مقالات الرأي

( الضؤ الشارد) رصاص الفوضى داخل قسم الشرطة.. مقتل شرطي بالجبلين يكشف تمدد سلاح القوات المشتركة فوق سلطة القانون. بقلم الاستاذ/ ملوك ميوت ايواك

 

إن الحادثة التي شهدتها مدينة الجبلين لا يمكن النظر إليها باعتبارها مجرد مشاجرة فردية انتهت بإطلاق نار بل تمثل مؤشرا خطيرا على حالة الانفلات التي باتت تهدد مؤسسات الدولة نفسها. فعندما يتحول قسم شرطة رسمي إلى ساحة اشتباك مسلح ويُقتل أحد أفراد الشرطة أثناء أداء واجبه داخل مقر عمله فإن القضية تتجاوز الخلاف حول حادث مروري لتصبح سؤالاً كبيراً حول هيبة الدولة ومن يملك سلطة السلاح.

وتشير الوقائع إلى أن الأزمة بدأت بخلاف مروري عادي تم التعامل معه عبر الإجراءات القانونية المعتادة حيث تم فتح بلاغ والتحقيق مع صاحب العربة بواسطة النيابة المختصة التي قررت إطلاق سراحه. لكن اعتراض أفراد يتبعون للقوات المشتركة على قرار النيابة وتحويلهم الخلاف إلى مواجهة مسلحة مع الشرطة يكشف عن عقلية خطيرة ترى أن القوة المسلحة يمكن أن تكون بديلا للقانون.

الأخطر في الحادثة أن إطلاق النار لم يحدث في شارع معزول أو منطقة نزاع بل داخل قسم شرطة المرور نفسه. وهذا يعني أن المؤسسة المكلفة بفرض القانون أصبحت هدفا للسلاح بدلا من أن تكون المرجعية التي يحتكم إليها الجميع. وعندما يصل الأمر إلى إصابة شرطيين ومحاولة استخدام قنبلة يدوية داخل محيط مؤسسة حكومية فإن الرسالة التي تصل إلى المواطنين هي أن القانون أصبح الحلقة الأضعف أمام أصحاب البنادق.

كما تكشف الواقعة جانبا آخر بالغ الخطورة وهو حالة الخوف التي يعيشها المواطنون في مناطق عديدة نتيجة تصرفات بعض المجموعات المسلحة التي تتعامل مع نفوذها العسكري باعتباره حصانة فوق المساءلة. فالمواطن البسيط الذي يلجأ إلى الشرطة والنيابة لحماية حقوقه سيجد نفسه أمام مشهد عبثي إذا كانت القرارات القانونية يمكن أن تُقابل بالرصاص.

وفي المقابل فإن التدخل السريع للاستخبارات العسكرية وقوات اللواء سبعين مشاة حال دون تحول الحادثة إلى مجزرة أكبر خاصة بعد منع أحد المتهمين من تفجير قنبلة يدوية. غير أن هذا التدخل رغم أهميته لا يعفي السلطات من مسؤوليتها في معالجة أصل المشكلة المتمثلة في انتشار السلاح وضعف الانضباط وسط بعض التشكيلات المسلحة.

لقد دفع المساعد شرطة أحمد محمد العجب حياته ثمنا لتمسكه بواجبه المهني بينما لا يزال الرقيب رمضان محمد خليفة يتلقى العلاج بعد إصابته. وهذه الخسارة ليست خسارة أسرتهما وزملائهما فقط بل خسارة لمؤسسة الدولة التي يفترض أن تكون محمية بالقانون لا مستهدفة بالسلاح.

حادثة الجبلين ليست مجرد جريمة قتل بل جرس إنذار مدوٍ. فالدولة التي يُقتل رجال شرطتها داخل أقسامها بسبب الاعتراض على قرار صادر من النيابة تواجه تحديا يتجاوز الأمن إلى جوهر وجودها نفسه. وإذا لم تتم محاسبة الجناة بحزم وإخضاع الجميع لسلطة القانون دون استثناء فإن الفوضى ستواصل التمدد وسيصبح السؤال الذي يردده المواطن كل يوم من يحمي الناس إذا كان حماة القانون أنفسهم باتوا أهدافا للرصاص؟

فمقتل شرطي داخل قسم الشرطة ليس حادثاً عابرا بل دليل على أن السلاح المنفلت بدأ يتحدى سلطة الدولة نفسها. فإما أن ينتصر القانون على فوهة البندقية أو تتسع دائرة الفوضى على حساب أمن المواطنين

زر الذهاب إلى الأعلى