محمدعبدالعظيم محمد خير يكتب شندي محطات ومواقف(1)

– في مدن عريقة كبرى مثل لندن وباريس، ما زالت أسماء المحطات والمواقف القديمة حاضرة في الذاكرة اليومية للناس، رغم ما شهدته تلك المدن من توسع وتحديث وتغيّر في ملامح العمران.
ففي لندن ظلت أسماء مثل ترافالغار سكوير (Trafalgar Square) وبيكاديللي سيركس (Piccadilly Circus) وفيكتوريا (Victoria) وواترلو (Waterloo) تمثل نقاطاً رئيسية للحركة والالتقاء، وتحمل معها تاريخ المدينة وذكرياتها المتراكمة عبر الأجيال.
وفي باريس لا تزال أسماء مثل شاتليه (Châtelet) وسان لازار (Saint-Lazare) وغار دو نور (Gare du Nord) والباستيل (Bastille) حاضرة في وجدان المدينة، باعتبارها معالم تحفظ الذاكرة الجماعية لسكانها.
إن المدن الكبرى لا تحافظ على أسماء محطاتها ومواقفها القديمة من باب الحنين وحده، وإنما لأنها جزء من هويتها وتاريخها وتراثها الحضري.
واليوم، بينما تشهد شندي تغيرات متسارعة في مبانيها وأحيائها ومعالمها، تبرز أهمية توثيق محطاتها ومواقفها القديمة وأسمائها التي ارتبطت بحياة الناس وحركتهم اليومية. فالتوثيق هنا ليس ترفاً ثقافياً، وإنما واجب تجاه ذاكرة المدينة التي أسست من حرمالي صحيفة شندي مدينتي مدينتي اليومية ، وحفاظاً على هويتها للأجيال القادمة.
فكما تحفظ المدن العريقة تاريخها في شوارعها ومحطاتها، يحق ل شندي
أن تحفظ تاريخها في مواقفها وأماكنها التي صنعت تفاصيل الحياة ونسجت ذكريات أهلها عبر السنين.
والحديث عن أسماء محطات أم المدائن شندي هو حديث عن ذاكرة المدينة نفسها ، عن تاريخها وحركة ناسها، وعن الطرق التي عبرتها الأقدام والبكاسي جيلاً بعد جيل. فالمدن لا تُبنى بالطوب والأسمنت ، المدن تُبنى بالخطوات والحكايات والمواعيد والوجوه التي تعبر شوارعها كل يوم.
وفي شندي ، هنالك رجال صنعوا المحطات، حتى أصبحت أسماؤهم علامات يهتدي بها الناس ، ولهذا تجد بعض المحطات متقاربة، وأخرى تفصل بينها مسافات طويلة، فالأمر لم يكن هندسة طرق بقدر ما كان سيرة أشخاص تركوا أثرهم في وجدان المدينة.
واليوم نركب البوكي من محطة راشد حيث الموقف الاخير بالمدينة الرئيسي متجهين نحو احياء ٢٢ و٢٣ و١٥ وديم عباس و١٤
البوكس غَلّق، وامتلأت مقاعده عن آخرها. في ذلك الزمن لم يكن هنالك تشميع، وكانت الرحلة تبدأ بطقطقة أصابع الكمساري وهو يجمع قيمة المقاعد، متنقلاً بين الركاب بخفة وخبرة اكتسبها من آلاف الرحلات.
يتجاوز البوكس العشربنات، ثم ينحرف عند مدخل شارع الثورات و١٥ وديم عباس. وربما سُمّي كذلك لأنه يتوسط شارعي الثورة مربع ١٤ ومربع ١٥ والديم و. على يمينك يمر بمدارس ٢٣ والجديدة والشرقية بينما يصدح صوت الكمساري:
جامع (خالد) وهوالراحل خالد
حسن حسين… … ياااا في زول نازل ؟
وهكذا نصل إلى محطة جامع خالد ، تلك المحطة التي حملت اسم الرمز الشنداوي المعروف، صاحب العمارة الشهيرة التي ظلت زمناً طويلاً من معالم المدينة البارزة.
وبعد أمتار قليلة، محطة مدارس الشرقية بنات وبنين ، يظهر على اليمين مبنى مربع ١٤ منزل الراحل دكنور عيسى بروزه ودكان عريبي وعلى اليسار منزل المرحوم عبدالماجد الطاهر واولاده (مجمدوفيصل) وبقية العقدالفريد ، وهناك تقف محطة بيت ودكان الفلاتي، شاهدة على زمن كان فيه أصحاب المتاجر الكبيرة جزءاً من جغرافيا المدينة وذاكرتها.
يواصل البوكس رحلته عابراً نحو مربع واحد، حيث يتفرع الطريق المؤدي إلى السوق الكبير، مارّاً بالمربعين ١١ وواحد الأول والثاني. وعلى يساره يمتد ذلك الميدان الفسيح ونادي الهدف الذي ظل يشكل فاصلاً بين حي مربع ١١ ومربع واحد ، بينما تنتصب على يمينه محطة بقالة نبيه قلاده احداعيان الأقباط بشندي ثم دكان حزقيال في ناصية مربع َواحد ، أحد الأسماء التي ارتبطت بتاريخ شندي والمواصلات في شندي.
وقد حملت المحطة اسم الراحل حزقيال توفيق، أحد الرواد الأوائل في تجارة اقمشة الدموروجمبع أنواع الاقمشه الأخرى ثم أضاف تجارته توكيل سيراميك ثم بعدرحيله مستوصف حزقيال ، في زمن كانت فيه المواصلات تشكل شريان الحياة للمدينة وتربط أحياءها ببعضها البعض.
حيث واصل مسيرته مع تجارة الاقمشه بكافة أنواعها الدموروثوب الكرب الجابوهوا النقاده حتى وافاه الأجل.، رحمه الله رحمة واسعة.
يجتاز البوكسي محذةحزقيال ليصل إلى محطة البوسته باالسوق الكبير ، ويواصل صعوده الملحوظ نحو السوق يظهر القسم الأوسط للشرطة شمالك ثم استديوالشباب (الراحل جدنا عبزالعريرفضل) يمينك
بعد ذلك ، قبل أن تنتهي الرحلة عند المحطة الأخيرة جوار البنك الزراعي وبنك الخرطوم.،
هكذا كانت الرحلة في شندي ، عبور بين صفحات من التاريخ، ومحطات تحمل أسماء رجال صاروا جزءاً من وجدان المدينة. وكل محطة كانت تحكي قصة عن علامات مضيئة في كتاب شندي الكبير ، وكل نداء للكمساري كان يعيد رسم خريطة المدينة في ذاكرة أبنائها.
ونواصل


