(الضؤ الشارد) واشنطن تشدد الخناق: ماذا يعني إدراج السودان في مجموعة (د-3)؟ قراءة في أبعاد القرار الأمريكي وتداعياته السياسية والاقتصادية بقلم/ ملوك ميوت ايواك

لم يعد التصعيد الأمريكي تجاه السودان يقتصر على البيانات الدبلوماسية أو العقوبات التقليدية بل دخل مرحلة أكثر تعقيدا تتعلق بالقدرات التقنية والاقتصادية للدولة. فالقرار الصادر عن وزارة التجارة الأمريكية ممثلة في مكتب الصناعة والأمن (BIS) بإدراج السودان ضمن مجموعة الدول (د-3) الخاصة بالدول التي تثير مخاوف بشأن الأسلحة الكيميائية والبيولوجية يمثل تحولا مهما في أدوات الضغط الأمريكية وينقل العلاقة بين واشنطن والسلطات السودانية إلى مستوى جديد من التشدد.
ويستند القرار إلى الموقف الأمريكي الذي يتهم الحكومة السودانية باستخدام أسلحة كيميائية وهو اتهام تنفيه السلطات السودانية. وبغض النظر عن الجدل السياسي حول هذه الاتهامات فإن الأثر العملي للقرار يتمثل في تشديد ضوابط تصدير التكنولوجيا والمنتجات الأمريكية إلى السودان واعتماد سياسة افتراض الرفض عند النظر في طلبات تراخيص التصدير بما يعني أن الأصل في الطلبات سيكون الرفض والاستثناء هو الموافقة في حالات محدودة للغاية.
سياسيا يحمل القرار رسائل تتجاوز الجانب التجاري. فهو يعكس استمرار فقدان الثقة بين واشنطن والسلطات السودانية كما يبعث بإشارة إلى المجتمع الدولي بأن الولايات المتحدة تنظر إلى التطورات في السودان باعتبارها مصدر قلق يتطلب تشديد القيود بدلا من تخفيفها. ومن شأن هذه الخطوة أن تؤثر أيضا في مواقف بعض الدول والشركات التي قد تصبح أكثر تحفظا في التعامل مع السودان خشية التعرض لتعقيدات قانونية أو تنظيمية مرتبطة باللوائح الأمريكية.
اقتصاديا تبدو التداعيات أكثر عمقا. فالاقتصاد السوداني يعاني أصلا من آثار الحرب وتراجع الإنتاج وانهيار قطاعات حيوية وتدهور البنية التحتية. وإضافة قيود جديدة على استيراد المعدات الصناعية المتقدمة وقطع غيار الطائرات وتقنيات الاتصالات والمنتجات ذات الاستخدام المزدوج التي تعني زيادة كلفة التشغيل وإبطاء عمليات الصيانة والتحديث فضلا عن تضييق فرص الاستثمار في قطاعات تعتمد على التكنولوجيا الحديثة.
كما أن القرار لا يقتصر تأثيره على الشركات الأمريكية وحدها إذ إن كثيرا من الشركات العالمية تستخدم مكونات أو برمجيات أو تقنيات أمريكية تخضع بدورها لقوانين التصدير الأمريكية ما يجعل نطاق التأثير أوسع من العلاقات التجارية المباشرة مع الولايات المتحدة. ولذلك قد تجد مؤسسات سودانية نفسها أمام صعوبات إضافية في الحصول على تقنيات أو معدات من أسواق أخرى بسبب القيود الأمريكية العابرة للحدود.
ومن الناحية الدبلوماسية قد يزيد القرار من عزلة الحكومة السودانية في وقت تحتاج فيه البلاد إلى توسيع شبكة علاقاتها الاقتصادية وجذب الاستثمارات وإعادة بناء المؤسسات. كما أنه قد يعقد أي مساع مستقبلية لتحسين العلاقات مع الولايات المتحدة ما لم يحدث تقدم في الملفات التي تثير قلق واشنطن. في المقابل قد تسعى السلطات السودانية إلى تقليل آثار القرار عبر توسيع التعاون مع شركاء آخرين خارج المنظومة الغربية غير أن هذا الخيار يواجه تحديات عملية لأن التكنولوجيا الأمريكية ومكوناتها ما تزال حاضرة في كثير من سلاسل الإمداد العالمية وهو ما يجعل تجاوز القيود أمرا بالغ الصعوبة.
فإن إدراج السودان ضمن مجموعة (د-3) يمثل خطوة ذات أبعاد سياسية واقتصادية وتقنية متشابكة. فالقرار لا يفرض عقوبات مالية مباشرة لكنه يضيق هامش الوصول إلى التكنولوجيا المتقدمة ويبعث برسالة سياسية قوية بشأن موقف الإدارة الأمريكية من السلطات السودانية. وسيظل تأثيره مرتبطا بتطور العلاقات بين البلدين وبالظروف الداخلية في السودان وبما إذا كانت الأسباب التي استندت إليها الولايات المتحدة ستبقى قائمة أو ستشهد تغيرا في المستقبل.


