فريق شرطة (حقوقي ) د. الطيب عبدالجليل حسين يكتب استراتيجية التقاضي الدولي في ملف حرب السودان 15 أبريل 2023م (9) (جمع وتحليل الأدلة وتحويلها إلى سردية قانونية متماسكة قابلة للإثبات وطنياً ودولياً)

إحالة لما سبق من مقالات، إذا كانت شهادة الطب الشرعي وإعادة بناء الوقائع تمثلان إحدى الأدوات الرئيسة في إنتاج الحقيقة القانونية من خلال تفسير الأدلة وربطها بالسياقات والأحداث محل التحقيق، فإن اكتمال هذه الحقيقة لا يتوقف على محتوى الدليل العلمي وحده، وإنما يمتد إلى سلامة المسار الإجرائي الذي أنتج ذلك الدليل وحافظ على حجيته وقيمته الإثباتية. فالأدلة، مهما بلغت دقتها العلمية، تفقد كثيرًا من قيمتها القانونية إذا تعذر إثبات سلامة جمعها وحفظها ونقلها وتحليلها وفق الضوابط المقررة. ومن هنا تبرز أهمية سلسلة الحيازة (Chain of Custody) بوصفها الضمانة الأساسية لاستمرار اتصال الدليل بمصدره وحمايته من شبهة العبث أو التبديل أو الانقطاع.
كما أن إعادة بناء الوقائع في القضايا الجماعية والانتهاكات واسعة النطاق، تثير إشكاليات أكثر تعقيدًا تتصل بإدارة الجثامين مجهولة الهوية والمفقودين والمختفين قسرًا، حيث لا يقتصر الهدف على تحديد أسباب الوفاة أو توصيف الإصابات، وإنما يمتد إلى إعادة ربط الرفات البشرية بأصحابها وإثبات هوياتهم وصون حقوق أسرهم في معرفة الحقيقة. وفي هذا الإطار تكتسب إدارة الجثامين مجهولة الهوية أهمية استثنائية باعتبارها نقطة الالتقاء بين الاعتبارات الطبية والإنسانية والقانونية، بينما تمثل المطابقة الجينية والبصمة الوراثية (DNA Profiling) إحدى أكثر الوسائل العلمية تطورًا ودقة في التعرف على الهويات وإثبات النسب وربط الضحايا بالأحداث محل التحقيق.
ومن ثم، فإن الانتقال إلى تناول الحديث عن سلسلة الحيازة، وإدارة الجثامين مجهولة الهوية، والمطابقة الجينية، وإثبات الهوية لا يمثل خروجًا عن موضوع شهادة الطب الشرعي وإعادة بناء الوقائع، وإنما يمثل استكمالًا طبيعيًا له. فهذه الموضوعات تشكل حلقات متتابعة داخل منظومة واحدة غايتها النهائية تحويل الأدلة والرفات والبيانات والآثار المادية المتناثرة إلى حقيقة قانونية متماسكة، قادرة على الصمود أمام معايير الإثبات الوطنية والدولية، وتأسيس المساءلة والإنصاف وجبر الضرر على أسس علمية وقانونية راسخة.
وبذلك تنتقل منظومة العدالة من مجرد إثبات وقوع الانتهاك إلى إثبات هوية الضحية، ومن توثيق الحدث إلى إعادة بناء الحقيقة الكاملة المرتبطة به، وهو ما يمثل أحد أهم ملامح التطور المعاصر في فلسفة الإثبات والتحقيقات الجنائية الدولية.
(خامساً): سلسلة الحيازة وإدارة الجثامين مجهولة الهوية:
———————————
في سياق تحليل الإفادات الواردة في التسجيل الصوتي المنسوب للبروفيسور/ عقيل سوار الذهب، تبرز مسألة سلسلة الحيازة (Chain of Custody) وإدارة الجثامين مجهولة الهوية باعتبارها من أكثر المسائل حساسية وأهمية في منظومة الإثبات الجنائي المعاصر، لاسيما في القضايا المرتبطة بالنزاعات المسلحة والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والأحداث الجماعية واسعة النطاق. فالقيمة القانونية لأي دليل لا تتوقف على وجوده المادي أو دقته العلمية فحسب، وإنما تعتمد كذلك على سلامة المسار الإجرائي الذي رافق جمعه وحفظه ونقله وفحصه وتوثيقه وتقديمه أمام جهات التحقيق والقضاء. ولذلك، فإن السؤال القانوني لا يقتصر على معرفة (ماذا يثبت الدليل؟)، وإنما يمتد إلى التساؤل عن (كيفية إنتاج الدليل والمحافظة عليه) منذ لحظة العثور عليه وحتى لحظة تقديمه أمام المحكمة.
ومن هذا المنطلق، تُعرَّف سلسلة الحيازة بأنها النظام الإجرائي الذي يضمن التوثيق المستمر والمتصل لكل مرحلة يمر بها الدليل، مع تحديد الأشخاص الذين تعاملوا معه، والجهات التي تسلمته، والإجراءات التي اتُخذت بشأنه، والأماكن التي حُفظ فيها، بما يكفل إثبات أصالته وسلامته وعدم تعرضه للتلاعب أو التبديل أو الإتلاف. وتمثل سلسلة الحيازة، في جوهرها، الجسر الذي يربط بين القيمة العلمية للدليل وقيمته القانونية، إذ لا يكفي أن يكون الدليل صحيحًا من الناحية الفنية إذا تعذر إثبات سلامة الإجراءات التي أحاطت به.
وفي هذا الإطار، تكتسب الإفادة الواردة في التسجيل الصوتي للبروفيسور/ عقيل سوارالدهب أهمية خاصة، إذ يقرر المتحدث البروفيسور/ عقيل أن الجثامين الخمس مجهولة الهوية لم تُدفن بصورة عشوائية أو خارج الأطر القانونية، وإنما خضعت لسلسلة متكاملة من الإجراءات العدلية والفنية قبل الدفن، شملت التشريح الطبي، وإخطار النيابة العامة، وإشراف القضاء، ومشاركة الأدلة الجنائية، وأخذ عينات الحمض النووي، وإدخال البيانات في قواعد المعلومات، وتصوير الجثامين، وحفظ المتعلقات الشخصية، والاحتفاظ بالملابس باعتبارها معروضات جنائية، وترقيم الجثامين، وترقيم القبور، وتوثيق مواقع الدفن. وهذه الإفادات، إذا ثبتت صحتها من خلال السجلات والوثائق الرسمية، لا تمثل مجرد تفاصيل إدارية أو فنية، وإنما تشكل في مجموعها وصفًا لمنظومة متكاملة تهدف إلى المحافظة على إمكانية التعرف على هوية الضحايا مستقبلاً، وضمان استمرار القيمة الإثباتية للأدلة المرتبطة بهم.
ومن الناحية العلمية، فإن أهمية هذه الإجراءات تكمن في أنها تمنع انقطاع الصلة بين الجثمان والمعلومات المرتبطة به. فالتشريح الطبي يوثق الحالة البيولوجية وأسباب الوفاة، والتصوير الجنائي يحفظ الخصائص الظاهرية والسمات المميزة، وأخذ عينات الحمض النووي يتيح إمكانية التحقق من الهوية لاحقًا، بينما يضمن حفظ المتعلقات الشخصية والملابس بقاء الأدلة المادية المرتبطة بالشخص أو بظروف الوفاة. أما ترقيم الجثامين والقبور وتوثيق مواقع الدفن، فيمثل الضمانة الأساسية لإمكانية العودة إلى الجثمان أو استخراج الرفات عند الضرورة وإعادة فحصها أو إخضاعها لاختبارات علمية جديدة كلما تطورت وسائل التحقيق أو ظهرت معلومات إضافية.
ومن منظور التحقيقات الدولية الحديثة، لا تُعد إدارة الجثامين مجهولة الهوية مسألة إدارية أو صحية فحسب، وإنما تُعد جزءًا أصيلًا من منظومة حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية. فالجثمان مجهول الهوية لا يمثل مجرد بقايا بشرية غير معروفة، بل يمثل شخصًا له مركز قانوني وحقوق قائمة، كما تمثل هويته المفقودة حقًا قانونيًا وإنسانيًا لأسرته ومجتمعه والدولة ذاتها. ولذلك أصبحت القواعد الدولية الحديثة تنظر إلى إدارة الجثامين مجهولة الهوية باعتبارها جزءًا من الحق في معرفة الحقيقة، والحق في الكرامة الإنسانية، والحق في الإنصاف وجبر الضرر.
وفي هذا السياق، أكدت التجارب الدولية في البوسنة والهرسك، ورواندا، وكوسوفو، والعراق، وتشيلي، والأرجنتين وغيرها من الدول التي شهدت نزاعات أو انتهاكات جماعية، أن سوء إدارة الجثامين أو فقدان سجلاتها أو دفنها دون توثيق دقيق يؤدي إلى ضياع فرص إثبات الهوية لعقود طويلة، ويعرقل جهود العدالة والمساءلة، ويحول دون تمكين الأسر من معرفة مصير ذويها. وعلى النقيض من ذلك، فإن الالتزام الصارم بإجراءات سلسلة الحيازة والتوثيق العلمي يتيح إعادة فتح الملفات لاحقًا والاستفادة من التطورات العلمية، ولا سيما في مجال التحليل الجيني، لإعادة تحديد الهويات حتى بعد مرور سنوات أو عقود على الوفاة أو الدفن.
ومن المنظور الفقهي، تعكس هذه الإجراءات تحولًا مهمًا في مفهوم الدليل الجنائي. فالقيمة الإثباتية لم تعد تقتصر على النتائج النهائية التي يقدمها الخبير أو الطبيب الشرعي، وإنما أصبحت تمتد إلى سلامة المنظومة الإجرائية التي أنتجت تلك النتائج. فالدليل العلمي لا يكتسب حجيته من العلم وحده، وإنما من اقتران الدقة العلمية بالمشروعية الإجرائية. ولهذا السبب، فإن أي انقطاع في سلسلة الحيازة أو قصور في التوثيق قد يؤدي إلى إضعاف القوة القانونية للدليل، حتى وإن كانت نتائجه العلمية صحيحة في ذاتها.
أما من المنظور الدستوري، فإن إدارة الجثامين مجهولة الهوية ترتبط ارتباطًا مباشرًا بجملة من الحقوق والضمانات الأساسية، في مقدمتها الحق في الكرامة الإنسانية، والحق في الحياة، والحق في معرفة الحقيقة، والحق في التقاضي الفعال، وحق الأسر في معرفة مصير ذويها. فالدولة الدستورية لا يقتصر واجبها على التحقيق في أسباب الوفاة أو تحديد المسؤوليات الجنائية، وإنما يمتد إلى ضمان حفظ الأدلة المرتبطة بالضحايا وصيانة هوياتهم وتمكين ذويهم من الوصول إلى الحقيقة وفق إجراءات قانونية عادلة وشفافة.
كما تكتسب هذه المسألة بعدًا سياسيًا بالغ الأهمية في المجتمعات الخارجة من النزاعات المسلحة أو الأزمات الوطنية الكبرى. ففي مثل هذه البيئات، غالبًا ما تتحول أعداد الضحايا وهوياتهم وأماكن دفنهم إلى موضوع للنزاع السياسي والتجاذب الإعلامي والتوظيف الأيديولوجي. وهنا تبرز أهمية السجلات العدلية والطب الشرعي وسلسلة الحيازة باعتبارها أدوات موضوعية قادرة على نقل النقاش من مستوى السرديات المتنافسة إلى مستوى الوقائع القابلة للتحقق. فكلما كانت إجراءات التوثيق والحفظ أكثر دقة وشفافية، ازدادت قدرة المجتمع ومؤسسات العدالة على مقاومة التلاعب بالروايات أو توظيف الضحايا في الصراعات السياسية.
وعليه، فإن أهمية الإفادة المتعلقة بالجثامين الخمس مجهولة الهوية لا تكمن في عددها أو في واقعة دفنها فحسب، وإنما في الادعاء بأن هذه الجثامين خضعت لمنظومة متكاملة من الإجراءات العدلية والفنية قبل الدفن. فإذا ثبتت صحة هذه الإجراءات من خلال السجلات الرسمية وملفات التشريح وأوامر النيابة وتقارير الأدلة الجنائية، فإن ذلك لا يعزز فقط سلامة سلسلة الحيازة، وإنما يؤسس كذلك لإمكانية العودة إلى هذه الملفات مستقبلاً لأغراض إثبات الهوية والمطابقة الجينية وإعادة بناء الوقائع وتحديد المسئوليات القانونية. وبهذا المعنى، تصبح إدارة الجثامين مجهولة الهوية وسلسلة الحيازة جزءًا من منظومة أوسع لإنتاج الحقيقة القانونية، وحماية حقوق الضحايا وذويهم، وترسيخ أسس العدالة والمساءلة وسيادة القانون، بما يحول دون ضياع الأدلة أو اندثار الذاكرة القانونية والإنسانية للأحداث محل التحقيق.
(سادساً) المطابقة الجينية وإثبات الهوية:
————————————
إذا كانت شهادة الطب الشرعي، وسلسلة الحيازة، وإدارة الجثامين مجهولة الهوية، تمثل حلقات أساسية في منظومة جمع الأدلة وحفظها وتوثيقها وإعادة بناء الوقائع، فإن التطور الذي شهدته علوم الأدلة الجنائية الحديثة يكشف عن انتقال جوهري من إدارة الأدلة إلى استعادة الشخص القانوني، ومن الدليل البيولوجي إلى التحديد العلمي للهوية. فالمطابقة الجينية وإثبات الهوية، لا تمثلان مجرد مرحلة فنية تضاف إلى مراحل التحقيق، وإنما تجسدان الغاية النهائية التي تتجه إليها المنظومة بأكملها. إذ لا يقتصر الهدف على توثيق الوفاة أو حفظ الرفات أو تأمين الأدلة المرتبطة بها، بل يمتد إلى إعادة ربط الجثمان بصاحبه، والاسم بصاحبه، والأسرة بمفقودها، بما يسمح بإعادة بناء الحقيقة الإنسانية والقانونية في آنٍ واحد.
وفي هذا الإطار، تتحول العينات البيولوجية والآثار الوراثية، من مجرد معروضات أو أدلة مادية إلى وسائل علمية قادرة على استعادة الهوية القانونية للشخص وإعادته إلى دائرة الاعتراف القانوني والحماية الحقوقية. فالغرض من تحليل الحمض النووي لا يقف عند حدود التحقق من وجود تطابق وراثي، وإنما يتمثل في الوصول إلى تحديد علمي دقيق لهوية الفرد وربط تلك الهوية بسلسلة متكاملة من الحقوق والوقائع والالتزامات القانونية. وبمجرد إثبات الهوية، ينتقل الشخص من حالة الغياب أو المجهولية إلى مركز قانوني محدد يمكن من خلاله ربطه بسجلات المفقودين، وملفات التشريح، ووثائق الدفن، وبيانات الأدلة الجنائية، وسائر المعلومات المرتبطة بالواقعة محل التحقيق.
ومن ثم، فإن أهمية المطابقة الجينية لا تكمن فقط في قيمتها العلمية العالية بوصفها إحدى أكثر وسائل التعرف على الهوية دقة وموثوقية، وإنما في دورها في استكمال عملية إعادة بناء الوقائع ذاتها. فإثبات هوية الجثمان يتيح إعادة تركيب المشهد الواقعي بصورة أكثر اكتمالاً، ويُمكّن من ربط الأشخاص بالأحداث والوقائع والأدلة المرتبطة بها، بما يحول البيانات البيولوجية المتفرقة إلى حقيقة علمية قابلة للتحقق، ثم إلى حقيقة قانونية قابلة للإثبات أمام جهات التحقيق والمحاكم.
وبهذا المعنى، فإن مسار التحقيق لا ينتهي عند جمع الأدلة أو حفظها أو حتى تحليلها، وإنما يبلغ غايته عندما ينجح في الانتقال من إدارة الأدلة إلى استعادة الشخص القانوني، ومن الدليل البيولوجي إلى التحديد العلمي للهوية؛ أي عندما تتحول الآثار البيولوجية والرفات البشرية والبيانات الوراثية من مجرد موضوعات للفحص الفني إلى أدوات لإثبات الشخصية القانونية، وتمكين الأسر من معرفة مصير ذويها، وتوفير الأساس الموضوعي للمساءلة وجبر الضرر وإحقاق العدالة. ففي هذه المرحلة تلتقي العلوم البيولوجية والطب الشرعي والقانون في منظومة واحدة، هدفها النهائي ليس فقط إثبات الواقعة، وإنما استعادة الإنسان ذاته داخل دائرة الحقيقة والعدالة والحق.
وفي هذا السياق، يعرض التسجيل الصوتي للبروفيسور عقيل سوار الدهب مثالاً عملياً بالغ الدلالة يتعلق بحضور أسرة من مدينة الأبيض بحثاً عن أحد أبنائها المفقودين. ووفقاً للرواية الصوتية التسجيلية الواردة، تم أخذ عينات وراثية من الوالدين وإرسالها إلى إدارة الأدلة الجنائية في المباحث المركزية والتحقيقات الجنائية، حيث أُجريت الفحوص والتحاليل الجينية اللازمة، ثم تمت المطابقة بين العينات المرجعية المأخوذة من الأسرة والعينات البيولوجية المرتبطة بجثمان مجهول الهوية. وأسفرت هذه العملية عن إثبات وجود تطابق وراثي مكّن من تحديد هوية الجثمان وربطه بأسرته بصورة علمية وقانونية، الأمر الذي أتاح بعد ذلك تحديد موقع القبر الذي دُفن فيه وتمكين الأسرة من معرفة مصير ابنها المفقود. وتمثل هذه الواقعة نموذجاً تطبيقياً لكيفية انتقال التحقيق من مرحلة البحث عن دليل بيولوجي مجهول المصدر إلى مرحلة التحديد العلمي الدقيق للشخص محل البحث.
ومن الناحية العلمية، تُعد هذه الواقعة مثالاً عملياً لمنظومة التعرف على الهوية بواسطة الحمض النووي (DNA Identification)، والتي تمثل اليوم إحدى أكثر الوسائل العلمية دقة وموثوقية في مجال تحديد الهوية البشرية. ويستند هذا الأسلوب إلى حقيقة أن التركيب الجيني لكل إنسان يتضمن خصائص وراثية مميزة يمكن مقارنتها بعينات مرجعية مأخوذة من الأقارب البيولوجيين أو من قواعد البيانات الوراثية المعتمدة. ومن خلال تحليل مواضع جينية محددة ومقارنة احتمالات التطابق الإحصائي بين العينات، يمكن الوصول إلى درجات عالية للغاية من اليقين العلمي بشأن العلاقة البيولوجية بين الأشخاص أو بشأن هوية الجثمان محل الفحص. ولهذا السبب أصبحت البصمة الوراثية من أقوى وسائل الإثبات العلمي المعترف بها في الأنظمة القضائية الحديثة والمعاصرة.
ولا تقتصر أهمية المطابقة الجينية على كونها وسيلة للتعرف على الأفراد فحسب، وإنما تكمن كذلك في قدرتها على تجاوز القيود التي تواجه وسائل التعرف التقليدية. ففي حالات الكوارث الجماعية والنزاعات المسلحة والمقابر الجماعية والجثامين المتحللة أو المشوهة، قد تصبح وسائل التعرف البصري أو الاعتماد على المتعلقات الشخصية أو الشهادات المباشرة غير كافية أو غير ممكنة عملياً. وهنا تبرز تقنيات الحمض النووي باعتبارها أداة علمية قادرة على توفير مستوى مرتفع من الدقة والموثوقية حتى في الحالات التي تكون فيها البقايا البشرية قد تعرضت لعوامل بيئية أو زمنية معقدة، بما يسمح باستعادة الهوية بعد سنوات طويلة من الوفاة أو الدفن.
وفي إطار منهجية إعادة بناء الوقائع (Reconstruction of Events) التي تناولتها المحاور السابقة، لا تمثل المطابقة الجينية مجرد إجراء فني معزول، وإنما تشكل جزءاً من عملية أوسع لإنتاج الحقيقة القانونية. فالتعرف على هوية الجثمان لا يقتصر أثره على إثبات اسم الضحية، وإنما يترتب عليه إعادة ربط مجموعة واسعة من الأدلة والوقائع والحقوق القانونية بذلك الشخص. فبمجرد إثبات الهوية، يصبح بالإمكان ربط الجثمان بسجلات المفقودين، وملفات التشريح، وأوامر الدفن، وبيانات الأدلة الجنائية، وشهادات الشهود، وسائر المعلومات المرتبطة بالواقعة. ومن خلال هذا الربط، تتكامل المعطيات البيولوجية مع المعطيات الطبية والوثائقية والإجرائية لإنتاج صورة أكثر دقة واكتمالاً للواقعة محل التحقيق، بما يسمح بإعادة تركيب المشهد الواقعي وإعادة بناء السردية القانونية على أسس علمية قابلة للتحقق.
كما ترتبط القيمة العلمية للمطابقة الجينية ارتباطاً وثيقاً بسلامة الإجراءات التي تسبق عملية التحليل وتليها. فدقة نتائج الحمض النووي لا تعتمد فقط على كفاءة المختبر أو التقنية المستخدمة، وإنما تعتمد كذلك على سلامة جمع العينات البيولوجية وحفظها ونقلها وتحليلها وتوثيقها ضمن إطار سلسلة الحيازة(Chain of Custody) . ولذلك فإن الموثوقية العلمية للمطابقة الجينية تقوم على تكامل عنصرين متلازمين: (الأول) الدقة المختبرية من جهة، (ثانياً) سلامة الإجراءات التوثيقية والقانونية من جهة أخرى. فالعينة البيولوجية لا تكتسب قيمتها الإثباتية الكاملة إلا إذا أمكن إثبات مصدرها ومسار التعامل معها بصورة تضمن سلامتها واستبعاد احتمالات التلوث أو الاستبدال أو الخطأ.
ومن المنظور الفقهي، تعكس المطابقة الجينية تحولاً جوهرياً في فلسفة الإثبات الحديثة، حيث لم يعد التعرف على الأشخاص قائماً فقط على وسائل الإثبات التقليدية كالشهادة أو القرائن الظنية أو وسائل التعرف البصري، وإنما أصبح يعتمد بصورة متزايدة على الأدلة العلمية الموضوعية القابلة للتحقق وإعادة الاختبار. ولذلك، اكتسبت البصمة الوراثية مكانة خاصة في الفقه الجنائي المعاصر باعتبارها من أكثر وسائل الإثبات قدرة على الجمع بين اليقين العلمي والضمانات الإجرائية، إذ تستند حجيتها إلى قواعد علمية قابلة للمراجعة والتدقيق والتكرار، وليس إلى التقدير الشخصي أو الانطباعات الذاتية.
أما من المنظور الدستوري، فإن إثبات الهوية يتجاوز كونه مسألة فنية أو إجرائية، ليصبح جزءاً من منظومة الحقوق الأساسية التي تلتزم الدولة بحمايتها. فالحق في الهوية، والحق في معرفة الحقيقة، وحق الأسر في معرفة مصير ذويها، تمثل جميعها امتدادات مباشرة لمبادئ الكرامة الإنسانية وسيادة القانون والعدالة الإجرائية. ولهذا السبب أصبحت جهود البحث عن المفقودين والتعرف على الجثامين مجهولة الهوية تُعد في الفقه الدستوري المعاصر جزءاً من الالتزامات الإيجابية الواقعة على عاتق الدولة في حماية الحقوق الأساسية وضمان الوصول إلى الحقيقة.
كما تكتسب المطابقة الجينية أهمية استثنائية في سياقات النزاعات المسلحة والانتهاكات الجماعية لحقوق الإنسان. ففي هذه البيئات لا يقتصر الأمر على تحديد هوية الضحية فحسب، وإنما يمتد إلى حماية الذاكرة الجماعية للمجتمع، ومنع ضياع الأدلة، وتوفير الأساس الموضوعي للمساءلة وجبر الضرر والمصالحة الوطنية. وقد أظهرت تجارب البوسنة والهرسك وكوسوفو ورواندا والأرجنتين وتشيلي وغيرها أن برامج التعرف على المفقودين بواسطة الحمض النووي لم تكن مجرد مشاريع علمية، بل كانت جزءاً من مشروع أوسع لإعادة بناء الحقيقة التاريخية والقانونية بعد فترات النزاع والعنف الجماعي.
ومن الناحية السياسية، تمثل المطابقة الجينية أداة مهمة لنقل ملف المفقودين والجثامين مجهولة الهوية من دائرة السجال السياسي والتقديرات المتباينة إلى دائرة الإثبات العلمي القابل للتحقق. فبدلاً من أن تبقى هوية الضحايا موضوعاً للروايات المتعارضة أو الادعاءات غير الموثقة، توفر التحاليل الجينية أساساً موضوعياً يسمح بحسم كثير من الجدل القائم على التخمين أو التقدير. وبذلك، تسهم العلوم الجنائية الحديثة في نقل النقاش من مستوى سرديات الخطاب السياسي إلى مستوى سردية الحقيقة القانونية المدعومة بالدليل العلمي.
وعليه، فإن أهمية الواقعة المشار إليها في التسجيل للبروفيسور/ عقيل سوارالدهب لا تنحصر في نجاح عملية التعرف على هوية أحد المفقودين، وإنما تكمن في أنها تقدم نموذجاً عملياً لكيفية عمل المنظومة المتكاملة التي تبدأ بجمع الأدلة وحفظها، وتمر بإدارة الجثامين مجهولة الهوية وسلسلة الحيازة، وتنتهي بالمطابقة الجينية وإثبات الهوية. وهي المنظومة ذاتها التي تسمح بتحويل الرفات البشرية والبيانات البيولوجية والسجلات المتفرقة إلى حقيقة قانونية متماسكة وقابلة للإثبات أمام جهات التحقيق والمحاكم الوطنية والدولية.
ومن هذا المنطلق، تؤكد هذه الواقعة الأهمية الاستراتيجية لبناء قواعد بيانات وراثية وطنية متخصصة ومؤمنة قانونياً وفنياً، وربطها بسجلات المفقودين والمشارح والأدلة الجنائية والمؤسسات العدلية. فهذه القواعد لا تمثل مجرد مخازن للبيانات البيولوجية، وإنما تشكل بنية تحتية علمية وقانونية متقدمة تسمح بإدارة ملفات المفقودين والجثامين مجهولة الهوية بصورة احترافية، وتوفر آليات مستدامة للتعرف على الهويات وربط الأدلة بالأشخاص وإنتاج الحقيقة القانونية. وبهذا المعنى، تمثل المطابقة الجينية الحلقة التي تكتمل عندها رحلة الدليل؛ إذ تنتقل من مجرد تحليل عينة بيولوجية مجهولة إلى استعادة شخص محدد الهوية والحقوق، وإعادة إدماجه في السجل القانوني والإنساني للتاريخ والعدالة. ونواصل، للحديث بقية.
فريق شرطة (حقوقي )
د. الطيب عبدالجليل حسين محمود
المحامي استشاري القانون والموثق
26 يونيو 2026م


