(الضؤ الشارد) البرهان يرسم خطوط اللعبة السياسية سيادة بلا وصاية أم تفاوض بشروط المنتصر.. بقلم الاستاذ/ ملوك ميوت ايواك

تصريحات رئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان عبد الفتاح البرهان لا يمكن قراءتها باعتبارها مجرد حديث دبلوماسي عابر أمام سفراء الاتحاد الأوروبي بل تحمل رسائل سياسية متعددة الاتجاهات في توقيت بالغ الحساسية.
فالبرهان يسعى إلى تثبيت معادلة جديدة مفادها أن مستقبل السودان لا يُصنع في العواصم الأجنبية ولا على موائد الوسطاء وإنما داخل السودان وبإرادة السودانيين أنفسهم.
غير أن هذا الخطاب يطرح تساؤلاً مهماً: كيف يمكن الجمع بين شعار الحل السوداني الخالص وبين واقع حرب أصبحت أبعادها الإقليمية والدولية أكثر وضوحا من أي وقت مضى؟ فالسودان اليوم لا يعيش أزمة داخلية فقط بل ساحة تتقاطع فيها مصالح دولية وإقليمية معقدة الأمر الذي يجعل الحديث عن عملية سياسية معزولة عن التأثيرات الخارجية أقرب إلى الطموح السياسي منه إلى الواقع العملي.
واللافت في حديث البرهان أنه لم يغلق الباب أمام المجتمع الدولي بل وضع شروطاً واضحة للتعاون تقوم على احترام السيادة الوطنية ودعم الاستقرار والتنمية. وهذه محاولة لإعادة تعريف العلاقة مع القوى الدولية فان السودان يريد دعماً لا وصاية ومساندة لا إملاءات. وهي رسالة موجهة بالدرجة الأولى إلى الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة والآليات الدولية المنخرطة في الملف السوداني.
وفي المقابل فإن موقف الاتحاد الأوروبي بدا أقرب إلى التقاطع مع بعض مطالب الحكومة السودانية خاصة فيما يتعلق برفض إنشاء سلطات موازية وضرورة وقف تدفق السلاح والمقاتلين الأجانب. وهذا التقارب النسبي قد يشير إلى بداية تحول في النظرة الأوروبية للأزمة السودانية بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب حيث باتت الأولوية لدى المجتمع الدولي هي وقف الانهيار الكامل للدولة السودانية.
لكن خلف الكلمات الدبلوماسية الهادئة يبقي السؤال الأكبر المعلق..
هل تملك الأطراف السودانية فعلاً القدرة على إنتاج تسوية داخلية شاملة؟ فالحرب لم تعد مجرد صراع عسكري بين الجيش وقوات الدعم السريع بل تحولت إلى أزمة دولة وهوية ومؤسسات وثقة بين المكونات السياسية والاجتماعية.
لذلك يمكن القول إن تصريحات البرهان تمثل محاولة لرسم حدود التدخل الخارجي أكثر من كونها إعلانا لمسار سياسي جديد. فهي رسالة للداخل تؤكد التمسك بالسيادة الوطنية ورسالة للخارج بأن أي دور دولي يجب أن يمر عبر بوابة الدولة السودانية لا عبر كيانات أو ترتيبات موازية.
واخيرا يبقى التحدي الحقيقي ليس في إطلاق الشعارات حول السودانية أو تدويل الحل وإنما في قدرة السودانيين أنفسهم على تحويل هذه الشعارات إلى مشروع وطني جامع يوقف نزيف الحرب ويعيد بناء دولة أنهكتها البنادق والانقسامات والتدخلات الخارجية.


