مقالات الرأي

مساحة حرة   المعز الرشيد إبراهيم يكتب حفل طه سليمان: الرقص على أشلاء الوطن

 

في وقت تتوجع فيه مدن السودان من نزيف الحرب، وتتسع فيه قوائم الشهداء والجرحى والنازحين، يخرج علينا خبر إقامة حفلات جماهيرية صاخبة في دويلة الشر الإمارات للفنان طه سليمان.

 

تلك الدويلة التي كانت سبباً في مآسي وآلام وجراح السودانيين بدعمها المباشر للمليشيا الإرهابية المتمردة في عدوانها الغاشم على البلاد، هي اليوم تحتضن الغناء والرقص بينما الوطن يبكي أبناءه.

 

المشهد موجع ومربك. كيف لفنان نشأ في حضن هذا الشعب، وغنّى له في أفراحه وأتراحه، أن يختار لحظة الدموع والحداد ليرقص فيها ويغني على أرض انحازت للطرف الذي أشعل النار في بيوتنا؟

 

والأشد إيلاماً أن هذه الحفلات لم تكتف بالغناء، بل تضمنت مشاهد استعراضية بملابس وعروض لا تراعي الذوق العام ولا حرمة المأساة التي يعيشها السودانيون. منظر يزيد الجرح نزفاً، ويضاعف إحساس الغربة عند من فقدوا ذويهم تحت القصف والنزوح.

 

*إنّ الفنان الكبير ليس من يملأ الصالات بالتصفيق، بل من يملأ القلوب بالمواساة.* لقد رأينا فنانين كثر أوقفوا غناءهم، وتبرعوا بفنهم للجرحى، ووقفوا في خنادق الإغاثة. فالفن في زمن الحرب إما أن يكون ضماداً، أو يكون سكيناً. والخيار بيد صاحبه.

 

الفن رسالة قبل أن يكون ترفيهاً. والفنان الحقيقي

هو الذي يشعر بنبض شارعه، ويحترم وجع ناسه. أما أن تتحول الأغنية إلى نشاز في زمن البكاء الجماعي، فتلك سقطة لا تغتفر.

 

نحن لا نمنع الفرح، ولا نصادر صوت الفنان. لكن للفرح زمن، وللحزن حرمة. والشعب السوداني اليوم يدفن أبناءه كل يوم. لا يحتاج إلى من يذكره بالفرح بعيداً عنه، بل يحتاج إلى من يمسح على جرحه ويقف معه في محنته.

 

يا طه سليمان، صوتك كان يوماً جزءاً من وجداننا. فلا تجعله اليوم سكيناً في خاصرة هذا الوجدان. احترم دماء الشهداء، واحترم صبر الأمهات الثكالى، واحترم وطناً ينزف.

 

الوطن أكبر من حفلة، وأغلى من تصفيق لحظة. والتاريخ لا يرحم من اختار أن يرقص بينما وطنه يحترق.

زر الذهاب إلى الأعلى