مقالات الرأي

فريق شرطة حقوقي د. الطيب عبدالجليل حسين يكتب استراتيجية التقاضي الدولي في ملف حرب السودان 15 أبريل 2023م (6) (جمع وتحليل الأدلة وتحويلها إلى سردية قانونية متماسكة قابلة للإثبات دولياً)

 

مواصلة تناول الحديث عن مضمون المقال والتسجيل الصوتي المنسوب للبروفيسور/ عقيل سوار الذهب، يمثل ملف إدارة الأدلة الجنائية في السودان، خاصة في سياق ما بعد ثورة ديسمبر 2019م وحرب 15 أبريل 2023م، نموذجاً مركباً لتداخل القانون بالسياسة، ولتصادم الحقيقة القضائية مع السرديات العامة المتنافسة. وقد أظهر تسجيل البروفيسور/ عقيل سوار الذهب أهمية خاصة في هذا السياق، لأنه أعاد فتح ملف الجثامين مجهولة الهوية في المشارح وربطه بإشكاليات التوثيق الطبي الشرعي، وسلسلة الحيازة، ومدى دقة الربط بين المعطيات العلمية والسرديات السياسية حول (شهداء ومفقودي فض اعتصام القيادة العامة).

وفي هذا الإطار، يتجاوز الطب الشرعي دوره التقليدي بوصفه جهة (استشارية) تقدم تقارير فنية فحسب، إلى كونه محققاً فنياً داخل منظومة العدالة الجنائية. فهو – أي الطب الشرعي – يشارك فعلياً في إعادة بناء الواقعة الإجرامية من خلال تحليل الجثة بوصفها مسرحاً مادياً للجريمة، وتحديد سبب الوفاة، وزمنها، وآليات حدوثها، وربط النتائج البيولوجية بالمعطيات التحقيقية الأخرى. وبذلك، يصبح الطبيب الشرعي جزءاً من عملية التحقيق الجنائي لا مجرد شاهد خبير، إذ يسهم في إنتاج الدليل وليس فقط تفسيره.

وتزداد أهمية هذا الدور في القضايا العابرة للحدود، حيث تتعقد إجراءات جمع الأدلة وتتعدد السلطات القضائية، ما يستلزم إشراك الطب العدلي الوطني في فرق التحقيق الميداني، بما يضمن توثيقاً فورياً وسليماً للأدلة قبل تعرضها للتلف أو التغيير. وهنا تتجلى مهارات الطب الشرعي في إدارة مسرح الجريمة، وحفظ سلسلة الحيازة، وتوثيق الجثامين، والتعامل مع الأدلة البيولوجية والحمض النووي، بما يرفع من القيمة الإثباتية للدليل أمام المحاكم الوطنية والآليات الدولية.

إلا أن هذا الدور الفني المتقدم للطب العدلي يصطدم في السياق السوداني بإشكاليات بنيوية أعمق تتعلق بتصميم آليات التحقيق نفسها، حيث تُشكَّل اللجان غالباً بقرارات سياسية عليا، وتُمنح صلاحيات تحقيقية دون رقابة قضائية مستقلة كافية، مما يؤدي إلى تداخل بين منطق التسوية السياسية ومنطق الحقيقة القضائية، وعلى سبيل المثال لجنة تحقيق فض اعتصام القيادة العامة 2019م واللجنة الوطنية للتحقيق في جرائم الدعم السريع 2024م. وفي مثل هذا السياق، تتعرض الأدلة – بما فيها الأدلة الطبية الشرعية – لخطر إعادة التوظيف داخل سرديات سياسية متنافسة، بدل أن تبقى ضمن مسارها العلمي والقضائي الصرف.

وعليه، فإن الخلاصة المركزية هي أن فعالية العدالة الجنائية في السودان، خاصة في الدماء والقضايا الجسيمة والعابرة للحدود الوطنية، لا تتوقف على وجود الطب الشرعي فحسب، بل على إعادة تعريفه كمحقق فني مستقل داخل منظومة التحقيق، وتوفير بيئة مؤسسية تضمن استقلاله، وتمنع تسييس مخرجاته، وتدمجه مبكراً في إدارة الأدلة وسلسلة الحيازة، بما يضمن تحويل الوقائع المادية إلى حقيقة قضائية قابلة للإثبات أمام القضاء الوطني والدولي، لا مجرد سرديات متنازعة.

وفي هذا السياق، نواصل الحديث بتناول مضمون التسجيل الصوتي المنسوب للبروفيسور/ عقيل سوار الدهب، من زاوية فلسفة إدارة الأدلة بوصفها المدخل الأهم لإنتاج الحقيقة القانونية والقضائية، لا مجرد الحقيقة الواقعية أو السردية. فالقيمة المركزية التي يبرزها هذا الطرح، تتمثل في أن العدالة الجنائية لا تُبنى على مجرد وقوع الحدث أو شيوع رواياته، وإنما على تحويل الوقائع المادية إلى أدلة منضبطة، قابلة للتحقق والاختبار، ضمن منظومة إجرائية تضمن سلامة التوثيق، واستقلال التقييم، وتسلسل الحيازة، بما يؤسس لاحقاً لرد المظالم، وتحقيق المساءلة، ومنع الإفلات من العقاب.

(رابعاً) فهم منظومة إدارة الأدلة الجنائية: من الحقيقة الواقعية إلى الحقيقة القضائية:

———————————–

في ضوء ما تقدم من حديث عن دور الطب الشرعي ومكانته داخل منظومة العدالة، تبرز الحاجة إلى فهم إدارة الأدلة بوصفها الإطار المؤسسي والمعرفي الذي تتكامل داخله مختلف عمليات جمع الأدلة وتحليلها وتقييمها وتقديمها أمام جهات العدالة. فمن هذا المنظور، لا تُفهم إدارة الأدلة باعتبارها وظيفة تقنية أو إجرائية محضة، وإنما بوصفها منظومة فلسفية وقانونية متكاملة تُعنى بتنظيم العلاقة بين الحقيقة الواقعية كما حدثت في عالم الوقائع، والحقيقة القضائية كما يمكن إثباتها أمام القضاء وفقاً لقواعد الإثبات والإجراءات القانونية المقررة. فجوهر العدالة لا يكمن في مجرد وقوع الحدث أو ثبوت الحق في ذاته، وإنما في قدرة النظام القانوني على تحويل الوقائع المادية والبيولوجية والاجتماعية إلى أدلة مشروعة وموثوقة وقابلة للفحص القضائي، بما ينقل الواقعة من نطاق الادعاء إلى نطاق الإثبات، ومن دائرة الاحتمال إلى دائرة الاقتناع القضائي. وفي هذا الإطار، تمثل إدارة الأدلة الجسر الذي تعبر من خلاله الحقيقة الواقعية إلى الحقيقة القضائية، عبر سلسلة مترابطة من الإجراءات العلمية والقانونية التي تبدأ بجمع الدليل وتوثيقه وحفظه، وتمر بتحليله وتفسيره، وتنتهي بتقديمه وتقييمه أمام القضاء.

وفي هذا السياق، أجدني ممتناً للأخ الدفعة العميد شرطة/ حسن عبدالله مبروك، أحد أقمار عيال الدفعة (46) بكلية الشرطة السودانية، والمحامي والموثق حالياً، لتنبيهي إلى أهمية عدم قصر الحديث عن تطبيقات تحليل الحمض النووي الريبوزي منقوص الأكسجين (Deoxyribonucleic Acid – DNA) على المجال الجنائي فحسب، وذلك في ضوء ما ورد من إشارات ذات دلالة في التسجيل الصوتي المنسوب للبروفيسور/ عقيل سوار الذهب، وإنما ضرورة التوقف كذلك عند دوره المتنامي في منازعات الأحوال الشخصية والأسرة، وعلى وجه الخصوص دعاوى إثبات أو نفي النسب.

ولا شك أن تطبيقات تقنية DNA تمثل نموذجاً عملياً متقدماً لفلسفة إدارة الأدلة، بوصفها منظومة قانونية وعلمية عابرة للتخصصات القضائية، لا تنحصر في حدود الجريمة والعقاب أو التحقيقات الجنائية فحسب، وإنما تمتد إلى مجالات الحقوق الشخصية والأسرية، وما يرتبط بها من مسائل تحديد الهوية والانتماء الأسري والنسب والحقوق المدنية القانونية والشرعية المترتبة عليها. ومن ثم، فإن القيمة الحقيقية لهذه التقنية، لا تكمن فقط في دقتها العلمية العالية، وإنما كذلك في قدرتها على بناء جسر موثوق بين الحقيقة البيولوجية والحقيقة القانونية، بما يعزز من قدرة منظومة العدالة على الوصول إلى نتائج أكثر موضوعية ويقيناً في القضايا الجنائية والأسرية على السواء.

وفي هذا الاطار، الفهم لإدارة الأدلة، لا يقتصر على الإطار الضيق للعدالة الجنائية، ولا يُقصد به مجرد البنية الإدارية أو المؤسسية القائمة على جمع الأدلة وحفظها، وإنما يمتد ليعبر عن سلسلة متكاملة من العمليات القانونية والفنية التي تبدأ من لحظة نشوء الدليل في مسرح الواقعة، وتمر بمرحلة جمعه وتوثيقه وحفظه وفق ضوابط سلسلة الحيازة، ثم تحليله وتفسيره علمياً، وانتهاءً بتقديمه في صورة استدلالات قابلة للاعتماد أمام القضاء. ومن هذا المنظور، فإن إدارة الأدلة تمثل منظومة إنتاج الحقيقة القضائية، لا مجرد إدارة تنظيمية للملفات أو المعروضات، بل عملية دقيقة تهدف إلى ضمان سلامة الدليل من التشويه أو الفقد أو التلاعب، بما يكفل موثوقيته وقابليته للإثبات أمام جهات العدالة.

وكما يمتد هذا الفهم ليشمل مختلف مجالات التقاضي التي تتوقف نتائجها على سلامة الدليل وقوته الإثباتية، سواء تعلق الأمر بالجنايات والجرائم الجسيمة، أو بمنازعات الأحوال الشخصية والأسرة. وتبرز أهمية ذلك بصورة خاصة في دعاوى إثبات أو نفي النسب، حيث أصبحت الأدلة البيولوجية والوراثية تمثل أحد أهم مرتكزات الوصول إلى الحقيقة القانونية، لما توفره من درجات عالية من الدقة واليقين العلمي.

وعليه، جوهر المسألة في جميع هذه المجالات، لا ينحصر في وجود الحقيقة في ذاتها، وإنما في مدى القدرة على تحويلها إلى دليل قانوني صحيح ومقبول وفق معايير العدالة وسيادة القانون وقواعد الإثبات المعتبرة، بما يحقق الانتقال المنهجي من الواقعة إلى الدليل، ومن الدليل إلى القناعة القضائية المستقرة.

ومن هنا تتجلى أهمية إدارة الأدلة، باعتبارها منظومة موحدة لإنتاج الحقيقة القانونية، مهما اختلفت طبيعة النزاع أو المجال القضائي الذي تُطرح فيه؛ إذ تظل الغاية النهائية واحدة، وهي بناء قناعة قضائية تستند إلى دليل مشروع وموثوق، قادر على الربط بين الحقيقة الواقعية والحقيقة القضائية، سواء تعلق الأمر بإثبات جريمة، أو تحديد هوية مجهول، أو حسم نزاع حول رابطة النسب والانتماء الأسري.

بناءً عليه، تكتسب فلسفة إدارة الأدلة بوصفها منظومة لإنتاج الحقيقة القضائية أهمية تتجاوز نطاق العدالة الجنائية، لتشمل مختلف فروع القانون، بما فيها الأحوال الشخصية والأسرة، حيث تتجلى الإشكالية ذاتها في صور متعددة تتباين بحسب طبيعة النزاع دون أن تختلف في جوهرها. فالقاضي الجنائي ينشغل بإثبات وقوع الجريمة ونسبتها إلى مرتكبها استناداً إلى أدلة مادية وفنية وقرائن معتبرة، بينما يتجه قاضي الأحوال الشخصية إلى التحقق من وجود أو نفي روابط قانونية وأسرية تمس الهوية الشخصية والحقوق المدنية والمالية والاجتماعية للأفراد، وعلى رأسها روابط النسب والانتماء الأسري.

وفي كلا السياقين، يظل السؤال الجوهري واحداً: كيف يمكن تحويل الوقائع الاجتماعية أو البيولوجية أو المادية، بما تحمله من تعدد واحتمال وتباين في التفسير، إلى حقيقة قانونية قابلة للإثبات القضائي وفق معايير العدالة وسيادة القانون وقواعد الإثبات المقررة؟ هنا تحديداً تتجلى وظيفة إدارة الأدلة باعتبارها الحلقة الوسيطة بين الواقع والقانون، والآلية التي تُنقل عبرها الواقعة من صورتها الخام إلى صورتها القضائية المنضبطة.

فإدارة الأدلة، في هذا المعنى، لا تتعلق بمجرد حفظ المعروضات أو تنظيم الإجراءات الشكلية، وإنما تقوم على سلسلة متكاملة من العمليات تبدأ بتلقي الدليل من مصدره الأول، مروراً بتوثيقه وضبطه وفق سلسلة الحيازة القانونيةLegal Chain Custody ، ثم إخضاعه للفحص والتحليل العلمي والفني، وانتهاءً بتقديمه في صورة استدلالات قابلة للتقييم القضائي. وبهذا المعنى، تصبح إدارة الأدلة هي البنية المفاهيمية التي تضمن عدم انفصال الحقيقة القضائية عن أصلها الواقعي، سواء في القضايا الجنائية أو في منازعات الأحوال الشخصية، وعلى وجه الخصوص قضايا إثبات أو نفي النسب التي باتت فيها الأدلة البيولوجية والوراثية تمثل معياراً حاسماً في الوصول إلى درجة أعلى من اليقين القضائي.

ومن ثم، فإن هذه الفلسفة تؤسس لوحدة منهجية في فهم الدليل، قوامها أن اختلاف فروع القانون لا يغير من طبيعة السؤال المركزي للعدالة: ليس فقط ما الذي حدث؟ بل كيف يمكن إثبات ما حدث بصورة مشروعة وموثوقة ومعتمدة قضائياً؟

وعليه، في نطاق العدالة الجنائية، تتجلى أهمية الطب الشرعي بوصفه أحد أهم الفاعلين في إنتاج الدليل الحديث. فدوره لا يقتصر على تقديم رأي فني أو خبرة متخصصة بعد اكتمال التحقيق، وإنما يمتد إلى الإسهام المباشر في بناء السردية القضائية ذاتها من خلال تحليل الآثار المادية للجريمة، وفحص الجثامين والإصابات، واستخلاص المؤشرات البيولوجية والفيزيائية، وربطها بسياقها الزماني والمكاني والتحقيقي. فالطب الشرعي في جوهره ليس مجرد أداة للكشف، بل هو وسيلة لتحويل الأثر المادي إلى معرفة قانونية يمكن أن يعتمد عليها القضاء في تكوين عقيدته.

(خامساً) أهمية إنشاء بنية وطنية لإدارة الأدلة ضمن بنية المباحث المركزية:

——————————–

يزداد هذا الدور أهمية في القضايا الجماعية والجرائم واسعة النطاق والانتهاكات المرتبطة بالنزاعات المسلحة أو الاضطرابات السياسية، حيث تتعرض الأدلة لمخاطر متعددة تشمل الضياع أو العبث أو التسييس أو فقدان سلسلة الحيازة القانونية. وفي مثل هذه السياقات، لا تبرز أهمية الطب الشرعي بوصفه مجرد أداة فنية مساعدة، وإنما باعتباره أداة لحماية الحقيقة ذاتها، من خلال تثبيت الوقائع مادياً في لحظتها الأولى، وضمان صونها من إعادة التشكيل أو التأويل السياسي أو التوظيف السردي الدعائي، بما يحفظ إمكانية مساءلة الجناة وفق معايير العدالة الوطنية والدولية.

وفي هذا الإطار، يتصل إنشاء بنية وطنية لإدارة الأدلة داخل هيكل الإدارة العامة للمباحث المركزية والتحقيقات الجنائية بمبدأ جوهري في فلسفة الدولة الحديثة، وهو مبدأ مسئولية الدولة عن ضمان حياد الأدلة وسلامة مسار العدالة الجنائية. فالدولة، بوصفها المحتكر المشروع لسلطة الضبط الجنائي والتحقيق، تلتزم ليس فقط بكشف الجريمة، وإنما أيضاً بضمان أن تكون الأدلة التي تُبنى عليها العدالة أدلة محايدة، سليمة، وغير خاضعة للتأثيرات السياسية أو التقديرات غير المهنية.

وتستند هذه البنية المقترحة لإدارة الأدلة ضمن بنية المباحث المركزية والتحقيقات الجنائية إلى الخبرة التراكمية للمؤسسات الأمنية التقليدية المركزية، وفي مقدمتها الإدارة العامة للمباحث المركزية والتحقيقات الجنائية، بوصفها أحد أهم مكونات جهاز الشرطة الوطني التابع لوزارة الداخلية (رئاسة قوات الشرطة). والمقصود بـالبنية الأمنية التقليدية المركزية هنا هو ذلك النموذج المؤسسي الذي يقوم على تركيز وظائف الأمن الداخلي في جهاز شرطي وطني موحد، يتولى مهام حفظ النظام العام، ومنع الجريمة، وضبطها، والتحقيق فيها، وجمع الاستدلالات، وإحالة القضايا إلى النيابة والسلطة القضائية. ويتميز هذا النموذج بكونه بنية هرمية مركزية تتولى إدارة عمليات الأمن الداخلي وفق معايير موحدة، بما يضمن وحدة القرار الأمني، وتماسك سلسلة الإجراءات، وتكامل الخبرات الفنية والتحقيقية.

إلا أن فلسفة إدارة الأدلة، لا تقف عند حدود الجريمة والعقاب، بل تمتد كذلك إلى مجال الأحوال الشخصية والأسرة، حيث تتخذ الأدلة العلمية دوراً متنامياً في حسم المنازعات المتعلقة بالهوية والانتماء الأسري. وتبرز هذه الحقيقة بوضوح في دعاوى إثبات النسب أو نفيه، التي تُعد من أكثر المنازعات القانونية حساسية وتعقيداً لارتباطها المباشر بالكرامة الإنسانية والهوية الشخصية والحقوق الأسرية والميراث والنفقة وسائر الآثار القانونية المترتبة على ثبوت رابطة البنوة.

ففي النظم القانونية التقليدية، اعتمد إثبات النسب تاريخياً على وسائل متعددة، كالفراش والإقرار والبينة والقرائن الشرعية والقانونية، باعتبارها أدوات تهدف إلى ترجيح وجود الرابطة الأسرية أو نفيها وفقاً للمعايير المعتمدة في كل نظام قانوني. إلا أن التطور العلمي والتقني، أوجد وسائل إثبات حديثة أكثر دقة وموضوعية، وفي مقدمتها البصمة الوراثية المستندة إلى تحليل الحمض النووي الريبوزي منقوص الأكسجين (Deoxyribonucleic Acid – DNA)، التي أصبحت تمثل أحد أهم تطبيقات العلوم الجنائية والطب الشرعي والطب العدلي خارج المجال الجنائي التقليدي.

وقد أتاح هذا التطور الانتقال من إثبات النسب القائم على القرائن والاحتمالات إلى إثباته بدرجات عالية من اليقين العلمي، الأمر الذي جعل إدارة الأدلة البيولوجية في هذا المجال لا تقل أهمية عن إدارتها في مسارح الجرائم الجنائية. فالبصمة الوراثية توفر مستوى متقدماً من الدقة في تحديد الهوية البيولوجية للأشخاص، وأصبحت تمثل إحدى أهم وسائل الإثبات الحديثة في كل من التحقيقات الجنائية ومنازعات الأحوال الشخصية والأسرة، ولا سيما دعاوى إثبات أو نفي النسب، فضلاً عن دورها المحوري في التعرف على الجثامين مجهولة الهوية وتحديد هوية المفقودين وربط الأشخاص بالأدلة البيولوجية المستخلصة من مسارح الجرائم والانتهاكات الجسيمة.

ومن ثم، لم يعد تحليل الحمض النووي (DNA) مجرد وسيلة فنية مساعدة، بل أصبح أحد أهم أدوات إنتاج الحقيقة القانونية المعاصرة، بما أسهم في تعزيز قدرة منظومة العدالة على الانتقال من دائرة الترجيح والاحتمال إلى دائرة الإثبات العلمي الموضوعي القائم على أسس قابلة للتحقق والفحص والمراجعة القضائية. كما رسخ هذا التطور مفهوم إدارة الأدلة بوصفها منظومة متكاملة تبدأ بجمع العينات البيولوجية وحفظها وتوثيق سلسلة حيازتها، وتمر بعمليات الفحص والتحليل والتفسير العلمي، وتنتهي بتقديم نتائجها أمام القضاء في صورة دليل يتمتع بالمصداقية والقوة الإثباتية اللازمة لبناء الحقيقة القضائية على أسس علمية راسخة.

وانطلاقاً من هذا الفهم، فإن مكافحة الإفلات من العقاب في المجال الجنائي، وحماية الحقوق الأسرية في مجال الأحوال الشخصية، يشتركان في قاعدة واحدة هي جودة إدارة الأدلة. فكلما ازدادت كفاءة المؤسسات المختصة بجمع الأدلة وتحليلها وحفظها، وتعزز استقلالها الفني والقانوني، ازدادت قدرة الدولة على تحقيق العدالة وصون الحقوق. ولذلك فإن فلسفة إدارة الأدلة تمثل اليوم أحد أهم المداخل المعاصرة لإعادة بناء الثقة في منظومة العدالة، سواء تعلق الأمر بمحاسبة مرتكبي الجرائم والانتهاكات الجسيمة، أو بحماية الروابط الأسرية وإثبات الهوية والنسب، بما يجعل الدليل العلمي والقانوني أساساً مشتركاً لتحقيق العدالة في مختلف فروع القانون.

(سادساً) مدى وحجية مقبولية البصمة الوراثية:

———————————–

في سياق جدلية مقبولية البصمة الوراثية (DNA) في منازعات الإثبات ذات الطبيعة الجنائية والأسرية، ولا سيما ما يتصل بجرائم العرض والهتك والاعتداء الجنسي، وما قد يتفرع عنها من أوصاف قانونية متباينة بين الاغتصاب والزنا، تستحضر الذاكرة المهنية، بوصفي محامياً للدفاع عن الضحية، واقعة عملية ذات دلالة إجرائية وقانونية بالغة الأهمية. وتتصل هذه الواقعة ببلاغ جنائي قيدته الشاكية ابتداءً بوصفه اغتصاباً، قبل أن تفاجأ لاحقاً أثناء سير إجراءات المحاكمة بأنها أصبحت مُدرجة بوصفها متهم ثاني في بلاغ زنا مع ذات المشكو ضده في بلاغ الاغتصاب، وذلك نتيجة إعادة تكييف الواقعة من جهات التحري والنيابة العامة، باعتبار أن الوقائع – وفق تقديرها – تنصرف إلى وصف الزنا لا الاغتصاب.

وقد ترتب على ذلك، وجود ازدواج في التكييف الإجرائي، تمثل في تحرير استمارتين منفصلتين عن ذات الوقائع محل البلاغ، إحداهما تحت توصيف الاغتصاب والأخرى تحت توصيف الزنا، بما أفضى إلى ازدواج في توصيف الواقعة داخل ذات الملف التحقيقي، ثم انتهى الأمر إلى إحالة الدعوى إلى المحكمة وفق التكييف الجنائي الثاني تحت توصيف الزنا، بما يغاير التكييف الأول الذي بدأت به إجراءات البلاغ شكوى من الضحية.

وقد أثارت هذه الإشكالية بطبيعتها تساؤلات جوهرية تتصل بسلامة التكييف القانوني، واتساق الإجراءات التحقيقية، ومدى مشروعية الانتقال من وصف الاغتصاب إلى وصف الزنا في ظل وحدة الوقائع محل البلاغ المحال للمحكمة بتوصيف الزنا، الأمر الذي استدعى التدخل المهني في إطار الدفاع محامياً للضحية، والتنبيه أمام المحكمة إلى هذا التناقض الإجرائي، والتمست من المحكمة إعادة الأوراق إلى جهة الاتهام لمعالجة الخلل في التكييف وسلامة الإجراءات، باعتبار أن استقامة الدعوى الجنائية تقتضي وحدة الوصف القانوني واتساقه مع الوقائع محل التحري، لا تعدد الأوصاف بما يؤدي إلى اضطراب المركز القانوني للخصوم.

وفي سياق تطور مجريات ذات الدعوى أمام النيابة العامة، وبعد استجابة المحكمة لطلب الدفاع بإرجاع ملف الدعوى إلى جهة الاتهام لاستكمال أوجه القصور الإجرائي، تم الدفع – من منظور التحقيق الفني – بضرورة الاستعانة بالأدلة الجنائية، وبوجه خاص تحليل البصمة الوراثية (DNA)، وذلك لبيان الطبيعة البيولوجية للعلاقة محل الاتهام، سواء من حيث نفي أو إثبات وقوع الاتصال الجنسي، بما ينعكس بصورة مباشرة على التكييف القانوني للواقعة بين وصف الاغتصاب ووصف الزنا.

ويستند الدفع من المحامي أمام النيابة العامة، إلى ما يوفره الدليل الجيني من قدرة علمية دقيقة على ربط الأثر البيولوجي بالأطراف محل الدعوى الجنائية، متى استوفت إجراءات جمعه وضبطه وحفظه شروط السلامة الفنية والقانونية، وبما يضمن سلامة سلسلة الحيازة وموثوقية النتائج، ويجعل من هذا الدليل أداة ذات وزن معتبر في تكوين القناعة التحقيقية والقضائية، عند مفاضلته مع سائر عناصر الإثبات في الملف محل النظر.

ويثير هذا المسار الإجرائي من زاوية قانونية موازية، إشكالية جوهرية تتعلق بمدى مشروعية تصدي جهة الاتهام لإعادة تكييف الفعل محل البلاغ من اغتصاب – وفق الشكوى الأصلية المقدمة من الضحية وما تضمنته أقوالها الأولية وما ثبت من استدلالات قرائنها الابتدائية بتوصيف الفعل اغتصاب – إلى إعادة وصف الفعل بأنه زنا استناداً إلى تقديرات النيابة العامة، وما يترتب على ذلك من تغيير جوهري في المركز القانوني للضحية ذاتها، بوصفها أنثى قيدت بلاغاً باعتبارها ضحية اعتداء جنسي، ثم أعيد توصيف موقفها الإجرائي بما يجعلها طرفاً متهماً في ذات الوقائع.

وقد تعززت هذه الإشكالية بتمسك جهة الاتهام بالتكييف الثاني بوصف الفعل أنه زناً، رغم ما أبداه محامي الدفاع في طلباته المقدمة للنيابة من تساؤلات قانونية وإجرائية حول الأساس الذي استند إليه هذا التحول في الوصف الجنائي. إلا أن تلك التساؤلات لم تلقَ – بحسب ما ورد في الأوراق – إجابات كافية أو معالجة قانونية واضحة، بما ينهض معه التحقق من مدى اتساق هذا التكييف مع الوقائع الأولية المثبتة في محضر الشكوى، والتي تضمنت في مراحلها الأولى الاستيثاقية مؤشرات وقرائن أولية تتسق – بحسب ظاهرها – مع وصف الفعل أنه اغتصاب. وانتهى الأمر في خاتمة الإجراءات إلى إعادة إحالة ملف الدعوى إلى المحكمة وفق التكييف الذي اعتمدته جهة الاتهام بتوصيف الفعل أنه زنا، دون حسم كافٍ للإشكال الإجرائي والقانوني الذي أُثارة المحامي أمام جهة الاتهام خلال مرحلة التحري والرأي من القانون أمام النيابة جهة الاتهام.

وقد تزامن ذلك مع حوار مهني مسئول مع الأخ اللواء/ عبدالكريم جدو حمدو، مدير الإدارة العامة للأدلة الجنائية، وهو حوار شكل مدخلاً معرفياً مهماً لإعادة قراءة دور البصمة الوراثية في منظومة العدالة الجنائية، ليس فقط بوصفها أداة لإثبات أو نفي الفعل المادي في الجرائم الجنسية، وإنما باعتبارها كذلك عنصراً تأسيسياً في بناء قناعة المحكمة في القضايا ذات التداخل بين الوصف الجنائي والامتداد الاجتماعي والقانوني للواقعة.

ومن هذا المدخل، تتبلور أهمية إعادة تأطير مقبولية البصمة الوراثية (DNA) في سياق أوسع من مجرد الإثبات الجنائي التقليدي، ليشمل منازعات الأحوال الشخصية والأسرة، ولا سيما دعاوى إثبات أو نفي النسب، حيث تتقاطع المستويات الفقهية والدستورية والقانونية في معادلة دقيقة، لا تقوم على إقصاء أي من المرجعيات، بل على إدماجها ضمن إطار ترجيحي منضبط يحقق التوازن بين حجية الدليل العلمي من جهة، ومقتضيات الاستقرار الأسري وصون الروابط العائلية، واعتبارات الستر الاجتماعي، إلى جانب الضوابط الشرعية الحاكمة لمسائل النسب، من جهة أخرى، بما يكفل تحقيق العدالة دون الإخلال بوظيفة النسب باعتباره ركناً اجتماعياً وقانونياً مستقراً، وعنصراً أساسياً في حفظ البناء الأسري واستقراره داخل المجتمع.

ففي المستوى الفقهي، يقوم نظام إثبات النسب في الشريعة الإسلامية على مقاصد كبرى تتصل بحفظ النسل واستقرار الأسرة وصيانة الأنساب من التنازع والاضطراب، حيث استقر العمل على قواعد معتبرة من أهمها: قاعدة الولد للفراش، وقاعدة اليقين لا يزول بالشك، وقاعدة درء الحدود بالشبهات، مع إقرار آلية الملاعنة كطريق استثنائي لنفي النسب بين الزوجين وفق ضوابط دقيقة. ويعكس هذا البناء الفقهي، فلسفة قانونية غايتها الأساسية ليست البحث الدائم عن الحقيقة البيولوجية المجردة، وإنما تحقيق الاستقرار الاجتماعي والقانوني للنسب، وعدم تعريضه للتفكك بمجرد احتمالات أو قرائن غير قاطعة.

أما في المستوى الدستوري، فإن تطور منظومة حقوق الإنسان أضاف بُعداً جديداً إلى معادلة الإثبات، يتمثل في حماية الحق في الهوية والنسب بوصفه أحد الحقوق الأساسية المتصلة بالكرامة الإنسانية والانتماء القانوني والاجتماعي للفرد، وبخاصة الطفل. كما أقر الفكر الدستوري الحديث مبدأ ضمان العدالة وحماية الحقيقة الإجرائية، بما يفرض على الدولة مسئولية إيجاد توازن بين حماية استقرار الأسرة من جهة، وضمان عدم ضياع الحقوق .

زر الذهاب إلى الأعلى