أنين ألأنامل د. الهادي خضر درمه يكتب صرخه في وجه الأمواج الهجرة غير النظاميه ومأساة العصر

صدقت مقوله استاذي الجليل، المغفور له بإذن الله، الدكتور محمود مصطفى المكي. ففي أروقة العلم، وأثناء مناقشة رسالة الماجستير، أطلق تحذيراً استشرافياً بأن الهجرة غير المشروعة (النظاميه) ستكون “موضوع العصر” فقهاً وقانوناً، وأنها سترتبط ارتباطاً وثيقاً بالجوانب الإنسانية والاجتماعية والثقافية للأمم. كما أكد أن النزاعات ستلعب دوراً محورياً في تنامي هذه المشكلة التي ستؤرق مضاجع الكثير من الدول، ومن بينها السودان. واليوم، تقف الإنسانية عاجزة أمام شواهد هذه التوقع المبنى علي العلم والدراسه، وحادثة البحر الأبيض المتوسط الأخيرة ليست سوى فصل جديد في كتاب المآسي المفتوح.
رحم الله أستاذنا الجليل، ولا زلنا على العهد باقين، نحمل أمانة الكلمة ونسعى لتسليط الضوء على قضايا أمتنا الموجعة.
فالامواج تبتلع الأحلام
ولم يعد البحر الأبيض المتوسط مجرد فاصل جغرافي بين قارتين، بل تحول إلى مقبرة جماعية تبتلع أحلام الباحثين عن الأمان والعيش الكريم.
في يونيو 2026، شهدنا فاجعة جديدة تضاف إلى سجل المآسي، حيث تقاذفت الأمواج جثث المهاجرين، وفُقد العشرات في أعماق البحر بعد انقلاب قواربهم المتهالكة . هذه الحوادث المتكررة ليست مجرد أرقام تتناقلها وكالات الأنباء، بل هي قصص إنسانية مبتورة، وعائلات ثكلى، وأرواح أُزهقت على مذابح اليأس والاستغلال.
إن ما يزيد الطين بلة هو استغلال عصابات الاتجار بالبشر لهذه المآسي. فهذه الشبكات الإجرامية، التي حولت تهريب البشر إلى صناعة تدر مليارات الدولارات، تستغل ثغرات أمنية وقانونية في دول العبور، لتكدس المهاجرين في قوارب الموت مقابل مبالغ طائلة تصل أحياناً إلى 150 ألف دولار للرحلة الواحدة .
لا يمكن الحديث عن أزمة الهجرة غير النظاميه دون التوقف عند الجرح السوداني النازف. فمنذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، يعيش السودان أكبر أزمة نزوح في العالم ، باحثين عن ملاذ آمن في دول الجوار .
هذا النزوح الهائل، المدفوع بويلات الحرب وانعدام الأمن الغذائي وتدهور الخدمات الأساسية، جعل من السودانيين فريسة سهلة لشبكات التهريب. وفي دول العبور، يواجه اللاجئون السودانيون تحديات مضاعفة؛ فإلى جانب قسوة الظروف المعيشية، يتعرضون لموجات من الكراهية والتمييز، ويُحرمون من أبسط حقوقهم في العلاج والتعليم . هذه الظروف القاسية تدفع الكثيرين منهم إلى ركوب قوارب الموت، مفضلين مواجهة أمواج البحر العاتية على البقاء في جحيم الاستغلال واليأس.
إن التصدي لظاهرة الهجرة غير المشروعة يتطلب مقاربة شاملة تتجاوز الحلول الأمنية المؤقتة، لتعالج الجذور العميقة للمشكلة. وهنا نطلق صرخة في ضمير الإنسانية، ونقترح حزمة من التدابير العاجلة
وذلك بتجفيف منابع النزاعات لا يمكن وقف تدفق المهاجرين دون إحلال السلام في الدول المصدرة للأزمات.
يجب على المجتمع الدولي تكثيف جهوده الدبلوماسية والسياسية لوقف تلك الانشطه التي تدفع الإنسان للهلاك، وإعادة بناء مؤسسات الدولة التي تحارب تلك المشاكل والظواهر.
ضرب شبكات الاتجار بالبشر فيجب تعزيز التعاون الأمني والاستخباراتي بين دول المصدر والعبور والمقصد لتفكيك شبكات التهريب، وملاحقة قادتها، وتجميد أصولهم المالية. كما يجب تشديد العقوبات القانونية على كل من يثبت تورطه في هذه الجرائم البشعة.
إن إغلاق الحدود وبناء الجدران لن يمنع الهجرة، بل سيدفع المهاجرين نحو طرق أكثر خطورة.
يجب على الدول المتقدمة فتح قنوات قانونية وآمنة للهجرة، مثل برامج إعادة التوطين، وتأشيرات العمل والدراسة، وتسهيل إجراءات لم الشمل العائلي.
تتحمل دول العبور والسودان واحدا منها، عبئاً كبيراً في استضافة المهاجرين. فيجب على المجتمع الدولي تقديم دعم مالي وتقني لهذه الدول لتحسين ظروف استقبال المهاجرين، وتوفير الخدمات الأساسية لهم، وحمايتهم من الاستغلال.
فالتركيز على توجيه الاستثمارات نحو الدول النامية لخلق فرص عمل للشباب، وتحسين مستوى المعيشة، وتعزيز التنمية المستدامة. فالفقر والبطالة هما من أهم الدوافع التي تدفع الشباب نحو الهجرة غير النظاميه.
إن الهجرة غير المشروعه ليست قدراً محتوماً، بل هي نتيجة لسياسات فاشلة في دول المصدر ونزاعات مدمرة وتفاوت اقتصادي صارخ. وإذا لم يتحرك المجتمع الدولي بجدية وصدق لمعالجة هذه الأسباب، فإن أمواج البحر الأبيض المتوسط ستستمر في ابتلاع المزيد من الأرواح البريئة، وستظل قراءات الدكتور محمود مصطفى المكي شاهدة على عجزنا وتقصيرنا.
اللهم احفظ السودان وأهله واجعله امنا امانا يارب العالمين.
اذا أمد الله في الاجال سنعود.


