تبرز أهمية إعادة تعريف الدور الاستراتيجي للشرطة التقليدية بوصفها الجهاز الوطني المركزي للأمن الداخلي (National Internal Security Institution)، والمحور العملياتي والإداري الرئيسي (National Operational and Administrative Focal Point) في إدارة دورة العدالة الجنائية بمختلف مراحلها. فالدور التقليدي للشرطة لم يعد يقتصر على منع الجريمة والتحري بشأنها وضبط مرتكبيها وتقديمهم للعدالة، وإنما أصبح يمتد إلى الإسهام في إدارة المخاطر الأمنية المرتبطة بالمجرمين السابقين، ومتابعة برامج إعادة الإدماج المجتمعي، وتنفيذ التدابير الوقائية اللاحقة للإفراج، بما يسهم في تقليل احتمالات العود الإجرامي وتعزيز الأمن المجتمعي المستدام.

ومن هذا المنظور، فإن وجود بنية أمنية مركزية رئاسية داخل وزارة الداخلية، تتخذ من رئاسة قوات الشرطة مركزاً وطنياً للتنسيق والتخطيط والإسناد العملياتي، لا يُعد مجرد خيار تنظيمي أو إداري، وإنما يمثل ضرورة وظيفية تفرضها طبيعة الدولة الحديثة ومتطلبات إدارة الأمن الداخلي. فالدولة لا تستطيع إدارة المخاطر الأمنية المتصلة بالمجرمين السابقين أو المطلوقين سراحاً أو الخاضعين للتدابير البديلة للعقوبات السالبة للحرية من خلال مؤسسات متفرقة ومعزولة تفتقر إلى وحدة المعلومات والتنسيق والاتصال العملياتي.

كما أن التجارب المقارنة في الدول الحديثة، تكشف أن أجهزة الشرطة الوطنية تمثل غالباً نقطة الارتكاز المركزية (Focal Point) التي تتجمع لديها المعلومات الجنائية والبيومترية وقواعد البيانات الوطنية وآليات التقييم الأمني، وتتولى التنسيق مع السلطات القضائية والسجون ومؤسسات الرعاية الاجتماعية والسلطات المحلية، بما يضمن استمرارية المتابعة المؤسسية للأشخاص ذوي الخطورة الجنائية أو الأمنية بعد انتهاء العقوبة. ولا يُنظر إلى هذه المتابعة بوصفها امتداداً للعقوبة أو مساساً بالحقوق والحريات، وإنما باعتبارها جزءاً من السياسة الوقائية للدولة الرامية إلى حماية المجتمع وتقليل احتمالات العودة إلى الجريمة.

وفي هذا السياق، يبرز مفهوم (التعافي من الجريمة – (Crime Desistance and Reintegration باعتباره أحد المفاهيم الحديثة في السياسة الجنائية، والذي يقوم على افتراض أن الانتقال من السلوك الإجرامي إلى السلوك المشروع يمثل عملية اجتماعية ونفسية ومؤسسية طويلة ومعقدة، تحتاج إلى المتابعة والتوجيه والدعم والرقابة القانونية المشروعة. ولذلك، فإن نجاح برامج إعادة الإدماج لا يعتمد على السجون أو مؤسسات الرعاية وحدها، بل يتطلب وجود جهاز وطني يمتلك القدرة على التنسيق بين مختلف المؤسسات ذات الصلة، وهو الدور الذي تؤهله له الشرطة بحكم انتشارها الجغرافي، وقدراتها المعلوماتية، وارتباطها المباشر بالأمن المجتمعي.

وبناءً عليه، فإن إعادة بناء منظومة العدالة الجنائية في السودان بعد الحرب، تقتضي الانتقال من فلسفة (انتهاء مسئولية الدولة بخروج المحكوم عليه من السجن) إلى فلسفة (استمرار المسئولية المؤسسية للدولة في إدارة مخاطر الجريمة والحد من العود الإجرامي). وفي هذا الإطار، تصبح رئاسة قوات الشرطة، ضمن بنية أمنية مركزية رئاسية متماسكة، نقطة الارتكاز الوطنية التي تتكامل حولها وظائف التحري والوقاية والمتابعة والرعاية اللاحقة والتنسيق مع المؤسسات العقابية والقضائية والاجتماعية، بما يحقق التوازن بين حماية الأمن القومي وصون الحقوق والحريات وتعزيز فرص إعادة الإدماج المجتمعي المستدام.

إلا أن التطورات الحديثة في الفلسفات الدستورية والقانونية والسياسات الجنائية المقارنة، تجاوزت هذا التصور التقليدي، واتجهت نحو رؤية تكاملية للعدالة الجنائية، تنظر إلى العقوبة باعتبارها مرحلة ضمن عملية مؤسسية واجتماعية مستمرة تبدأ بالوقاية من الجريمة، وتمر بالتحري والمحاكمة وتنفيذ العقوبة، وتمتد إلى إعادة التأهيل والإدماج والحد من العود الإجرامي. وفي ظل تداعيات حرب 15 أبريل 2023م، برزت الحاجة إلى إعادة النظر في البنية الفكرية والمؤسسية التي تحكم النظام العقابي السوداني، وإلى تقييم مدى قدرته على الاستجابة للتحديات التي أفرزها النزاع المسلح.

وفي هذا الاطار، تشير التقديرات الأولية إلى أن حجم الأزمة تجاوز الحدود التقليدية المعهودة في إدارة المؤسسات العقابية، حيث فقدت الدولة السيطرة على أعداد كبيرة من النزلاء في عدد من الولايات، وقدرت بعض الإحصاءات عدد من تم إخراجهم أو فقدت السيطرة عليهم من سجون إقليم دارفور وحده بنحو تسعة عشر ألف نزيل، فضلاً عن حصر ما يقارب ستة عشر ألفاً آخرين في ولايات الخرطوم والجزيرة وسنار، من بينهم محكومون بالإعدام ومحبوسون قيد المحاكمة ومحكومون في جرائم مختلفة. وتعكس هذه الأرقام حجم التحديات الأمنية والقانونية والإنسانية التي تواجهها الدولة في مرحلة التعافي، لا سيما في ظل فقدان أو تلف أجزاء من السجلات والملفات الجنائية وتعطل بعض مؤسسات العدالة.

وقد ازدادت هذه التحديات تعقيداً نتيجة استمرار غياب المحكمة الدستورية منذ أغسطس 2019م، وما ترتب على ذلك من ضعف الرقابة الدستورية على التشريعات والتدابير الاستثنائية والإجراءات المقيدة للحقوق والحريات، الأمر الذي أوجد فراغاً رقابياً مؤسسياً في مرحلة تحتاج فيها الدولة إلى أعلى درجات الضبط القانوني والرقابة القضائية على التدابير الاستثنائية المرتبطة بإدارة آثار الحرب.

ولا تقتصر أهمية هذه المسألة على الآثار العملية المترتبة على غياب المحكمة الدستورية، بل تمتد إلى نقاش دستوري ومؤسسي أعمق يتعلق بطبيعة النموذج الذي تبناه السودان في تنظيم القضاء الدستوري، ومدى ملاءمته لواقع الدول التي تتعرض بصورة متكررة للأزمات السياسية والتحولات الدستورية والنزاعات المسلحة. فالمحكمة الدستورية السودانية، منذ إنشائها بموجب دستور 1998م، قامت على نموذج المحكمة الدستورية المستقلة والمنفصلة تنظيمياً عن السلطة القضائية، وهو نموذج استلهم في جانب منه بعض التجارب الأوروبية (فرنسا، ألمانيا) التي تقوم على الفصل المؤسسي بين القضاء الدستوري والقضاء العادي. وقد وفرّ هذا النموذج مزايا مهمة تتعلق بالتخصص واستقلال الوظيفة الدستورية وتركيز الاختصاصات الرقابية في مؤسسة متخصصة، إلا أن التجربة العملية السودانية خلال العقود الأخيرة، تطرح تساؤلات مشروعة حول مدى قدرة هذا النموذج على المحافظة على استمرارية الرقابة الدستورية في البيئات السياسية والأمنية الهشة.

ففي الظروف الدستورية المستقرة، قد يشكل استقلال المحكمة الدستورية عن السلطة القضائية ضمانة إضافية لتعزيز استقلال الرقابة الدستورية وتحصينها من الضغوط المؤسسية المختلفة، إلا أن التجربة العملية تكشف في المقابل، أن المؤسسات الدستورية المستقلة، قد تصبح أكثر عرضة للتعطيل الكامل عند انهيار الترتيبات السياسية أو تعثر عمليات التوافق حول تشكيلها أو تجديد عضويتها. وعندما يحدث ذلك، لا تتعطل مؤسسة قضائية عادية فحسب، وإنما تتوقف أعلى آلية دستورية مكلفة بحماية الشرعية الدستورية والرقابة على القوانين وأعمال السلطات العامة، بما قد يؤدي إلى فراغ دستوري ورقابي يمتد لسنوات طويلة.

وتزداد خطورة هذا الفراغ في فترات الطوارئ والنزاعات المسلحة والأزمات الأمنية، حيث تميل السلطات العامة بطبيعتها إلى التوسع في استخدام الصلاحيات الاستثنائية المرتبطة بالأمن القومي وإدارة الأزمات. وفي مثل هذه الظروف، تصبح الحاجة إلى الرقابة الدستورية أكثر إلحاحاً لا أقل، لأن التحدي لا يقتصر على تمكين الدولة من مواجهة المخاطر الأمنية، وإنما يمتد إلى ضمان بقاء التدابير الاستثنائية، ضمن حدود المشروعية الدستورية، وعدم تحولها إلى وسائل دائمة لتقييد الحقوق والحريات أو المساس بالضمانات الأساسية للأفراد.

وتتجلى أهمية هذه الإشكالية، بصورة خاصة في قطاع السجون والاحتجاز، باعتباره المجال الأكثر حساسية في العلاقة بين السلطة العامة والحقوق الدستورية للمواطنين. فالسجون، بحكم طبيعتها ووظيفتها، ترتبط عضوياً بعمل السلطة القضائية، وتخضع من حيث الأصل للرقابة القضائية المباشرة على مشروعية الاحتجاز، وتنفيذ العقوبات وظروفها القانونية والإنسانية. ولذلك، فإن أي ضعف أو انقطاع في منظومة الرقابة الدستورية، ينعكس بصورة مباشرة على شرعية التدابير الاستثنائية المرتبطة بالاحتجاز والحبس وتنفيذ العقوبات، ومدى توافقها مع الضمانات الدستورية الخاصة بالحرية الشخصية والمحاكمة العادلة ومنع الاحتجاز التعسفي.

وتكتسب هذه الإشكالية، بُعداً إضافياً عند النظر إلى التطور التاريخي للقضاء الدستوري في السودان. فالتجربة السودانية لم تبدأ بنموذج المحكمة الدستورية المستقلة، وإنما عرفت طوال الفترة الممتدة من الاستقلال عام 1956م وحتى صدور دستور 1998م نموذجاً مختلفاً تمثلت فيه الرقابة الدستورية في دوائر أو تشكيلات قضائية متخصصة داخل المحكمة العليا ad-hoc، باعتبارها قمة الهرم القضائي ورأس السلطة القضائية في الدولة. وقد مارست هذه الدوائر اختصاصات دستورية بدرجات متفاوتة وفقاً لطبيعة النظم الدستورية السائدة في كل مرحلة، إلا أنها ظلت جزءاً من البناء القضائي العام للدولة.

وقد وفّر هذا النموذج، رغم ما شابه من قيود مرتبطة بطبيعة الأنظمة السياسية والدستورية المتعاقبة، قدراً من الاستمرارية المؤسسية في ممارسة الوظيفة الدستورية، إذ لم تكن الرقابة الدستورية مرتبطة بوجود مؤسسة مستقلة قائمة بذاتها يمكن أن تتوقف بالكامل بسبب الفراغ السياسي أو تعثر إجراءات التشكيل أو التعيين، بل كانت جزءاً من المؤسسة القضائية التي استمرت في أداء وظائفها الأساسية حتى خلال فترات الاضطراب السياسي وتغيير الأنظمة الدستورية.

ومن هذه الزاوية، يثور تساؤل مؤسسي مشروع، حول ما إذا كان النموذج الأنسب للدول التي تواجه تحديات بنيوية وأمنية مستمرة هو نموذج المحكمة الدستورية المنفصلة تماماً عن السلطة القضائية؟ أم نموذج المحكمة أو الدائرة الدستورية المندمجة داخل البناء القضائي العام مع تمتعها باستقلال وظيفي وقضائي كامل؟ فعدد من النظم الدستورية المقارنة يتجه إلى إسناد الاختصاصات الدستورية إلى محكمة عليا أو دائرة دستورية متخصصة داخل السلطة القضائية، تعمل بصورة موازية لبقية التشكيلات القضائية وتحت المظلة المؤسسية لرئيس القضاء بوصفه رأس السلطة القضائية وضامن استمرارية عملها. ويستند هذا الاتجاه إلى فكرة مؤداها، أن دمج الرقابة الدستورية داخل البنية القضائية (بريطانيا، الولايات المتحدة الامريكية، الهند)، يوفر قدراً أكبر من الاستقرار المؤسسي، ويقلل من احتمالات التعطيل الكامل للوظيفة الدستورية أثناء فترات الأزمات والانتقال السياسي.

وتكشف تجربة ما بعد أغسطس 2019م بصورة خاصة عن أهمية هذا النقاش، إذ أدى غياب المحكمة الدستورية إلى توقف الوظيفة الرقابية الدستورية العليا لسنوات متصلة في وقت كانت الدولة تواجه تحولات سياسية عميقة وتحديات أمنية وقانونية غير مسبوقة، الأمر الذي أفضى عملياً إلى غياب المرجعية القضائية الدستورية القادرة على مراقبة مشروعية التدابير الاستثنائية والتشريعات والإجراءات المقيدة للحقوق والحريات.

وعليه، فإن النقاش المطروح لا يتعلق بالمفاضلة النظرية المجردة بين نموذجين مؤسسيين، وإنما يرتبط بقدرة الدولة على ضمان استمرارية وظائفها الدستورية الأساسية في أوقات الأزمات. فكلما ازدادت هشاشة البنية المؤسسية للدولة، ازدادت الحاجة إلى تصميم مؤسسات دستورية قادرة على العمل بصورة مستمرة حتى في ظل الظروف الاستثنائية. وفي هذا الإطار، تبرز أهمية إعادة فتح النقاش حول موقع القضاء الدستوري داخل الهيكل العام للسلطة القضائية، وبحث إمكانية الاستفادة من الخبرة الدستورية السودانية التاريخية والنماذج المقارنة التي تجمع بين استقلال القضاء الدستوري من ناحية، وضمان استمرارية الرقابة الدستورية وعدم انقطاعها من ناحية أخرى.

وفي ذات الإطار، تتجاوز آثار غياب المحكمة الدستورية البًعد الرقابي البحت على التشريعات والإجراءات المقيدة للحقوق والحريات، لتنعكس بصورة مباشرة على ما يمكن وصفه (باقتصاديات العدالة العقابية)، ولا سيما في مجال إدارة محكومي مدد السجن الطويلة والعقوبات المشددة، بما في ذلك المحكوم عليهم بالإعدام أو السجن المؤبد. ففي غياب مرجعية دستورية فاعلة، تضبط مشروعية التدابير الاستثنائية، وتراقب توازنها مع الضمانات الدستورية، تتزايد الضغوط العملية على منظومة السجون والاحتجاز، ليس فقط من زاوية الشرعية القانونية، بل أيضاً من زاوية الكلفة المؤسسية والأمنية المرتبطة بإدارة هذه الفئات عالية الخطورة.

ويتجلى ذلك بشكل خاص في التحديات المرتبطة، بواجب الدولة في حماية حياة المحكوم عليهم، وصون سلامتهم الجسدية والنفسية، بما في ذلك التدابير الوقائية ضد مخاطر الانتحار أو إيذاء النفس أو محاولات الهروب من السجن، وهي مخاطر تتصاعد عادةً مع طول فترة الاحتجاز، وخصوصاً في ظل ظروف غير مستقرة أو غياب رقابة قضائية عليا فعالة. كما أن إدارة فئة المحكوم عليهم بعقوبات جسيمة، تستلزم ترتيبات أمنية ولوجستية معقدة، من بينها رفع مستويات الحراسة التأمينية للسجين، وربما اعتماد الحراسة المزدوجة أو المشددة في بعض الحالات، بما في ذلك حالات المحكومين بعقوبة الإعدام أثناء فترات الانتظار الطويلة لتحديد مصير التنفيذ أو مراجعته.

وفي هذا السياق، فإن استمرار تعطيل الرقابة الدستورية العليا، يفضي عملياً إلى تراكم هذه التحديات وتعقيدها، إذ يغيب الإطار المرجعي القادر على ضبط مدى معقولية التوسع في الإجراءات الأمنية داخل السجون، أو تقييم التوازن بين متطلبات الأمن العام وضمانات الكرامة الإنسانية، الأمر الذي ينعكس في النهاية على ارتفاع الكلفة الاقتصادية والأمنية لإدارة منظومة العقوبات السجينية، وتزايد الحاجة إلى موارد بشرية ومالية إضافية لتأمين أماكن الاحتجاز وإدارة المخاطر المرتبطة بها.

وبذلك، يصبح غياب المحكمة الدستورية عاملاً غير مباشر في إعادة تشكيل (اقتصاد إدارة العقوبة)، حيث لا يقتصر الأثر على مستوى المشروعية الدستورية، بل يمتد إلى مستوى الكفاءة المؤسسية وتوزيع الموارد داخل منظومة العدالة الجنائية، وهو ما يضاعف من أهمية استعادة الوظيفة الدستورية العليا، بوصفها أداة لضبط التوازن بين اعتبارات الأمن وكلفة العقوبة،وحقوق الإنسان في آنٍ واحد.

وعليه، تكتسب هذه المسألة أهمية استثنائية في سياق إعادة بناء منظومة العدالة الجنائية والسجون بعد الحرب والتعافي، إذ إن أي معالجة قانونية أو تشريعية استثنائية لأوضاع المحتجزين أو المحكوم عليهم أو المطلوبين للعدالة تحتاج إلى مظلة دستورية فعالة وقادرة على بسط الرقابة على أعمال السلطات العامة بصورة مستمرة. ومن ثمّ، فإن ضمان استمرارية القضاء الدستوري، لا يمثل مجرد قضية تنظيمية داخل بنية الدولة، وإنما يشكل أحد الشروط الأساسية؛ لحماية الشرعية الدستورية، وسيادة حكم القانون، وصون الحقوق والحريات، في مراحل الأزمات والتحولات الوطنية الكبرى.

وفي سياق المقالات المتصلة بأزمة السجون في السودان، تكشف دراسة فلسفة العقوبة والسجون عن تطور تاريخي وفكري ممتد في الفكر القانوني والدستوري العالمي، انتقلت فيه الفلسفات العقابية من النموذج الانتقامي القائم على الإيلام والقصاص، إلى النموذج النفعي الذي يربط العقوبة بالردع العام وحماية المجتمع، ثم إلى النموذج الإصلاحي الذي يركز على إعادة التأهيل وإعادة الإدماج الاجتماعي للمحكوم عليهم، وصولاً إلى المقاربة الحقوقية المعاصرة، التي تؤكد أن، فقدان الحرية، لا يعني انتقاص الكرامة الإنسانية أو تعليق الحقوق الأساسية خارج نطاق القيود القانونية اللازمة.

وقد أسهم عدد من المفكرين الكلاسيكيين الأوروبيين- الغربيين في بلورة هذا التحول الفكري؛ حيث وضع الإيطالي تشيزاري بيكاريا (1738م – 1794م) الأساس النظري لمبدأي التناسب والإنسانية في العقوبة ورفض العقوبات المفرطة أو التعسفية، بينما طوّر البريطاني جيريمي بنتام (1748م – 1832م) المنظور النفعي للعقوبة بوصفها أداة لحساب المنفعة الاجتماعية وتقليل الجريمة بأقل قدر ممكن من الإيذاء. أما الفرنسي إميل دوركايم (1858م –1917م) فقد أبرز الوظيفة الاجتماعية للعقوبة في إعادة إنتاج التضامن الاجتماعي وتعزيز التماسك القيمي داخل المجتمع، في حين قدّم فوكو قراءة نقدية لبنية السلطة العقابية، كاشفاً عن العلاقة المعقدة بين المعرفة والسلطة وآليات الضبط والانضباط داخل المؤسسات العقابية، ومحذراً من التوسع غير المنضبط في السلطة العقابية خارج حدود الرقابة القانونية والمؤسسية.

وفي المقابل، يقدم الفقه الإسلامي تأصيلاً عميقاً ومتماسكاً لفلسفة العقوبة، يقوم على مقاصد الشريعة الإسلامية في حفظ الدين والنفس والعقل والمال والنسل، ويجعل من العقوبة وسيلة لتحقيق العدالة وصيانة المجتمع وتقويم السلوك، لا غاية في ذاتها ولا أداة للانتقام أو الإيلام المجرد. وقد أسهم الغزالي وابن رشد وابن القيم وابن خلدون في ترسيخ هذا التصور من خلال تطوير مفاهيم المصلحة والضرورة والتناسب والاجتهاد القضائي، وتأكيد قاعدة درء الحدود بالشبهات، وفتح المجال أمام البدائل التعزيرية التي تتيح مرونة في السياسة العقابية، مع ربط فعالية العقوبة باستقرار العمران السياسي والاجتماعي للدولة.

ومن ثم، يلتقي هذا التراث الفقهي الإسلامي مع المعايير الدولية الحديثة لحقوق الإنسان في إخضاع السلطة العقابية لمبادئ الشرعية والتناسب والعدالة الإجرائية، ومنع التعسف، وضمان الرقابة القضائية الفعالة على تنفيذ العقوبات. ويُنتج هذا التقاطع إطاراً مرجعياً مشتركاً يمكن توظيفه في تطوير رؤية إصلاحية متوازنة للمنظومة العقابية في السودان، خصوصاً في ظل التحديات البنيوية التي كشفتها أزمة السجون بعد الحرب، وما ترتب عليها من اختلالات في إدارة الاحتجاز، وضعف في الرقابة المؤسسية، وتزايد الحاجة إلى إعادة بناء منظومة العدالة الجنائية على أسس أكثر استقراراً وفاعلية وإنسانية.

وبناء عليه، تتصل هذه الإشكالات النظرية والتاريخية مباشرة بالتحولات العملية التي فرضتها أزمة الدولة السودانية بعد اندلاع النزاع المسلح، حيث لم تعد أزمة السجون مجرد مسألة إدارية أو أمنية معزولة، بل أصبحت جزءاً من أزمة أعمق في بنية الشرعية الدستورية وآليات الرقابة على السلطة العقابية.

وفي هذا السياق – عن فلسفة السجون والعقاب – أيضاً يبرز من جديد تكرار أثر غياب المحكمة الدستورية منذ أغسطس 2019م بوصفه عاملاً بنيوياً فاعلاً في تعميق اختلال التوازن بين متطلبات الأمن العام وضمانات الحقوق والحريات، بما أفضى إلى فراغ رقابي على التشريعات والإجراءات الاستثنائية المتعلقة بالاحتجاز والعقوبات. وقد انعكس هذا الفراغ الدستوري بصورة مباشرة على ما يمكن تسميته (باقتصاديات العدالة العقابية)، إذ لم تعد إدارة العقوبة محكومة باعتبارات الردع والإصلاح وحدها، بل أصبحت مشروطة بتزايد الكلفة المؤسسية المرتبطة بتسيير منظومة الاحتجاز، ولا سيما في حالات العقوبات الطويلة والمشددة. وفي ظل غياب رقابة دستورية عليا فاعلة، تتعاظم التعقيدات العملية المتعلقة بإدارة فئات المحكوم عليهم بالإعدام والسجن المؤبد، بما يشمل متطلبات الحماية من مخاطر إيذاء النفس أو الانتحار، ومواجهة احتمالات الهروب أو التمرد داخل مؤسسات الاحتجاز، وهو ما يفرض بدوره تصعيداً في مستويات التأمين والحراسة، قد يصل إلى تبني ترتيبات أمنية معززة مثل الحراسة المزدوجة أو المتخصصة، بما يستتبع ذلك من ارتفاع ملحوظ في الأعباء البشرية والمالية.

وتتعمق هذه الإشكالات مع امتداد أمد التقاضي أو تعطّل آليات مراجعة الأحكام أو تأجيل تنفيذ العقوبات في سياقات عدم الاستقرار، حيث يؤدي غياب المرجعية الدستورية الضابطة إلى تراكم المخاطر داخل بيئة الاحتجاز بصورة تدريجية، لا تقتصر آثارها على سلامة المحتجزين الفردية، وإنما تمتد إلى مستوى الأداء العام للنظام العقابي وقدرته على تحقيق التوازن بين مقتضيات العدالة والأمن والكلفة. وبذلك، فإن تعطيل الوظيفة الدستورية العليا لا يقتصر على إحداث فراغ قانوني في قمة الهرم الرقابي، بل يمتد أثره إلى إعادة تشكيل البنية التشغيلية لإدارة العقوبة ذاتها، بما يفاقم من الأعباء الواقعة على الدولة في إدارة المخاطر العقابية على نحو يتجاوز حدود الموارد والإمكانات المتاحة.

وبذلك يصبح واضحاً، أن أزمة السجون في السودان، لا يمكن فهمها بمعزل عن تفاعل ثلا

زر الذهاب إلى الأعلى