فريق شرطة حقوقي د. الطيب عبدالجليل حسين يكتب إعادة قراءة فقهية تحليلية لنص المواد 21، 24 مقروءة مع نصوص المواد 50 – 51، 52 – 57، 187 – 192 من القانون الجنائي السوداني 1991م بتعديلاته (2)

تتناول سلسلة هذه المقالة قراءة فقهية سياسية ودستورية وقانونية متكاملة لفلسفة التجريم في الجرائم الموجهة ضد الدولة في القانون الجنائي السوداني لسنة 1991م وتعديلاته، من خلال إعادة تفسير نصوص المواد (21، 24، 50، 51، 52–57، 187–192) في ضوء المبادئ الدستورية، والقواعد العامة للمسئولية الجنائية، والتطورات التي شهدها القانون الجنائي الدولي. وتنطلق مرئيات المقالات من فرضية أساسية، مؤداها، أن النصوص التشريعية للقانون الجنائي 1991م لا تمثل أحكاماً متعارضة أو متنافسة، وإنما تشكل بناءً تشريعياً متدرجاً تتكامل فيه قواعد المساهمة الجنائية مع جرائم أمن الدولة والجرائم الدولية، بما يحقق وحدة النسق التشريعي ويزيل التداخل الظاهري بين النصوص.
وتؤسس سلسلة المقالة رؤيتها على محورين فلسفيين حاكمين؛ (أولهما) حماية الدولة بين الشرعية الدستورية والأمن القومي، (ثانيهما) فلسفة الدولة بين الحقيقة السياسية والحقيقة القانونية، انطلاقاً من القاعدة الفقهية الدستورية التي تقرر أن (الدولة ليست السلطة، والدستور ليس الحكومة). فالحماية الجنائية التي قررها المشرّع لا تنصرف إلى حماية الحكومات أو الأشخاص الذين يتولون السلطة، وإنما تتجه إلى حماية الدولة بوصفها شخصاً قانونياً عاماً، وحماية الشرعية الدستورية، وسيادة القانون، ووحدة الإقليم، واستمرار المؤسسات الدستورية. ومن ثم، فإن تفسير جرائم أمن الدولة، يجب أن يظل مرتبطاً بحماية الكيان الدستوري للدولة، لا بحماية السلطة السياسية باعتبارها واقعاً مؤقتاً ومتغيراً.
وفي هذا الإطار، تناقش سلسلة المقالات هذه، فلسفة التجريم في جرائم أمن الدولة، وتطرح الإشكالية الفلسفية المركزية:بطرح سؤال لماذا يتدخل القانون الجنائي قبل وقوع النتيجة؟ وتُبين أن المشرّع لا يعاقب على الأفكار أو النوايا المجردة، وإنما يتدخل استثناءً في مراحل الاتفاق، والتحريض، والإعداد، والتنظيم، والقيادة، عندما تتحول الإرادة الإجرامية إلى مشروع منظم يهدد المصلحة الدستورية العليا للدولة. وتربط سلسلة مرئيات المقالات هذا الاتجاه بنظرية الخطر في الفقه الجنائي الحديث، مع بيان حدوده وضوابطه في ضوء مبدأ الشرعية، وشخصية المسئولية الجنائية، وقرينة البراءة، وضمانات المحاكمة العادلة، تحقيقاً للتوازن بين مقتضيات الأمن القومي وصون الحقوق والحريات العامة.
كما تعيد سلسلة المقالة رسم الحدود الفاصلة بين جرائم تقويض النظام الدستوري وإثارة الحرب ضد الدولة، وتخلص إلى أن معيار التمييز بينهما لا يقوم على صفة الجاني أو مركزه الوظيفي، وإنما على طبيعة المشروع الإجرامي والمصلحة القانونية التي يحميها كل نص؛ فالمادة (50) تتجه إلى حماية الشرعية الدستورية من المشاريع الهادفة إلى تقويضها أو إنشاء سلطة موازية خارج إطار الدستور، بينما تنصرف المادة (51) إلى حماية الدولة من الأعمال العدائية المسلحة التي تُجسد ذلك المشروع في الواقع. أما المسئولية الجنائية الشخصية، فهي لا تُعد معياراً للفصل بين النصين، وإنما تمثل الآلية القانونية التي تُوزع من خلالها المسئولية على كل شخص بحسب دوره الفعلي في التخطيط أو القيادة أو السيطرة أو التحريض أو المساعدة أو التنفيذ، وفقاً للقواعد العامة للمساهمة الجنائية.
وتتوسع مرئيات المقاله كذلك في تحليل النصوص الوطنية المنظمة للجرائم الدولية، وتبين أن إدراج المواد (187–192) في القانون الجنائي السوداني يعكس اتجاهاً نحو مواءمة التشريع الوطني مع المبادئ المستقرة في القانون الجنائي الدولي، بما يسمح بمساءلة مرتكبي الجرائم الدولية أمام القضاء الوطني متى توافرت شروط الاختصاص والأركان القانونية، مع استلهام المبادئ التي أرستها محاكم نورمبرغ والمحاكم الجنائية الدولية الخاصة والمحكمة الجنائية الدولية، وعلى رأسها مبدأ المسئولية الجنائية الفردية، وعدم الإفلات من العقاب، ومسئولية القادة، مع مراعاة الضوابط القانونية لإثبات هذه المسئولية.
وتطبق المقالة هذه الرؤية على الوقائع المرتبطة بالنزاع المسلح في السودان، بما في ذلك الاتهامات المتعلقة بالاستنفار أو التعامل مع قوات الدعم السريع داخل مناطق سيطرتها، من خلال منهج قانوني يرفض التعميم أو افتراض المسئولية، ويؤكد أن المساءلة الجنائية لا تقوم على مجرد الانتماء أو الوجود الجغرافي أو الوصف السياسي، وإنما على إثبات الفعل المجرّم، وتحديد المركز القانوني لكل شخص، وتوافر أركان الجريمة والأدلة المقبولة قانوناً أمام القضاء المختص. كما تُبرز المقالة أهمية الجهود القانونية والمؤسسية التي بُذلت، وأسهم فيها المحاميان الدكتور/ محمد زين محمد والدكتور/ الطيب عبدالجليل حسين محمود، في تأسيس وإرساء منهجية علمية لبناء ملفات التقاضي الوطني والدولي وفق المعايير الدولية، وذلك من خلال مواءمة إجراءات فتح البلاغات والشكاوى، وجمع الأدلة، وإدارة التحريات والتحقيقات، وتوثيق الوقائع، وحفظ الأدلة وسلاسل حيازتها، بما يتفق مع الضوابط القانونية والفنية والمعايير الدولية الحاكمة لإدارة الأدلة. بما يساهم في تعزيز سلامة التكييف القانوني للوقائع، وترسيخ موثوقية الأدلة وقابليتها للاعتماد أمام جهات القضاء الوطنية والدولية، كلٌ بحسب قواعد الاختصاص والإجراءات المقررة قانوناً، بما يدعم مبدأ المساءلة، ويحد من مخاطر الإفلات من العقاب، ويعزز فرص تحقيق العدالة وفقاً لمقتضيات القانون الوطني والقانون الدولي.
وتخلص المقالة إلى أن فلسفة المشرّع السوداني، عند قراءة نصوص القانون الجنائي في ضوء الدستور والمبادئ العامة والقانون الدولي، تتجه إلى حماية الدولة الدستورية لا حماية الحكومة، وصون الشرعية الدستورية لا حماية السلطة السياسية، وإرساء المسئولية الجنائية الشخصية لا المسئولية الجماعية. ومن ثم، فإن نجاح العدالة الجنائية في مواجهة الجرائم الموجهة ضد الدولة يظل رهيناً بتطبيق النصوص وفق حدودها الموضوعية، وبالالتزام الصارم بمبدأ الشرعية، وسيادة القانون، وضمانات المحاكمة العادلة، بما يحقق التوازن بين مقتضيات الأمن القومي وحماية الحقوق والحريات، ويعزز الثقة في القضاء الوطني ويضمن اتساقه مع المعايير المستقرة في القانون الجنائي الدولي.
(أولاً) حماية الدولة بين الشرعية الدستورية والأمن القومي:
———————————-
تمثل العلاقة بين الشرعية الدستورية والأمن القومي إحدى أكثر الإشكاليات تعقيداً في الفقه الدستوري والجنائي المعاصر، إذ تقع عند نقطة التقاء القانون الجنائي بالقانون الدستوري والقانون الدولي العام والقانون الدولي الإنساني والقانون الجنائي الدولي. فالدولة الحديثة لا تقوم على القوة المجردة، كما لا تقوم على الشرعية النظرية وحدها، وإنما تستند إلى معادلة دستورية دقيقة تجعل الأمن القومي وسيلةً لحماية الدولة، وتجعل الشرعية الدستورية الإطار القانوني الذي يضبط ممارسة هذا الأمن ويمنع انحرافه عن غاياته المشروعة. ومن ثم، فإن حماية الدولة لا تتحقق بإعلاء مقتضيات الأمن على حساب الدستور وسيادة القانون، كما لا تتحقق بإطلاق الحقوق والحريات أو التوسع في ممارستها على نحو يفضي إلى التعسف في استعمالها أو توظيفها بما يهدد الأمن الوطني أو يقوض النظام الدستوري تحت ستار حماية الحقوق والحريات. وإنما تقوم الدولة الدستورية الحديثة على معادلة قانونية دقيقة تجعل الأمن القومي والشرعية الدستورية قيمتين متكاملتين لا متعارضتين؛(فالأول) الأمن لا يكتسب مشروعيته إلا إذا مورس في إطار الدستور والقانون، كما أن (الثاني) الحقوق والحريات لا تبلغ غايتها إلا إذا مورست في حدود احترام النظام الدستوري، وسيادة القانون، والمصلحة العامة، ومتطلبات حماية الدولة والمجتمع.
ومن ثم، فإن تحقيق التوازن بين مقتضيات الحفاظ على بقاء الدولة وسيادتها ووحدة إقليمها وصون أمنها القومي، وبين صيانة الشرعية الدستورية وضمان الحقوق والحريات العامة، يمثل الركيزة الأساسية للدولة القانونية، فلا يجوز أن يُضحى بالشرعية الدستورية بذريعة الأمن، كما لا يجوز أن تُتخذ الحقوق والحريات ستاراً لإضفاء المشروعية على أفعال تستهدف تقويض النظام الدستوري أو المساس بسيادة الدولة أو تهديد أمنها القومي. فكل من الأمن والحرية يشكل قيمة دستورية أصيلة، ولا تستقيم دولة القانون إلا بإقامة التوازن بينهما وفقاً للضوابط التي يرسمها الدستور، وبما يكفل حماية الدولة بوصفها الإطار الجامع للحقوق والحريات، وفي الوقت ذاته يحول دون تحول مقتضيات الأمن إلى وسيلة لتعطيل الضمانات الدستورية أو تحول الحقوق والحريات إلى غطاء لإهدار مقومات الدولة وسيادتها.
ومن هذا المنطلق، تُعد الجرائم الموجهة ضد الدولة من أكثر أبواب القانون الجنائي خصوصية وتعقيداً، لأنها لا تستهدف حماية مصلحة فردية أو حقاً خاصاً، وإنما تتجه إلى حماية الكيان القانوني للدولة باعتباره الإطار الذي تتجسد فيه السيادة الوطنية، والشرعية الدستورية، ووحدة الإقليم، واستمرارية المؤسسات العامة، وسلامة المجتمع. ولذلك، فإن فلسفة التجريم في هذا المجال تختلف عن فلسفة التجريم في الجرائم العادية؛ إذ إن المصلحة القانونية محل الحماية لا تتمثل في حق شخص بعينه، وإنما في حماية النظام الدستوري للدولة، وضمان استمرارها بوصفها شخصاً من أشخاص القانون العام، قادراً على أداء وظائفه الدستورية في مواجهة التهديدات الداخلية والخارجية.
ولذلك، فإن تفسير النصوص المنظمة للجرائم الموجهة ضد الدولة، لا يجوز أن يتم من خلال القراءة الحرفية للنصوص العقابية فحسب، وإنما يجب أن ينطلق من فلسفة الدولة الدستورية، ومن المبادئ العامة للمسئولية الجنائية، ومن القواعد الحاكمة للشرعية الدستورية، فضلاً عن استصحاب التطور الذي شهده القانون الجنائي الدولي في مجال المسئولية الجنائية الفردية عن الجرائم الأشد خطورة. فالتجريم في هذا المجال، لا يرمي إلى حماية السلطة السياسية أو الحكومة القائمة، وإنما إلى حماية الدولة باعتبارها كياناً دستورياً وسيادياً دائماً، وهو ما يقتضي التمييز بين حماية الشرعية الدستورية من جهة، وحماية الأمن القومي من جهة أخرى، بوصفهما مفهومين متكاملين لا متعارضين؛ إذ إن (الأول) الأمن القومي يفقد مشروعيته إذا انفصل عن الشرعية الدستورية، كما أن (الثاني) الشرعية الدستورية تصبح عاجزة عن أداء وظائفها إذا عجزت الدولة عن حماية أمنها ووجودها وسيادتها.
وتتضاعف أهمية هذا الموضوع في الحالة السودانية في ظل النزاع المسلح الذي اندلع في 15 أبريل 2023م، وما ترتب عليه من تحديات غير مسبوقة مست كيان الدولة ومؤسساتها، وأفرزت آلاف البلاغات الجنائية والتحقيقات المتعلقة بالجرائم الموجهة ضد الدولة، إلى جانب جرائم قد تندرج، بحسب ظروف كل واقعة وما يثبت فيها من أدلة، ضمن الجرائم الدولية المنصوص عليها في القانون الجنائي السوداني والقواعد ذات الصلة في القانون الدولي. وقد كشفت هذه التطورات عن إشكالات عملية وفقهية تتعلق بتكييف الوقائع، وتحديد النصوص الواجبة التطبيق، والتمييز بين القواعد العامة للمساهمة الجنائية والجرائم الماسة بأمن الدولة والجرائم الدولية، فضلاً عن تحديد نطاق المسئولية الجنائية الشخصية لكل مساهم في النشاط الإجرامي وفقاً لدوره الفعلي.
وفي موازاة ذلك، شهدت الساحة القانونية السودانية جهوداً مؤسسية لتطوير آليات العدالة الجنائية، سواء على المستوى الوطني أو في إطار إعداد ملفات يمكن الاستناد إليها أمام الجهات القضائية المختصة وفق قواعد الاختصاص والإجراءات الواجبة التطبيق. وفي هذا السياق، برزت مبادرات قانونية أسهم في تأسيسها المحاميان الدكتور/ محمد زين محمد والدكتور/ الطيب عبدالجليل حسين، استهدفت مواءمة إجراءات توثيق الجرائم وجمع الأدلة وحفظها مع المعايير الدولية، إلى جانب تدريب الشرطة والنيابة العامة والأجهزة العدلية والأجهزة العسكرية والأمنية المساندة للشرطة على أسس فتح البلاغات، وتقييد الشكاوى، وإدارة التحريات والتحقيقات، وسلامة سلسلة حفظ الأدلة، بما يعزز موثوقية الإجراءات وقابليتها للتقييم القضائي وفق المعايير الوطنية والدولية.
وفي ضوء هذه التطورات، تبرز الحاجة إلى إعادة بناء القراءة الفقهية للنصوص المنظمة للمساهمة الجنائية، والجرائم الموجهة ضد الدولة، والجرائم الدولية، بما يزيل التداخل الظاهري بين أحكامها، ويحدد على نحو دقيق المصلحة القانونية التي يحميها كل نص، وحدود نطاق تطبيقه، والعلاقة التكاملية التي تربطه ببقية النصوص داخل البناء التشريعي للقانون الجنائي السوداني. كما تقتضي هذه القراءة إعادة تأصيل نظرية المسئولية الجنائية على أساس المبادئ الدستورية الحاكمة، وفي مقدمتها مبدأ الشرعية الجنائية، وشخصية المسئولية الجنائية، وقرينة البراءة، والمحاكمة العادلة، والتناسب بين الفعل والعقوبة، مع الاستفادة من التطور الذي شهده القانون الجنائي الدولي في مجال إسناد المسئولية الفردية عن الجرائم الأشد خطورة، بما يحقق التوازن بين مقتضيات حماية الدولة وصيانة الحقوق والحريات، ويجعل الشرعية الدستورية والأمن القومي ركيزتين متكاملتين لدولة القانون، لا مبدأين متعارضين.
(ثانياً) فلسفة الدولة بين الحقيقة السياسية والحقيقة القانونية: (الدولة ليست السلطة… والدستور ليس الحكومة):
——————————-
تُعد مقولة (الدولة ليست السلطة… والدستور ليس الحكومة) المدخل الفلسفي والفقهي الذي تنبني عليه نظرية حماية الدولة في القانون الدستوري والقانون الجنائي، كما تمثل المفتاح المنهجي لفهم الجرائم الموجهة ضد الدولة وحدود الحماية الجنائية التي قررها المشرّع. فهذه المقولة لا تعبر عن شعار سياسي أو توصيف نظري مجرد، وإنما تؤسس لقاعدة دستورية وقانونية حاكمة، تميز بين الحقيقة السياسية التي تحكمها موازين القوة والتنافس على السلطة، وبين الحقيقة القانونية التي يحكمها الدستور وسيادة القانون واستمرار الشخصية القانونية للدولة.
ولعل مفهوم الدولة من أكثر المفاهيم تعرضاً للخلط في الفكر السياسي والقانوني العربي ودول العالم الثالث، إذ كثيراً ما تختلط الدولة بالسلطة، ويختلط النظام الدستوري بالحكومة القائمة، ويُختزل الكيان القانوني الدائم للدولة في الأشخاص الذين يمارسون السلطة بصورة مؤقتة. ونتيجة لهذا الخلط، تتعامل بعض الحكومات مع أي تهديد يطال السلطة القائمة بوصفه تهديداً للدولة ذاتها، كما تنظر بعض القوى السياسية إلى تغيير الحكومة أو سقوط النظام السياسي باعتباره سقوطاً للدولة وانهياراً لشرعيتها. وكلا التصورين يفتقر إلى السند الفقهي والدستوري، لأنهما يخلطان بين ما هو دائم وما هو مؤقت، وبين الكيان القانوني للدولة والسلطة التي تدير شئونها، وبين الشرعية الدستورية والشرعية السياسية.
فالفقه الدستوري الحديث، يستقر على أن الدولة ليست السلطة، والدستور ليس الحكومة؛ فالدولة ليست شخص الحاكم، ولا مجلس الوزراء، ولا الحزب السياسي، ولا المؤسسة العسكرية، ولا أي سلطة عامة تتولى إدارة الحكم في مرحلة زمنية معينة، وإنما هي الشخص القانوني العام الذي تتجسد فيه وحدة الشعب والإقليم والسيادة، وتنتظم في إطاره جميع السلطات العامة، وتستمد مشروعية وجودها واستمرارها من الدستور وسيادة القانون، لا من إرادة الحكام أو موازين القوة السياسية أو العسكرية. ومن ثم، فإن الحكومات تتغير، والسلطات تتداول، والأنظمة السياسية قد تتبدل وفق الوسائل الدستورية أو نتيجة تحولات تاريخية وسياسية، بينما تظل الدولة قائمة بوصفها كياناً قانونياً وسيادياً، ما دامت عناصرها الأساسية ونظامها الدستوري لم ينهارا.
ومن هذا المنظور، تبرز الحاجة إلى التمييز بين الحقيقة السياسية والحقيقة القانونية للدولة. فالحقيقة السياسية تعكس واقع الصراع على السلطة، وموازين القوى، وآليات الوصول إلى الحكم وممارسته، وهي بطبيعتها متغيرة، تخضع للمتغيرات السياسية والاجتماعية والعسكرية. أما الحقيقة القانونية، فهي تقوم على أن السلطة ليست سوى وظيفة دستورية مؤقتة تمارس باسم الدولة، وفي الحدود التي يرسمها الدستور والقانون، ولا تملك أن تحل محل الدولة أو تختزلها في ذاتها. ولذلك، فإن الحكومات تتعاقب، والبرلمانات تُحل، والرؤساء يغادرون مناصبهم، وقد تتغير حتى طبيعة النظام السياسي، بينما تظل الدولة محتفظة بشخصيتها القانونية، وباستمرارها في مواجهة الداخل والخارج، باعتبارها الشخص القانوني الذي تستمر حقوقه والتزاماته رغم تغير من يتولون إدارة شئونه.
ومن هنا، فإن أول مظاهر الخلل الفقهي في إدارة الدولة في كثير من النظم السياسية يتمثل في اختزال الدولة في السلطة، واختزال الشرعية في السيطرة الفعلية على أدوات القوة. وهذا الخلط يؤدي، في التطبيق العملي، إلى توظيف نصوص حماية الدولة لحماية الحكومات، بدلاً من توظيفها لحماية الشرعية الدستورية ذاتها، فيتحول التجريم من حماية الكيان الدستوري للدولة إلى حماية السلطة السياسية القائمة، وهو ما يتعارض مع فلسفة الدولة القانونية، ومع المبادئ الدستورية التي تجعل الدستور هو مصدر الشرعية، وتجعل جميع السلطات خاضعة له، لا مالكة له.
ويكشف هذا التمييز أيضاً، عن الفرق بين شرعية السلطة وشرعية الدولة. فشرعية السلطة تتعلق بكيفية تولي الحكم ومدى التزام القائمين عليه بأحكام الدستور والقانون، وهي بطبيعتها قابلة للتغيير بزوال الحكومة أو انتهاء ولايتها أو تبدل النظام السياسي. أما شرعية الدولة، فهي تتعلق باستمرار الكيان الدستوري والسيادي الذي تنتظم في إطاره جميع السلطات العامة، وباستمرار الشخصية القانونية للدولة في مواجهة مواطنيها والمجتمع الدولي. ولذلك، فإن الحماية الجنائية التي يقررها المشرّع للجرائم الموجهة ضد الدولة لا تنصرف إلى حماية الأشخاص الذين يتولون السلطة، ولا إلى ضمان بقاء حكومة بعينها، وإنما تنصرف إلى حماية الشرعية الدستورية، ووحدة الدولة، وسيادتها، واستمرار مؤسساتها القانونية، بوصفها مصالح قانونية عليا يقوم عليها وجود الدولة ذاتها.
ولا يقف أثر هذا التأصيل عند حدود النظرية الدستورية، بل يمتد مباشرة إلى تفسير النصوص الجنائية المتعلقة بأمن الدولة. فهذه النصوص يجب أن تُقرأ في ضوء المصلحة القانونية التي قصد المشرّع حمايتها، وهي الشرعية الدستورية والكيان القانوني للدولة، لا المصالح السياسية للحكومة القائمة. ولذلك، لا يجوز أن تتحول نصوص أمن الدولة إلى أدوات لحماية السلطة أو لتجريم المعارضة السياسية المشروعة أو الحد من الحقوق والحريات التي يكفلها الدستور، كما لا يجوز في المقابل إفراغها من مضمونها بما يعجز الدولة عن حماية وجودها الدستوري وسيادتها ووحدة إقليمها من الأفعال التي تستهدف تقويضها بوسائل غير مشروعة. وهنا يبرز الدور المحوري للقاضي الدستوري والقاضي الجنائي في تحقيق التوازن بين مقتضيات حماية الدولة وضمانات الحقوق والحريات، من خلال تفسير النصوص العقابية تفسيراً منضبطاً بمبدأ الشرعية، وبالمصلحة الدستورية التي وُضعت النصوص من أجلها.
ومن ثم، فإن أي قراءة فقهية للمواد المتعلقة بأمن الدولة في القانون الجنائي السوداني، لا يمكن أن تستقيم إلا إذا انطلقت من هذه القاعدة التأسيسية، وهي أن الدولة ليست السلطة، والدستور ليس الحكومة؛ فالدولة هي الكيان الدستوري والسيادي الدائم، أما السلطة فهي وظيفة دستورية مؤقتة تمارس باسم الدولة وتخضع لقيود الدستور. وبناءً على ذلك، فإن معيار التجريم في الجرائم الموجهة ضد الدولة، لا يقاس بمدى تأثير الفعل في بقاء حكومة أو تغييرها، وإنما بمدى مساسه بالشرعية الدستورية، أو بسيادة الدولة، أو بسلامة مؤسساتها، أو بوحدتها القانونية والسياسية.
وتأسيساً على ذلك، فإن هذا التمييز لا يمثل مجرد مدخل نظري لمرئيات هذه المقالة، وإنما يشكل الأساس الفلسفي الذي تُبنى عليه القراءة اللاحقة لنصوص المواد (21، 24، 50، 51، 52–57، 187–192) من القانون الجنائي السوداني، إذ إن فهم نطاق الحماية التي تقررها هذه النصوص لا يتحقق إلا بإدراك أن المشرّع لم يقصد حماية السلطة لذاتها، وإنما قصد حماية الدولة الدستورية باعتبارها الإطار القانوني الجامع الذي تستمد منه جميع السلطات العامة مشروعيتها، والذي تقوم عليه سيادة القانون، واستقرار المجتمع، وضمان الحقوق والحريات. ومن ثم، فإن فلسفة حماية الدولة تبدأ من حماية الدستور، لأن الدستور هو الذي يضفي المشروعية على السلطة، وليس العكس؛ وبحماية الشرعية الدستورية تتحقق في آن واحد حماية الدولة، وسيادة القانون، واستقرار النظام العام، دون إخلال بمبدأ الشرعية الجنائية أو بالضمانات الدستورية للمحاكمة العادلة.
ومن هنا يبرز أحد أهم مواطن الخلل الفقهي في إدارة الدولة في كثير من النظم السياسية، وهو اختزال الدولة في السلطة، واختزال الشرعية في مجرد السيطرة على أدوات القوة. ويترتب على هذا الخلط، أن تتحول النصوص الجنائية الخاصة بحماية الدولة من وسائل لحماية الشرعية الدستورية إلى أدوات لحماية السلطة السياسية، فتُفسَّر جرائم أمن الدولة باعتبارها حماية للحكومة القائمة، لا حماية للدستور وللنظام القانوني الذي تستمد منه جميع السلطات مشروعيتها. والحقيقة أن المصلحة القانونية التي يحميها المشرّع في جرائم أمن الدولة لا تتمثل في بقاء حكومة بعينها أو استمرار أشخاص في مواقعهم، وإنما تتمثل في حماية الدولة باعتبارها كياناً دستورياً، وصون الشرعية التي تنظم ممارسة السلطة وتداولها في إطار أحكام الدستور وسيادة القانون.
ولا يقف أثر هذا التمييز عند حدود النظرية الدستورية، بل يمتد مباشرة إلى التطبيق القضائي وإلى تفسير النصوص الجنائية المتعلقة بأمن الدولة. فالقاضي، عند تطبيق هذه النصوص، لا يحمي أشخاص الحكام ولا المصالح السياسية للحكومة، وإنما يحمي النظام الدستوري والكيان القانوني للدولة، مع الالتزام في الوقت ذاته بضمان الحقوق والحريات التي كفلها الدستور.
ولذلك فإن القضاء، بوصفه الحارس الطبيعي للشرعية الدستورية، مطالب بإقامة توازن دقيق بين واجب حماية الدولة من الأفعال التي تستهدف كيانها أو نظامها الدستوري، وبين واجب صون الحقوق والحريات العامة، حتى لا تتحول نصوص أمن الدولة إلى أداة لتجريم المعارضة السياسية المشروعة، أو إلى وسيلة للتوسع في التجريم بما يتجاوز حدود مبدأ الشرعية الجنائية.
ومن هذا المنظور، فإن التمييز بين الدولة والسلطة، وبين الدستور والحكومة، لا يمثل ترفاً فكرياً أو جدلاً نظرياً، وإنما يُعد قاعدة تأسيسية لفهم فلسفة التجريم في الجرائم الموجهة ضد الدولة. فالدولة الدستورية الحديثة لا تحمي الحكومات لذاتها، وإنما تحمي الشرعية الدستورية التي تستمد منها الحكومات مشروعيتها، كما لا تحمي السلطة بوصفها غاية في ذاتها، وإنما تحمي النظام القانوني الذي يجعل السلطة خاضعة للدستور، ويجعل سيادة القانون، لا سيادة القوة، هي الأساس الذي يقوم عليه الحكم الرشيد والدولة القانونية. ومن ثم، فإن أي قراءة فقهية لنصوص القانون الجنائي السوداني، ولا سيما النصوص المتعلقة بحماية الدولة، يجب أن تنطلق من هذه القاعدة الجوهرية: الدولة ليست السلطة، والدستور ليس الحكومة، وإنما هما الإطار القانوني والسيادي الذي يعلو على الحكام والمحكومين جميعاً، ويخضع له الجميع على قدم المساواة.
ومن زاوية الفكر السياسي الدستوري، فإن الأزمة في كثير من الدول ليست أزمة نصوص، وإنما أزمة فلسفة حكم. فحين تغيب الرؤية الفقهية للدولة، تصبح السلطة غاية في ذاتها، ويصبح القانون أداة لإدارة الصراع السياسي بدلاً من أن يكون إطاراً لتنظيمه. ولذلك، فإن بناء دولة القانون يبدأ بإعادة تعريف الدولة بوصفها كياناً دستورياً دائماً، لا مجرد سلطة عابرة.
(ثالثاً) فلسفة التجريم في جرائم أمن الدولة:
———————————-
السؤال الفلسفي: لماذا يتدخل القانون الجنائي قبل وقوع النتيجة؟ لعل أول سؤال يفرض نفسه عند دراسة الجرائم الموجهة ضد الدولة، ولا سيما جرائم أمن الدولة، ليس هو: ما الذي يجرّمه القانون؟ وإنما سؤال أعمق وأسبق في البناء الفلسفي لنظرية التجريم، وهو: لماذا يتدخل القانون الجنائي قبل وقوع النتيجة أصلاً؟ ولماذا يخرج المشرّع على القاعدة العامة التي تقضي بأن العقاب لا يكون إلا بعد وقوع اعتداء فعلي على مصلحة قانونية يحميها القانون، فيتدخل منذ المراحل الأولى للمشروع الإجرامي، فيجرّم الاتفاق، والتحريض.


