فريق شرطة (حقوقي) د. الطيب عبدالجليل حسين يكتب استراتيجية التقاضي الدولي في ملف حرب السودان 15 أبريل 2023م (7)

(جمع وتحليل الأدلة وتحويلها إلى سردية قانونية متماسكة قابلة للإثبات وطنياً ودولياً)
تخلص سلسلة المقالات عن إدارة الأدلة الجنائية، إلى أن الإشكالية المركزية التي أثارها التسجيل الصوتي المنسوب للبروفيسور/ عقيل سوار الذهب لا تتعلق في جوهرها بملف الجثامين مجهولة الهوية أو المشارح فحسب، وإنما تمتد إلى سؤال أعمق يتعلق بكيفية إنتاج الحقيقة القانونية في الدولة الحديثة. فالمسألة ليست مجرد وجود وقائع أو روايات أو حتى مؤشرات مادية على وقوع أحداث معينة، وإنما تتعلق بمدى قدرة منظومة العدالة على تحويل تلك الوقائع إلى أدلة مشروعة وموثوقة وقابلة للإثبات القضائي.
ومن هذا المنظور، فإن إدارة الأدلة تمثل الحلقة المفصلية التي تربط بين الحقيقة الواقعية والحقيقة القضائية، سواء في الجرائم الجسيمة والانتهاكات واسعة النطاق، أو في منازعات الأحوال الشخصية وإثبات النسب والهوية. وقد أظهرت تطبيقات البصمة الوراثية (DNA) أن قيمة الدليل لا تكمن فقط في دقته العلمية، وإنما في سلامة سلسلة إنتاجه منذ لحظة جمعه وحتى تقديمه أمام القضاء، بما يشمل إجراءات التوثيق والحفظ وسلسلة الحيازة والفحص والتحليل والتفسير.
كما بينت المقالات، أن حجية الدليل العلمي لا تُفهم بمعزل عن البيئة القانونية والفقهية والدستورية التي يعمل داخلها، وأن الوصول إلى الحقيقة القضائية يظل نتاجاً لتفاعل معقد بين العلم والقانون والضمانات الإجرائية. فالبصمة الوراثية، مهما بلغت درجة دقتها، تظل جزءاً من منظومة إثبات أوسع تخضع في النهاية لرقابة القضاء ولمقتضيات العدالة وسيادة القانون.
وانطلاقاً من ذلك، يصبح من الضروري الانتقال إلى مستوى أكثر تخصصاً في دراسة دور الطب الشرعي والطب العدلي داخل منظومة إدارة الأدلة، ليس فقط باعتباره جهة فنية تقدم تقارير خبرة، وإنما باعتباره فاعلاً محورياً في إعادة بناء الوقائع الجنائية وإنتاج الدليل العلمي. وهنا تبرز جملة من القضايا الأساسية التي تكتسب أهمية خاصة في السياق السوداني، وفي مقدمتها: حجية شهادة الطب الشرعي، ومنهجية إعادة بناء الوقائع من خلال الأدلة المادية والبيولوجية، وسلامة سلسلة الحيازة، وإدارة الجثامين مجهولة الهوية، وآليات المطابقة الجينية وإثبات الهوية، ودور هذه الأدوات في معالجة ملفات المفقودين والضحايا والانتهاكات الجماعية، وفقاً للمعايير الوطنية والدولية للإثبات والتحقيق الجنائي.
وعليه في هذه المقالة، نحاول تناول الطب الشرعي بوصفه أحد أهم منتجي الدليل في العدالة المعاصرة، من خلال دراسة وتتبع علاقته بإدارة مسرح الجريمة، وإعادة بناء الوقائع، وتوثيق الجثامين، وإدارة الأدلة البيولوجية، والمطابقة الجينية، وصولاً إلى بناء الحقيقة القضائية القادرة على الصمود أمام معايير الإثبات الوطنية والدولية، بعيداً عن السرديات المتنافسة، وفي إطار من الحياد العلمي والضمانات القانونية الواجبة.
(رابعاً) من إدارة الأدلة إلى إدارة الهوية وإعادة بناء الوقائع:
———————————-
لا يقتصر العمل القانوني المعاصر، لاسيما في سياق النزاعات المسلحة والأزمات الوطنية الكبرى والانتهاكات واسعة النطاق لحقوق الإنسان، على مجرد جمع الأدلة وحفظها وتوثيقها وفق القواعد الفنية والإجرائية الحاكمة لسلامة الإثبات، بل يتجاوز ذلك إلى مستوى أكثر تعقيدًا وأهمية يتمثل في إدارة المعرفة القانونية المستمدة من تلك الأدلة وتحويلها إلى منظومة تحليلية متكاملة قادرة على إنتاج الحقيقة القانونية بصورة منهجية ومنضبطة. فالأدلة في حد ذاتها لا تنطق بالحقيقة تلقائيًا، وإنما تكتسب قيمتها من خلال عمليات الفحص والتحليل والربط والاستنتاج التي تُعيد ترتيب عناصرها داخل إطار تفسيري متماسك يكشف العلاقات بين الوقائع والأشخاص والسياقات الزمنية والمكانية والمؤسسية المرتبطة بها. ومن ثم، فإن الغاية النهائية لعملية التوثيق لا تتمثل في مجرد حفظ المعلومات أو تأمينها، وإنما في بناء سردية قانونية مؤسسة على الوقائع المثبتة وقابلة للاختبار والتحقق والمراجعة القضائية، بما يجعلها صالحة للاعتماد أمام جهات التحقيق والمحاكم الوطنية والدولية وآليات المساءلة المختلفة. وفي هذا المعنى، ينتقل العمل القانوني من مرحلة إدارة الأدلة بوصفها مواد أولية للإثبات إلى مرحلة إنتاج المعرفة القانونية التي تمكّن من إعادة بناء الأحداث وتحديد المسئوليات وإثبات الصلات السببية بين الأفعال والنتائج، بما يسهم في تحقيق العدالة وكشف الحقيقة وترسيخ سيادة القانون في مواجهة السرديات السياسية أو الإعلامية المتنافسة.
في الفهم التقليدي لقواعد الإثبات للوقائع والادعاءات، انصرفت وظيفة إدارة الأدلة أساسًا إلى جمع الدليل وحفظه وتوثيقه وتأمينه وفق الضوابط الفنية والإجرائية المقررة، مع التركيز على ضمان سلامة سلسلة الحيازة (Chain of Custody) بوصفها إحدى الركائز الجوهرية لقبول الدليل وحمايته من شبهة العبث أو التلاعب أو الانقطاع الذي قد يؤثر في حجيته القانونية. وكان يُنظر إلى نجاح عملية التحقيق، في هذا الإطار، من خلال القدرة على إثبات وقوع واقعة محددة وربطها بشخص معين على نحو يفي بالحد الأدنى من متطلبات المسئولية القانونية. إلا أن التطورات التي شهدها القانون الدولي الجنائي والقانون الدولي لحقوق الإنسان، وما أفرزته النزاعات المسلحة الحديثة من جرائم جماعية وانتهاكات واسعة النطاق ومعقدة البنية، كشفت حدود هذا التصور التقليدي، وأظهرت أن تحقيق العدالة لا يتوقف عند مجرد إثبات وقوع الفعل غير المشروع أو تحديد مرتكبه المباشر، بل يتطلب القدرة على تفسير الوقائع ضمن إطار شامل يكشف أنماط الانتهاكات، ويعيد بناء تسلسل الأحداث، ويبين العلاقات السببية بين الأفعال والنتائج، ويضع الوقائع في سياقاتها السياسية والعسكرية والإدارية والمؤسسية التي نشأت فيها.
ومن هذا المنطلق، برز مفهوم إدارة الهوية بوصفه امتدادًا طبيعيًا ومتقدمًا لإدارة الأدلة، وركيزة أساسية من ركائز العدالة المعاصرة في النزاعات المسلحة وحالات الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. فالإشكالية القانونية لم تعد تقتصر على إثبات وقوع الانتهاك في ذاته، وإنما امتدت لتشمل إثبات هوية الضحايا والجناة والمفقودين، والكشف عن مصير المختفين قسرًا، والتعرف على المقابر الجماعية والجثامين مجهولة الهوية، وربط الأشخاص بالأحداث والوقائع محل التحقيق. وبهذا المعنى، أصبحت الهوية ذاتها موضوعًا للإثبات، وأحد أهم عناصر بناء الحقيقة القانونية في المجتمعات الخارجة من النزاعات أو الساعية إلى إرساء أسس العدالة الانتقالية والمساءلة.
وقد أدى هذا التطور إلى نشوء حقل معرفي متعدد التخصصات تتداخل فيه العلوم القانونية مع العلوم الطبية والبيولوجية والتقنية والاجتماعية ضمن منظومة متكاملة لإنتاج الحقيقة القانونية وإعادة بناء الوقائع على أسس علمية قابلة للتحقق والإثبات. فالتحديات التي تطرحها الجرائم الدولية والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان لم تعد تسمح بالاعتماد على أدوات التحقيق التقليدية وحدها، بل فرضت الانتقال إلى نماذج أكثر تعقيدًا تقوم على التكامل بين مختلف الحقول المعرفية من أجل الوصول إلى فهم شامل للوقائع وتحديد المسئوليات الفردية والمؤسسية المرتبطة بها.
وفي هذا السياق، يبرز الطب الشرعي أو الطب العدلي (Forensic Medicine) بوصفه أحد أهم الأدوات العلمية المساندة للعدالة الجنائية. ويُعرَّف بأنه فرع من فروع العلوم الطبية يُعنى بتطبيق المعارف والخبرات الطبية والبيولوجية في خدمة العدالة من خلال فحص الأشخاص الأحياء والجثامين، وتحديد أسباب الوفاة وطبيعتها وزمانها، وتوصيف الإصابات وآليات حدوثها، وتقديم الرأي الفني المتخصص بشأن المسائل الطبية ذات الأهمية القانونية والقضائية. ويُعد الطب الشرعي حلقة الوصل الأساسية بين العلوم الطبية ومنظومة العدالة، إذ لا تقتصر وظيفته على تحديد أسباب الوفاة أو وصف الإصابات، وإنما تمتد إلى إعادة بناء الوقائع وربط النتائج المادية بالسلوك الإجرامي محل التحقيق، بما يوفر للمحققين والقضاة أدلة علمية موضوعية تسهم في تفسير الأحداث وتحديد الصلات السببية بين الأفعال ونتائجها.
وإلى جانب الطب الشرعي، تؤدي الأنثروبولوجيا الجنائية (Forensic Anthropology) دورًا محوريًا في منظومة الإثبات المعاصرة. وهي أحد فروع الأنثروبولوجيا البيولوجية المتخصصة في تطبيق الأساليب العلمية لدراسة وتحليل البقايا البشرية لأغراض قانونية وقضائية. وتركز على فحص الهياكل العظمية والرفات البشرية لتحديد الخصائص البيولوجية للأفراد، مثل العمر والجنس والطول والأصل السكاني والخصائص التشريحية المميزة، فضلاً عن تحليل آثار الإصابات أو ظروف الوفاة. وتكتسب هذه التخصصات أهمية استثنائية في حالات المقابر الجماعية والكوارث الجماعية والنزاعات المسلحة وحالات الإخفاء القسري، حيث تسهم في تحديد هوية الضحايا وإعادة ربط الرفات البشرية بأصحابها ضمن إطار علمي معتمد قضائيًا. ومن ثم، فإن دورها يتجاوز البعد الفني البحت ليصبح جزءًا من عملية استعادة الهوية الإنسانية والقانونية للضحايا وإعادة إدماجهم في منظومة العدالة والذاكرة الوطنية.
كما أسهمت العلوم البيولوجية الحديثة، وعلى رأسها تقنيات تحليل الحمض النووي (DNA Analysis) والبصمة الوراثية DNA fingerprinting أو DNA profiling، في إحداث تحول نوعي في فلسفة الإثبات الجنائي. فقد أتاحت هذه التقنيات إمكانات غير مسبوقة في تحديد الهوية البشرية وربط الأشخاص بالأدلة المادية والوقائع محل التحقيق بدرجات عالية من اليقين العلمي. وأصبحت نتائج التحليل الجيني تمثل في العديد من القضايا المعاصرة أحد أكثر الأدلة قوة وموثوقية، سواء في التعرف على الضحايا والمفقودين أو في إثبات الصلات بين الأشخاص ومسرح الجريمة أو بين الجثامين وذويها، الأمر الذي جعلها ركيزة أساسية في التحقيقات المتعلقة بالجرائم الجماعية والانتهاكات واسعة النطاق.
وبالتوازي مع هذا التطور، أضافت الأدلة الرقمية أو العلوم الجنائية الرقمية (Digital Forensics) بُعدًا جديدًا للتحقيقات الحديثة. ويُقصد بها الحقل العلمي والتقني المتخصص في جمع البيانات الرقمية وحفظها وتحليلها واستخراجها وتقديمها بطريقة تحافظ على سلامتها وقابليتها للاعتماد القضائي. ويشمل ذلك البيانات المستخرجة من أجهزة الحاسوب والهواتف الذكية والخوادم الإلكترونية وشبكات الاتصالات ومنصات التواصل الاجتماعي وأنظمة تحديد المواقع والكاميرات الرقمية وغيرها من الوسائط الإلكترونية. ويهدف هذا المجال إلى اكتشاف المعلومات ذات الصلة بالتحقيقات والتحقق من صحتها ومصدرها وإعادة بناء الأنشطة والأحداث الرقمية المرتبطة بالواقعة محل التحقيق. وقد أصبحت الأدلة الرقمية في النزاعات المعاصرة مصدرًا رئيسيًا لتوثيق الانتهاكات، حيث تتيح تحليل الصور ومقاطع الفيديو والاتصالات الإلكترونية وبيانات المواقع الجغرافية والمحتوى المنشور عبر المنصات الرقمية، بما يسمح بالتحقق من الوقائع وربطها بالأشخاص والأماكن والأزمنة ذات الصلة.
وفي السياق ذاته، برزت أهمية تحليل البيانات الضخمة (Big Data Analytics) باعتباره أحد أهم الأدوات المعاصرة في إدارة التحقيقات المعقدة. ويُقصد به مجموعة المنهجيات والأساليب الإحصائية والحاسوبية المتقدمة المستخدمة في معالجة وتحليل كميات هائلة ومتنوعة وسريعة التدفق من البيانات التي تتجاوز قدرات أدوات التحليل التقليدية. ويعتمد هذا المجال – تحليل البيانات الضخمة – على الخوارزميات المتقدمة وتقنيات التعلم الآلي (Machine Learning) والذكاء الاصطناعي (Artificial Intelligence) والنمذجة الإحصائية (Statistical Modeling) لاستخراج الأنماط والعلاقات والاتجاهات الكامنة داخل مجموعات البيانات المعقدة. وفي المجال القانوني والتحقيقي، يُستخدم تحليل البيانات الضخمة في كشف أنماط وأشكال الانتهاكات وتتبع الروابط بين الأحداث والأشخاص والأماكن وتحليل البيانات المستمدة وتلك المتحصل عليها من المصادر المفتوحة (Open Sources) والاتصالات والوثائق الرقمية (Digital Communications and Documents، بما يساعد على إعادة بناء الوقائع وتحديد المسئوليات بصورة أكثر دقة وشمولًا. كما تتيح هذه الأدوات كشف البنى التنظيمية للانتهاكات ورصد التكرارات المنهجية للأفعال الإجرامية واستخلاص العلاقات الخفية التي قد لا تكون ظاهرة من خلال فحص الأدلة المنفردة.
ومن ثم، لم يعُد التعامل مع الأدلة في التحقيقات المعاصرة قائمًا على تقييم كل دليل بمعزل عن غيره، وإنما أصبح يعتمد على بناء شبكة مترابطة من المعلومات والقرائن والمؤشرات التي تتعاضد فيما بينها لإنتاج صورة كلية متماسكة للحدث محل التحقيق. فالأدلة الطبية والبيولوجية والأنثروبولوجية والرقمية والإحصائية لا تعمل بوصفها مسارات مستقلة، وإنما بوصفها أجزاء متكاملة داخل منظومة واحدة لإنتاج الحقيقة القانونية.
وعليه، فإن العلاقة بين هذه التخصصات ليست علاقة تجاور معرفي، وإنما علاقة تكامل وظيفي ومنهجي. فالطب الشرعي يحدد طبيعة الوفاة أو الإصابة وظروفها، والأنثروبولوجيا الجنائية تساعد في تحديد هوية الضحايا والتعامل مع الرفات البشرية، وتقنيات الحمض النووي تؤكد الروابط البيولوجية وتوفر مستويات عالية من اليقين في التعرف على الأشخاص، والأدلة الرقمية توثق الأحداث والاتصالات والأنشطة المرتبطة بالواقعة، بينما يتولى تحليل البيانات الضخمة ربط هذه المعطيات المختلفة واستخلاص الأنماط والعلاقات الكامنة بينها. ومن خلال هذا التكامل، تنتقل عملية التحقيق من مجرد جمع الأدلة وحفظها إلى إعادة بناء الوقائع وإدارة الهوية وإنتاج سردية قانونية متماسكة وقابلة للاختبار والإثبات أمام جهات التحقيق والمحاكم الوطنية والدولية.
وبذلك، فإن القيمة الحقيقية لهذه التخصصات لا تكمن فقط في قدرتها على إنتاج أدلة منفردة ذات حجية قانونية، وإنما في قدرتها الجماعية على تحويل البيانات والمعلومات المتفرقة إلى معرفة قانونية منظمة، وإعادة تركيب المشهد الواقعي محل النزاع بصورة تمكن من كشف الحقيقة وتحديد المسئوليات وترسيخ أسس المساءلة والعدالة. وهذا التحول يعكس أحد أهم التطورات التي شهدتها فلسفة الإثبات المعاصرة، حيث لم يعُد الهدف مجرد إثبات أن واقعة (ما) قد حدثت، بل إعادة بناء الحقيقة القانونية والإنسانية بكامل عناصرها وسياقاتها، بما يجعلها قادرة على الصمود أمام معايير التدقيق القضائي الوطني والدولي وخدمة أهداف العدالة الانتقالية وسيادة القانون وحماية الذاكرة الجماعية للمجتمعات الخارجة من النزاعات.
وفي ضوء هذه التحولات، لم يعد الهدف النهائي من إدارة الأدلة مجرد الاحتفاظ بالدليل أو ضمان قابليته للاستخدام القضائي، وإنما أصبح يتمثل في استعادة الشخص ذاته من خلال الدليل، وإعادة وصل الاسم بالجثمان، والهوية بالقصة الإنسانية، والضحية بمركزها القانوني الذي يتيح لها أو لذويها المطالبة بالحقيقة والعدالة والإنصاف وجبر الضرر. فعملية تحديد الهوية، لم تعد مسألة فنية أو إجرائية فحسب، بل أصبحت فعلًا قانونيًا وأخلاقيًا وسياسيًا يعيد الاعتراف بالإنسان بوصفه صاحب حق، ويمنحه موقعه داخل منظومة العدالة والذاكرة الوطنية.
ومن منظور فقهي ودستوري وسياسي، يعكس هذا التطور الجذري في الاثبات انتقالًا عميقًا في فلسفة الإثبات من التركيز على الدليل بوصفه غاية في ذاته إلى النظر إليه باعتباره وسيلة لإنتاج الحقيقة القانونية وإعادة بناء الواقع محل النزاع. فالأدلة لم تعد مجرد عناصر إثبات منفصلة، وإنما أصبحت مكونات أساسية في عملية أشمل تهدف إلى إعادة بناء الوقائع، وتحديد الهويات، وتفسير السياقات، وصياغة سردية قانونية متماسكة وقابلة للاختبار القضائي أمام المحاكم الوطنية والدولية. وبهذا المعنى، تنتقل العدالة من مجرد إدارة الأدلة إلى إدارة الحقيقة ذاتها، بما يعزز قدرتها على مواجهة تحديات النزاعات المعاصرة، وترسيخ المساءلة، وحماية الحقوق، وصون الذاكرة الجماعية على أسس من الوقائع المثبتة وسيادة القانون.
وتكتسب إدارة الهوية أهمية استثنائية في المجتمعات الخارجة من النزاعات والحروب الأهلية، حيث تتحول مسألة تحديد الهوية إلى ركيزة أساسية من ركائز العدالة الانتقالية. فالمجتمع الذي يعجز عن معرفة مصير مفقوديه أو التعرف على ضحاياه يظل أسيراً لحالة من الغموض التاريخي والقلق الاجتماعي والانقسام السياسي. ولذلك، فإن إعادة بناء الهوية لا تمثل فقط إجراءً فنياً أو جنائياً، بل تؤدي وظيفة دستورية وسياسية وأخلاقية تتمثل في الاعتراف الرسمي بالضحايا وإعادة دمجهم في الذاكرة الوطنية وإعادة الاعتبار لحقوقهم القانونية والإنسانية.
وإذا كانت إدارة الهوية تعنى بالإجابة عن سؤال (من هو الشخص؟) فإن المرحلة التالية تتمثل في إعادة بناء الوقائع التي تسعى إلى الإجابة عن أسئلة أكثر تعقيداً: ماذا حدث؟ وكيف حدث؟ ومتى حدث؟ ومن المسئول عنه؟ وما السياق الذي أدى إليه؟ فإعادة بناء الوقائع ليست مجرد تجميع للأدلة أو تلخيص للمعلومات، وإنما عملية تحليلية مركبة تهدف إلى تحويل البيانات الأولية إلى سردية قانونية متماسكة تستند إلى منطق الإثبات ومعايير الترجيح والاستدلال المقبولة قضائياً.
وفي هذا الإطار، أصبحت التحقيقات الحديثة تعتمد على منهجيات متعددة التخصصات تجمع بين الأدلة المادية والشهادات البشرية والصور الفضائية والبيانات الرقمية وتحليل الاتصالات والمصادر المفتوحة وتقنيات الذكاء الاصطناعي، بحيث يتم دمج هذه العناصر المختلفة في نموذج تفسيري واحد يعيد إنتاج الحدث محل التحقيق بصورة أقرب ما تكون إلى الواقع. وهذا التحول يعكس انتقالاً من مفهوم الدليل المنفرد إلى مفهوم منظومة الأدلة المتكاملة التي تستمد قوتها من تلاقي مصادر متعددة تؤكد بعضها بعضاً وتسد ما قد يعتري أي دليل منفرد من قصور أو نقص.
ومن الناحية الفقهية، فإن إعادة بناء الوقائع تمثل جوهر العملية القضائية ذاتها، لأن القاضي لا يتعامل مع الواقعة كما حدثت في الواقع التاريخي المباشر، وإنما مع صورة ذهنية وقانونية للواقعة يتم إنتاجها من خلال الأدلة المعروضة أمامه. ولذلك، فإن جودة العدالة ترتبط إلى حد كبير بجودة السردية القانونية المقدمة للمحكمة. فكلما كانت الأدلة مترابطة ومنظمة وقادرة على تفسير الوقائع ضمن إطار منطقي متسق، ازدادت قدرة المحكمة على الوصول إلى قناعة قضائية راسخة تستند إلى أسس موضوعية يمكن الدفاع عنها قانوناً.
أما من المنظور الدستوري، فإن هذه العملية – بناء الوقائع – تمثل أحد أهم ضمانات الحق في المحاكمة العادلة. فإثبات الوقائع بصورة دقيقة وموضوعية لا يحمي فقط حقوق الضحايا، وإنما يحمي كذلك حقوق المتهمين من مخاطر الإدانة على أساس روايات غير مكتملة أو استنتاجات غير مدعومة بالأدلة الكافية. ولهذا فإن الدولة الدستورية الحديثة لا تكتفي بإنشاء أجهزة للتحقيق وجمع الأدلة، بل تعمل على بناء مؤسسات متخصصة لإدارة المعرفة الجنائية والقانونية قادرة على إنتاج روايات تستند إلى معايير الشفافية والحياد والكفاءة المهنية.
ومن الناحية السياسية، تكتسب هذه المسألة – إدارة الأدلة وإدارة الهوية وبناء الوقائع – بعداً إضافياً في المجتمعات المنقسمة أو الخارجة من النزاعات المسلحة، حيث تتنافس الروايات السياسية والإعلامية حول تفسير الأحداث وتحديد المسئوليات. ففي مثل هذه البيئات تصبح إدارة الأدلة وإدارة الهوية وإعادة بناء الوقائع أدوات استراتيجية في الصراع على الذاكرة العامة وعلى تعريف الحقيقة ذاتها. ولذلك، فإن نجاح الدولة في إنتاج سردية قانونية تستند إلى الأدلة لا يمثل فقط انتصاراً للعدالة القضائية، بل يمثل أيضاً انتصاراً للدولة القانونية على سرديات الروايات المتضاربة التي قد تؤدي إلى استمرار النزاع أو إعادة إنتاجه في صور جديدة.
ومن هنا، يمكن القول، إن التطور المعاصر في فلسفة الإثبات، لم يعُد ينظر إلى الأدلة باعتبارها غاية في ذاتها، وإنما باعتبارها نقطة البداية في مسار أوسع يبدأ بجمع المعلومات، ويمر بتحليلها وتدقيقها والتحقق من هويات الأطراف المرتبطة بها، ثم ينتهي بإعادة بناء الوقائع وصياغتها في شكل سردية قانونية متماسكة وقابلة للاختبار القضائي. فالقيمة الحقيقية للدليل، لا تكمن في وجوده المادي فقط، وإنما في قدرته على المساهمة في بناء قصة قانونية مكتملة الأركان، تستطيع الصمود أمام الفحص القضائي، وإقناع المحكمة، وتوفير أساس مشروع للمساءلة والإنصاف وجبر الضرر.
وعليه، فإن الانتقال من إدارة الأدلة إلى إدارة الهوية وإعادة بناء الوقائع يعبر عن تطور عميق في مفهوم العدالة المعاصرة؛ إذ لم يعد المطلوب مجرد حفظ الأدلة، بل بناء الحقيقة القانونية ذاتها. وهي حقيقة لا تتشكل من دليل واحد أو شهادة منفردة، وإنما من شبكة مترابطة من الأدلة والهويات والسياقات والقرائن التي تتكامل فيما بينها لتنتج سردية قانونية راسخة، تكون قادرة على خدمة أهداف العدالة الوطنية والدولية، ودعم مسارات المساءلة، والمساهمة في إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وترسيخ الذاكرة القانونية والتاريخية للأمة على أسس من الحقيقة والإثبات وسيادة القانون. وللحديث بقية.
فريق شرطة (حقوقي)
د. الطيب عبدالجليل حسين محمود
المحامي استشاري القانون والموثق
25 يونيو 2016م


