مقالات الرأي

(الضؤ الشارد)               صرخة من دارفور .(215) حالة وفاة في سجن دقريس  ازمة إنسانية تستوجب تحقيقا دوليا بقلم/ ملوك ميوت ايواك

 

ما كشفته شبكة أطباء السودان حول وفاة أكثر من (215) معتقلا مدنيا داخل سجن دقريس بولاية جنوب دارفور خلال أقل من شهرين ليس مجرد رقم جديد يُضاف إلى سجل الحرب السودانية المثقل بالمآسي بل هو مؤشر خطير على انهيار كامل للمعايير الإنسانية والقانونية داخل مناطق النزاع وتحول أماكن الاحتجاز إلى بؤر للموت البطيء بدلا من أن تكون مواقع لحفظ الحقوق والكرامة الإنسانية.

فالحديث عن وفاة هذا العدد الكبير من المدنيين نتيجة الأمراض والأوبئة والتعذيب وسوء المعاملة يكشف عن واقع مأساوي تتجاوز آثاره حدود السجن نفسه ليطرح تساؤلات عميقة حول طبيعة الانتهاكات التي يتعرض لها المدنيون في المناطق الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع. فحين يموت أكثر من مائتي شخص خلال أسابيع قليلة فإن الأمر لم يعد مجرد تقصير في الرعاية الصحية وإنما أزمة إنسانية مكتملة الأركان تستوجب تحقيقا دوليا عاجلاً ومستقلاً.

الأخطر من ذلك هو الغموض الذي يحيط بمصير (31) معتقلاً بينهم أطفال تم نقلهم إلى مستشفى نيالا قبل أسابيع دون أن تتوفر أي معلومات مؤكدة عن أوضاعهم أو أماكن وجودهم. فاختفاء المدنيين في ظروف الحرب يفتح الباب أمام مخاوف مشروعة بشأن تعرضهم لانتهاكات إضافية ويزيد من معاناة أسرهم التي تعيش بين الانتظار والخوف والترقب.

كما أن الأنباء المتداولة بشأن سحب دم من بعض المعتقلين لصالح جرحى العمليات العسكرية إن ثبتت صحتها فهي تمثل انتهاكا صادما لكل المواثيق الدولية والأعراف الإنسانية وتكشف عن مستوى خطير من الاستغلال الذي يحول الإنسان من صاحب حق إلى مجرد وسيلة لخدمة آلة الحرب.

وتأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه دارفور تدهورا إنسانيا غير مسبوق حيث تتداخل الحرب مع المجاعة والأوبئة والنزوح الجماعي بينما يظل المدنيون الحلقة الأضعف والأكثر دفعا لثمن الصراع. فالسجون ومراكز الاحتجاز يفترض أن تكون تحت رقابة قانونية وإنسانية صارمة لا أن تتحول إلى مناطق معزولة عن العالم لا تصلها المنظمات الطبية ولا الجهات الرقابية.

إن مأساة سجن دقريس ليست حادثة عابرة يمكن تجاوزها ببيان أو نفي أو تبرير بل جرح جديد في جسد السودان النازف. المطلوب اليوم ليس فقط الكشف عن مصير المفقودين بل فتح تحقيق شفاف ومحاسبة كل من يثبت تورطه في هذه الانتهاكات لأن صمت العالم على موت المعتقلين خلف الأسوار لن يوقف المأساة بل سيمنحها فرصة للتكرار في أماكن أخرى. فالدول تُقاس بقدرتها على حماية الإنسان أما الحروب التي تبتلع المدنيين في السجون فليست سوى شهادة إدانة أخلاقية وسياسية بحق كل من يسمح باستمرارها.

زر الذهاب إلى الأعلى