مقالات الرأي

فريق شرطة (حقوقي) الطيب عبدالجليل حسين يكتب استراتيجية التقاضي الدولي في ملف حرب السودان 15 أبريل 2023م (4)

 

القابلية القانونية للأدلة ومعايير حفظها وتقييمها في التقاضي الوطني والدولي(1)

———————————-

أصبحت مسألة الإثبات في الفكر القانوني المعاصر، الوطني منه والدولي، تتجاوز بكثير المفهوم التقليدي للإثبات الذي كان ينظر إلى الدليل باعتباره مجرد مستند أو شهادة أو قرينة تُعرض على المحكمة للفصل في النزاع والخصومات. فقد أدى التطور المتسارع في طبيعة العلاقات القانونية، وظهور النزاعات المسلحة المعقدة، واتساع نطاق الجرائم الدولية والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، إلى نشوء مفهوم جديد للإثبات يقوم على بناء منظومة متكاملة لإنتاج الحقيقة القانونية، تبدأ من لحظة جمع المعلومات الأولية، وتمر بمراحل التوثيق والتحقق والتحليل والحفظ والتقييم، وتنتهي بتقديمها في صورة أدلة قابلة للقبول وقادرة على الإقناع أمام جهات التحقيق والقضاء.

ولذلك، لم يعد التقاضي الحديث، ولا سيما في مجالات الجرائم الدولية والعدالة الانتقالية والمساءلة عن الانتهاكات الجسيمة، يعتمد على كثرة الأدلة بقدر ما يعتمد على نوعيتها وسلامتها المنهجية وقابليتها القانونية وقيمتها الإثباتية ومدى اتساقها مع المعايير الدولية المستقرة. فالحقيقة القضائية ليست انعكاساً آلياً للحقيقة الواقعية، وإنما هي نتيجة عملية قانونية مركبة تخضع لقواعد وضوابط ومعايير محددة، تجعل من الإثبات عملية مؤسسية متكاملة أكثر منه مجرد نشاط إجرائي محدود.

(أولاً): الإثبات في القانون المعاصر وبناء الحقيقة القانونية في التقاضي الوطني والدولي:

——————————-

لم يعد الإثبات في القانون المعاصر، الوطني منه والدولي، مجرد وسيلة إجرائية لإثبات الوقائع أو حسم المنازعات من خلال المستندات والشهادات والقرائن التقليدية، بل أصبح منظومة متكاملة لإنتاج الحقيقة القانونية وإدارتها وفق معايير علمية وفنية وقانونية متطورة. وقد فرض هذا التحول نفسه بفعل التطور الهائل في طبيعة النزاعات المعاصرة، واتساع نطاق الجرائم الدولية والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وتنامي دور الأدلة الرقمية والمعلومات مفتوحة المصدر في عمليات التحقيق والتقاضي. وأصبحت العدالة الحديثة تعتمد على بناء منظومة إثباتية متكاملة، تبدأ بجمع المعلومات وتوثيقها والتحقق منها وتحليلها وحفظها، وتنتهي بتحويلها إلى أدلة قانونية قابلة للقبول وقادرة على الصمود أمام الفحص القضائي.

ومن منظور فقهي وسياسي ودستوري، لا تقتصر أهمية الإثبات على إثبات المسئوليات الجنائية أو حسم المنازعات الفردية، بل تمتد إلى صميم فكرة الشرعية القانونية ذاتها. فالدولة الدستورية الحديثة، لا تقوم على مجرد احتكار السلطة، وإنما على احتكار السلطة المشروعة الخاضعة للقانون والرقابة والمساءلة. ومن ثم، تمثل قواعد الإثبات إحدى أهم الأدوات التي تضمن خضوع السلطة العامة والأفراد والمؤسسات لحكم القانون، لأنها الوسيلة التي يتم من خلالها التحقق من الوقائع وإثبات المسئوليات ومنع التعسف وإرساء العدالة. ولهذا، ارتبط التطور التاريخي لقواعد الإثبات بتطور فكرة سيادة حكم القانون وبالانتقال من الدولة المطلقة إلى الدولة الدستورية الحديثة التي تجعل من المشروعية والمساءلة أساساً لشرعية السلطة العامة.

أما في المجال الدولي، فإن أهمية الإثبات تتجاوز البُعد الإجرائي، لتصبح جزءاً من بنية النظام القانوني الدولي نفسه. فالجرائم الدولية لا تمس ضحاياها المباشرين فحسب، وإنما تمس القيم الإنسانية المشتركة التي يقوم عليها المجتمع الدولي، بما في ذلك حماية المدنيين، ومنع الإبادة الجماعية، ومكافحة جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. ومن هنا، أصبح الإثبات الأداة المركزية التي تسمح بتحويل الوقائع السياسية والروايات المتعارضة والادعاءات الحقوقية إلى حقائق قانونية قابلة للتحقيق والمساءلة القضائية. فالحقيقة القانونية لا تُبنى على الادعاء أو الانطباع، وإنما على أدلة مقبولة وموثوقة ومترابطة تستوفي المعايير القانونية المطلوبة.

وفي إطار هذا التحول، أسهمت التطورات التي شهدتها المحكمة الجنائية الدولية، وآليات الأمم المتحدة للتحقيقات الدولية، والآلية الدولية المحايدة والمستقلة الخاصة بسوريا (International, Impartial and Independent Mechanism – (IIIM)، والآلية المستقلة للتحقيق بشأن ميانمار(Independent Investigative Mechanism for Myanmar – IIMM فضلاً عن بيركلي للأدلة الرقمية مفتوحة المصدر (Berkeley Protocol on Digital Open Source Investigations)، في إحداث نقلة نوعية في مفهوم الإثبات، حيث انتقل من الاعتماد على الأدلة التقليدية إلى بناء منظومات متكاملة لإنتاج الحقيقة القانونية وإدارة الأدلة وفق معايير دولية موحدة تضمن قابليتها القانونية وقيمتها الإثباتية أمام القضاء الوطني والدولي. وقد أفرز هذا التطور منظومة متقدمة من القواعد والمبادئ التي تحكم عملية الإثبات منذ لحظة جمع الدليل وحتى لحظة تقديره من المحكمة، وأصبح فهم هذه المنظومة، ضرورة لا تقتصر على القضاة والمحامين والمحققين، بل تشمل أيضاً صناع القرار والمؤسسات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني، لأن إدارة الأدلة أصبحت جزءاً من إدارة الصراع القانوني والسياسي والدبلوماسي في النزاعات المعاصرة.

وتقوم هذه المنظومة على التمييز بين ثلاثة مفاهيم محورية تشكل الأساس النظري والعملي للحقيقة القضائية.

(1) مفهوم القابلية القانونية للدليل (Admissibility) التي تتعلق بصلاحية الدليل للدخول في ملف الدعوى وقبوله أمام المحكمة أو هيئة التحقيق.

(2) مفهوم الحجية أو القيمة الإثباتية (Probative Value) التي تعبر عن مدى قدرة الدليل على إثبات الواقعة محل النزاع أو الإسهام في كشف الحقيقة القانونية.

(3) مفهوم الوزن الترجيحي للدليل (Weight of Evidence) الذي يعبر عن مقدار الاعتماد الذي تمنحه المحكمة للدليل عند موازنته مع بقية الأدلة وتكوين قناعتها النهائية. ومن ثم، فإن قبول الدليل لا يعني بالضرورة تمتعه بقوة إثباتية كافية، كما أن قوة الدليل لا تُقاس بمعزل عن بقية الأدلة، وإنما ضمن منظومة متكاملة من الأدلة المتساندة والمتقاطعة.

واستناداً إلى هذه الفلسفة، استقرت المحاكم الدولية وآليات الأمم المتحدة على مجموعة من المعايير الأساسية التي تحكم قبول الأدلة وتقييمها، وفي مقدمتها:

(1) معيار الصلة (Relevance) الذي يقتضي ارتباط الدليل بالواقعة المراد إثباتها، ومعيار الموثوقية (Reliability) الذي يتعلق بسلامة المصدر ومنهجية إنتاج الدليل،

(2) معيار الأصالة (Authenticity) الذي يضمن أن الدليل حقيقي وغير مزور أو محرف،

(3) معيار الشرعية (Legality) الذي يشترط أن يكون الحصول على الدليل قد تم بوسائل مشروعة ومتوافقة مع الضمانات القانونية والدستورية ومبادئ المحاكمة العادلة.

وتمثل هذه المعايير مجتمعة الأساس الذي يحدد مدى قابلية الدليل للاعتماد عليه في بناء الحقيقة القضائية.

كما يُعد مبدأ سلسلة الحيازة والتحريز (Chain of Custody) أحد أهم مرتكزات الإثبات الحديث، لأنه يضمن سلامة الدليل واستمرارية الثقة فيه منذ لحظة جمعه وحتى تقديمه أمام المحكمة. ويشمل ذلك توثيق جميع المراحل التي مر بها الدليل، بما في ذلك:

(1) هوية الشخص الذي جمعه،

(2) مكان وتاريخ جمعه،

(3) آليات حفظه ونقله وتخزينه،

(4) الأشخاص الذين تعاملوا معه،

(5) أي عمليات تحليل أو فحص أجريت عليه.

وتكتسب هذه السلسلة أهمية استثنائية في الجرائم الدولية والتحقيقات المعقدة، حيث قد يفصل بين وقوع الجريمة والمحاكمة سنوات طويلة، الأمر الذي يجعل سلامة إجراءات الحفظ والتحريز عنصراً أساسياً في الحفاظ على القيمة القانونية للدليل.

وفي هذا السياق، برزت نماذج دولية متقدمة، أسهمت في تطوير مفهوم الإثبات المعاصر، وتحويله من مجرد نشاط إجرائي إلى منظومة مؤسسية متكاملة لإدارة الأدلة، وأهمها:

(1) المحكمة الجنائية الدولية،

(2) لجان التحقيق الدولية التابعة للأمم المتحدة،

(3) الآلية الدولية المحايدة والمستقلة الخاصة بسوريا،

(4) الآلية المستقلة للتحقيق بشأن ميانمار.

وجميعها اعتمدت مقاربات تقوم على جمع الأدلة وتحليلها وأرشفتها وربطها بالمسؤوليات المحتملة وفق معايير دقيقة تضمن إمكانية استخدامها أمام المحاكم الوطنية والدولية مستقبلاً. كما جاء بروتوكول بيركلي ليؤسس إطاراً مرجعياً متقدماً للتعامل مع الأدلة الرقمية ومصادر المعلومات المفتوحة، ويضع قواعد مهنية للتحقق من المحتوى الرقمي وتوثيقه وحفظه وإدارة مخاطره القانونية.

وتقوم هذه المنظومة الحديثة على أربعة مبادئ أساسية هي:

(1) سلامة الدليل (Integrity) بما يضمن عدم التلاعب بمحتواه أو تعديله،

(2) أمن الدليل (Security) بما يحميه من الوصول غير المصرح به أو الإتلاف،

(3) استمرارية الحفظ (Continuity) بما يضمن توثيق مساره الكامل بصورة دقيقة ومتواصلة،

(4) سرية المعلومات (Confidentiality) بما يوفر الحماية للشهود والضحايا والمبلغين والمصادر الحساسة. وتمثل هذه المبادئ الركائز الأساسية التي تقوم عليها منهجيات التحقيق الدولية المعاصرة، والتي أصبحت اليوم المرجع الأهم في إدارة الأدلة التقليدية والرقمية على السواء.

وعليه، فإن الإثبات في القانون المعاصر لم يعد مجرد عملية فنية لإثبات الوقائع، بل أصبح علماً متكاملاً ومنظومة مؤسسية لإدارة الحقيقة القانونية وفق معايير وطنية ودولية متطورة. وهو ما جعل من جودة الدليل وسلامة منهجية إنتاجه وحفظه وتقييمه العامل الحاسم في نجاح القضايا الوطنية والدولية، وفي مكافحة الإفلات من العقاب، وحماية الحقوق والحريات، وترسيخ سيادة حكم القانون، وتحويل الوقائع المتنازع عليها إلى حقائق قانونية قابلة للإثبات والمساءلة أمام القضاء الوطني والدولي على السواء. ومن هذا المنظور، لم تعد العدالة تبدأ في قاعة المحكمة، وإنما تبدأ منذ اللحظة الأولى لجمع الدليل وإدارته وفق منهجية قانونية متكاملة قادرة على تحويل المعلومات والوقائع المتفرقة إلى حقيقة قانونية قابلة للإثبات وقادرة على الصمود أمام أعلى معايير التدقيق القضائي.

(ثانياً): مفهوم القابلية القانونية للأدلة وأهميتها في بناء الحقيقة القضائية:

———————————-

تقوم نظرية الإثبات الحديثة على التمييز بين ثلاثة مفاهيم مترابطة تشكل معاً البنية الفلسفية والقانونية للحقيقة القضائية، وهي:

(1) القابلية القانونية للدليل (Admissibility)،

(2) الحجية أو القيمة الإثباتية (Probative Value)،

(3) الوزن الترجيحي للدليل (Weight of Evidence).

ويقصد بالقابلية القانونية للدليل، مدى صلاحيته للدخول في ملف الدعوى والنظر فيه من المحكمة أو هيئة التحقيق. والسؤال المركزي في هذه المرحلة ليس ما إذا كان الدليل يثبت الواقعة أم لا، وإنما ما إذا كان القانون يسمح أصلاً بالاستناد إليه. فالدليل قد يكون صحيحاً من الناحية الواقعية، لكنه يُستبعد قانوناً إذا جرى الحصول عليه بوسائل غير مشروعة أو إذا افتقد شروط الأصالة أو سلامة الحيازة أو انتهك ضمانات المحاكمة العادلة.

وتنبع أهمية هذا المفهوم من كونه يعكس فلسفة الدولة القانونية التي لا تسمح بتحقيق العدالة عبر وسائل غير عادلة. فالقانون لا يحمي الحقيقة فحسب، وإنما يحمي أيضاً مشروعية الطريق المؤدي إليها. ولهذا، فإن قواعد القبول لا تهدف إلى تعطيل العدالة، وإنما إلى ضمان عدم التضحية بالحقوق والحريات الأساسية في سبيل الوصول إلى الحقيقة.

أما الحجية أو القيمة الإثباتية، فتتعلق بالقوة الإقناعية للدليل، ومدى مساهمته في إثبات الواقعة محل النزاع. فبعد أن تتجاوز المحكمة مرحلة القبول، تنتقل إلى تقييم قدرة الدليل على دعم الادعاء أو نفيه. وهنا يصبح السؤال: ما مقدار الحقيقة القانونية التي يضيفها هذا الدليل إلى ملف الدعوى؟

أما الوزن الترجيحي، فهو المرحلة الأكثر تعقيداً، حيث لا تنظر المحكمة إلى الأدلة منفردة، وإنما تدرسها ضمن منظومة متكاملة، فتقارن بينها وتوازن بين درجات قوتها وموثوقيتها واتساقها، وصولاً إلى تكوين قناعة قضائية نهائية. ومن ثم,

فإن الحقيقة القضائية لا تُبنى عادة على دليل منفرد، وإنما على تفاعل مجموعة من الأدلة المتساندة والمتعاضدة.

(ثالثاً): المعايير الدولية لقبول الأدلة ومشروعية الحقيقة القانونية:

———————————–

استقر الفقه والقضاء الدوليان على مجموعة من المعايير الأساسية التي تحكم قبول الأدلة أمام المحاكم الدولية وآليات التحقيق المستقلة، وهي معايير لا تهدف فقط إلى تنظيم العمل القضائي، وإنما إلى حماية شرعية الحقيقة القانونية ذاتها.

(1) معيار الصلة (Relevance):

——————————-

يقوم هذا المعيار على ضرورة وجود علاقة منطقية وقانونية بين الدليل والواقعة المراد إثباتها. فالقيمة القانونية للدليل لا تنبع من أهميته المجردة، وإنما من ارتباطه بعناصر الجريمة أو النزاع محل النظر.

ومن منظور فلسفة الإثبات، فإن الصلة تمثل الجسر الذي يربط بين الواقع والقانون. فالدليل لا يصبح جزءاً من الحقيقة القضائية إلا إذا كان قادراً على تفسير واقعة قانونية أو إثبات عنصر من عناصر المسئولية.

ولهذا تكتسب صور الأقمار الصناعية التي توثق تدمير القرى أو استهداف المنشآت المدنية، وتقارير الأمم المتحدة التي تثبت وقوع هجمات ضد المدنيين، أهمية استثنائية لأنها ترتبط مباشرة بالعناصر المكونة للانتهاكات والجرائم الدولية.

(2) معيار الموثوقية (Reliability):

———————————-

لا يكفي أن يكون الدليل ذا صلة بالواقعة، بل يجب أن يكون صادراً عن مصدر يمكن الوثوق به. وتكتسب الموثوقية بعداً سياسياً وقانونياً مهماً، لأنها تمثل ضمانة ضد التلاعب بالمعلومات أو توظيفها لخدمة مصالح أو أجندات معينة. ولهذا تمنح المحاكم الدولية وزناً أكبر للأدلة الصادرة عن المؤسسات المستقلة والمحايدة والخاضعة لمعايير مهنية معترف بها.

ومن هنا تأتي الأهمية الخاصة لتقارير الأمم المتحدة، ولجان تقصي الحقائق، والمفوضية السامية لحقوق الإنسان، وتقارير الخبراء المستقلين والمؤسسات الأكاديمية المتخصصة، باعتبارها مصادر تتمتع بدرجات مرتفعة من الاستقلالية والخبرة الفنية.

(3) معيار الأصالة (Authenticity):

——————————

يقصد بالأصالة إثبات أن الدليل حقيقي وغير مزور أو محرف أو منسوب إلى غير مصدره الصحيح.

ومع الثورة الرقمية أصبح هذا المعيار يحتل موقعاً محورياً في فلسفة الإثبات الحديثة، لأن التحدي لم يعد يتمثل في ندرة المعلومات، وإنما في القدرة على التحقق من صحتها. ولذلك أصبحت عمليات التحقق الرقمي وفحص البيانات الوصفية وتحليل البصمات الإلكترونية والتحقق الزماني والمكاني جزءاً أساسياً من عملية إنتاج الدليل.

(4) معيار الشرعية (Legality):

———————————–

ويعد هذا المعيار التعبير الأكثر وضوحاً عن العلاقة بين الإثبات والدولة الدستورية. فالدليل لا يفقد قيمته القانونية بسبب مضمونه، وإنما بسبب الطريقة التي تم الحصول عليه بها. ولذلك تشترط النظم القانونية الحديثة أن يكون جمع الأدلة متوافقاً مع الضمانات الدستورية وحقوق الإنسان وقواعد المحاكمة العادلة.

ويمثل هذا المبدأ تجسيداً لفكرة أن العدالة لا يمكن أن تُبنى على انتهاك القانون، وأن احترام الإجراءات ليس مجرد مسألة شكلية، بل هو جزء من جوهر الشرعية القانونية.

(رابعاً) سلسلة الحيازة والتحريز كضمانة للثقة العامة في العدالة:

——————————-

يمثل مبدأ سلسلة الحيازة والتحريز (Chain of Custody) أحد أهم الابتكارات القانونية والفنية في منظومة الإثبات المعاصرة، لأنه يجسد فكرة الاستمرارية القانونية للدليل منذ لحظة إنتاجه وحتى لحظة عرضه أمام القضاء. ولا تقتصر سلسلة الحيازة على حفظ الدليل مادياً أو رقمياً، وإنما تشمل بناء سجل متكامل يوثق حياته القانونية كاملة، ابتداءً من الشخص الذي جمعه، مروراً بطرق نقله وحفظه وتحليله، وانتهاءً بتقديمه أمام المحكمة.

وتنبع أهمية هذا المبدأ من كونه يوفر الثقة المؤسسية اللازمة لقبول الأدلة. فالقاضي لا يتعامل مع الدليل بوصفه مادة جامدة، وإنما بوصفه سلسلة من الإجراءات القانونية التي يجب أن تكون جميعها سليمة وخاضعة للتوثيق والرقابة.

ومن منظور العدالة الانتقالية والمساءلة الدولية، تشكل سلسلة الحيازة الضمانة الأساسية التي تمنع التشكيك في الأدلة بعد مرور سنوات طويلة على وقوع الأحداث، وتضمن بقاءها صالحة للاستخدام القضائي حتى في النزاعات الممتدة والمعقدة.

(خامساً): المعايير الدولية لحفظ الأدلة بوصفها بنية تحتية للعدالة:

———————————

لقد أدى تطور الجرائم الدولية والنزاعات المسلحة إلى انتقال الاهتمام من جمع الأدلة فقط إلى إدارة دورة حياة الدليل كاملة. ومن هنا نشأت المعايير الدولية لحفظ الأدلة التي طورتها المحكمة الجنائية الدولية، ولجان التحقيق الدولية، والآلية الدولية المحايدة والمستقلة الخاصة بسوريا (International, Impartial and Independent Mechanism – IIIM) ، والآلية المستقلة للتحقيق بشأن ميانمار (Independent Investigative Mechanism for Myanmar – IIMM) ، وبروتوكول بيركلي للأدلة الرقمية (Berkeley Protocol on Digital Open Source Investigations)، وسنفرد لها تفصيل مفهومي معرفي. ولا تمثل هذه المعايير مجرد قواعد تقنية، بل تشكل بنية تحتية قانونية للعدالة ذاتها، لأنها تضمن استمرار قابلية الأدلة للاستخدام القضائي عبر الزمن. وتقوم هذه المنظومة على أربعة مبادئ أساسية:

(1) سلامة الدليل (Integrity): التي تضمن بقاء الدليل على حالته الأصلية دون تعديل أو تحريف.

(2) أمن الدليل (Security): الذي يحميه من الاختراق أو التدمير أو الوصول غير المشروع.

(3) استمرارية الحفظ (Continuity): التي تضمن إمكانية تتبع حركة الدليل وتاريخه الكامل.

(4) السرية (Confidentiality): التي تحمي الشهود والضحايا والمصادر الحساسة من المخاطر والانتقام.

وهذه المبادئ مجتمعة لا تحمي الأدلة فحسب، وإنما تحمي شرعية العملية القضائية ذاتها، وتضمن أن تبقى العدالة ممكنة حتى بعد مرور سنوات طويلة على وقوع الانتهاكات أو الجرائم، وهو ما يفسر المكانة المركزية التي تحتلها اليوم في فقه الإثبات الوطني والدولي وفي فلسفة العدالة الدستورية والجنائية المعاصرة. ونواصل، للحديث بقية.

فريق شرطة (حقوقي)

الطيب عبدالجليل حسين محمود

المحامي استشاري القانون والموثق

18 يونيو 2026م

زر الذهاب إلى الأعلى